أغنية علّمتني الإصغاء

حجم الخط
0

عناية جابر

صوت المطرب والممثل الراحل محمد فوزي كان سعيداً ومرتفعاً. صوت سعيد ومرتفع وكأن صاحبه يريد في أغنية واحدة أن يقبض على كل الغناء: ‘مال القمر مالو/ماجيناش على بالو’، يُغنّي فوزي بصوته الممتلىء بالنور والدفء، وكنت أرتعش قليلاً في المقطع الذي يقول: فايت ولاهمّو/بيرنّ خلخالو/وجريت ورا عمّو/وبوست أيد خالو. مقطع يستجدي المحبوب ويُثير بي فزعاً خافتاً من الذل اللاحق بالمُحبّ. والدي الذي لم يكن يُعجبهُ محمد فوزي، وأرجّح أنه كان يغار منه، يُقطّب أسارير وجهه لدى سماعه، ويسألني أنا المأخوذة بمتابعة غناء فوزي في فيلمه القديم: ‘عفواً! اسمحيلي، شو يعني هالغنّية؟ شوبيقصد وجريت ورا عمّو وبوست أيد خالو؟ ياعين مللا غناء!

لا أعرف أن أُمهّد لمقالاتي تمهيداً معرفياً مُرتباً كأن أقول بأن محمد فوزي كان فناناً شاملاً: ملحن ومطرب وممثل ومنتج. أقول فحسب ان صداقة جمعتني بغمازتيه. بخفة ظله. بوسامته وصوته. صداقة عميقة جمعتني بغمازتيه حين يبتسم (قلما لم يكن يبتسم) ، ليس لأنني كنت مراهقة وصريعة تلك الفجوات السحرية على خديه الممتلئين، وليس لأنني كنت أشعر بتوثّب كونّي ينبع من كل مسام روحي وجسدي، بل لأنه ببساطة كان يملأني. أنتظر عرض أحد أفلامه على شاشة التلفزيون الصغيرة، وأروح أكره ليلى مراد أو مديحة يسري أو سواهما من الفنانات اللواتي قاسمنه بطولات أفلامه، النساء اللواتي لم يعرفن قيمة تلك الغمازات المضيئة التي تشّق القلب شقاً فادحاً، ولا يعرفن معنى أن تُصادقها فتاة مثلي في الثالثة عشرة، المعنى الثمين والنادر أكثر بكثير من الحب. ثم أن الحب في الحقيقة هو شيء ثخين جداً وحتى غليظ وثقيل بالمقارنة مع صداقة عُقدت بين صبية صغيرة وغمّازتين لرجل وسيم، صوته جميل ورقيق ورهيف، علمني الإصغاء ومنحني إحساسي الذكي بالموسيقى والغناء.

لا أعرف أيضاً أن أقول كسائر خلق الله الذين يكتبون، ان فوزي ولد عام 1918في قرية كفر الجندي القريبة من مدينة طنطا، وانه أخ لعدد كبير من الأشقاء بلغ عددهم 24 شقيقا وشقيقة اشهرهم الفنانة الراحلة هدى سلطان، وإن فوزي انتقل بالأغنية العربية الى مرحلة متقدمة لمّا قدّم الأغنية الخفيفة والرومانسية العاطفية، وكذلك أغاني الأطفال. أقول فحسب، إن محمد فوزي لمّا يُغنيّ: ‘ داري العيون داريها/السحر ساكن فيها’.. كنت أغلق عينيّ بسبب من هذه الأغنية، وأترك لأهدابي حركة طيرانها البطيء، فتأخذ تصطفق كأجنحة طير يحتضر. بسبب هذه الأغنية وسواها يغنيها محمد فوزي، تختفي الغيوم عن قلبي فجأة، وأشعر أن بؤبؤيّ يحترقان مثل قطعة بخور عُماني، وتخالط قلبي كبرياء شامخة. لا يعود يسعني التوقف عن النظر إليه، بل أحملق به بعيون ملتهبة، وأغرز في وجنتيه وفي فمه المكتمل، نظرات توّاقة يائسة. فعلاً، بدون أن أُمني نفسيبأي أمنية كاذبة. كنت أعرف أنه ليس لي. أنه لم يكن من نصيبي. فهو كان ظبي الشاشة في ذلك الحين، وتزوّج من ثلاث سيدات كما فعل والده تماماً. كل واحدة كانت جميلة كقرص الشمس. كلهّن كنّ فاتنات، ولكن مديحة يسري كانت أكثرهن جمالاً وترتعش حولها دائماً هالة من الشوكولاتة المبهجة.

كما لا أعرف أيضاً وأيضاً، أن أكتب أنه التحق بعد نيله الشهادة الثانوية بمعهد الموسيقى العربية، وانضمّ بعدها الى فرقة بديعة مصابني، ثم الى فرقة فاطمة رشدي، كما لحّن العديد من المسرحيات واعتُمد كملحن ومطرب في الإذاعة، ومثّل في الكثير جداً من الأفلام، وأسّس أول شركة انتاج اسطوانات في مصر، وفي رصيده 400 أغنية. ما أعرفهُ ان فوزي حين يُغني: ليّا عشم واياك يا جميل/إن بُحت بالسّر تصونه.. يأخذ بمجامع قلبي ويعمل فيه شيئاً صاخباً، فرحاً، وبسببها لم يتغلغل الظلام إليه. الضوء والبهجة وأعوامي الثلاثة عشر.

تُرخي أغنية محمد فوزي مسرّة مُسرفة، غنية من دون قيود. مسرّة لا سبب لها ولا علّة، ومسرّة لا أساس لها في اللحن السريع، ولا دافع في الكلمات البسيطة. لا شيء يجعل أغنية فوزي مبهجة الى هذا الحّد وتفيض بالفرح والجذل سوى لأن جمالها ينبع من داخل فوزي نفسه، الذي قضى مع ذلك بمرض نادر، لم يتمكنّ الأطباء حينها من معرفة هويته، أو طريقة علاجه، عن عمر لم يناهز الأربعينيات.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية