أغنية لمارغريت

حجم الخط
0

لنا عبد الرحمنيرعبها في ظلمة الليل صوت بكاء الأطفال الذي يعبر المسافات. لا تعرف من أين تتسلل هذه الأصوات لكنها تئن بوحشة مخيفة، أنين متقطع يرشقها بكل ذكريات الموت التي عرفتها من قبل. إنه الأنين المكتوم لأصوات الأطفال الملتاعين لأسباب تجهلها، أصوات سمعتها من قبل حين مات والدها، وحين ماتت جدتها زينب التي أحبتها جداً. كانت أصوات الأطفال تختلط أيضاً بنواح مفزع لأمهات ثكالى، وبعد ذاك النواح ترتفع أصوات مواء قطط متوحشة، مع هيجان خراف، وخوار أبقار هائجة، وكلاب شرسة، ووطاويط ترسم أشكالاً هندسية في حجب الظلام. لكن يظل صوت مواء القطط المزعج يتكرر بعد أن تصمت الأصوات الأخرى. لم تحب القطط، كانت تخشاها، منذ تلك المرة التي خدشت فيها القطة وجهها، عرفت أن القطط شرسات في بعض الأحيان. مووووو… ووووو… ييييييييي. هوووووووو… عيييييي… عييييي… هممممممم…. مممممم… همهمات، تمتمات، أصوات تسمعها زينب، لكنها لا تعرف مصدرها. هل هناك وهم في ما تفكر به؟ هل هذه هلوساتها السمعية التي كان د. رامي يكرر لها السؤال عنها: ‘هل تسمعين أصواتا غريبة؟’، وكان ردها دائما بالنفي. ربما هذه هي الأصوات التي يقصدها. لكن لم تكن تلك الأصوات فقط هي التي تسمعها. صارت تسمع أغنيات خافتة قرب سريرها في ليال كثيرة، كما كان هناك أشخاص ينادون عليها حين توشك على السقوط: ‘زينب.. زينب.. زينب’. لذا ظنت لبعض الوقت أن مشكلتها تكمن في عدم القدرة على الفصل التام بين ما يحدث في سريرها ليلاً، وبين ما تراه في الواقع، وأن ثمة تسريباً يحدث من ذاكرتها الليلية إلى ذاكرتها النهارية، وإلا لما تداخلت التفاصيل في ذهنها إلى الحدّ الذي أفقدها القدرة على التمييز الدقيق. أحياناً كانت ترفع يدها في الظلام وهي نائمة تتحسس طريق قلم رصاص وورقة تضعهما على المنضدة الصغيرة قرب سريرها، تُخرج يدها من تحت الغطاء وتكتب كلماتها في الظلام من دون أن تغادر السرير، أو تكلف نفسها بإضاءة النور الخافت قربها. حين تقرأ تلك الكلمات في الصباح تعرف أن ذاكرتها مجرد ورقة شفافة، أو ورقة كربون يتم عبرها نسخ الأشياء، والتفاصيل، والحكايات، ما حدث منها وما لم يحدث، والممكن حدوثه أيضاً. لا يهم أن اسمها زينب أو أي اسم آخر، لكن هي وحدها التي تكون في لحظات قليلة مجرد كائن شفاف تصب فيه أفكار مجهولة، من دوائر كبرى لا تعرف عنها شيئاً. وسط تلك التخيلات، رأت شبح مارغريت، وقادتها الأيام لمعرفة حكايتها، والكتابة عنها. * * *عند كورنيش الشاطئ، كانت مارغريت تجلس على حافة مقعد حجري، الوقت مساء، والهواء يميل إلى البرودة مع نهاية الخريف. البحر هائج، تماماً كما تحبه، ترى في حركته تلك، أفكارها الصاخبة. كانت وحيدة. لا يميل الناس للبحر حين يكشف عن وجهه الحقيقي. الناس يحلمون ببحر هادئ دوماً، لكنها لمحت شاباً يافعاً على بعد خطوات منها، لم يكن يراها، كان منشغلاً، ينظر باتجاه نافذة في الجهة المقابلة، تقف فتاة جميلة وشابة في وسط النافذة وتلوح له وهي تشير إلى أسفل، فيما عينا الشاب في حيرة، تجولان المكان بسرعة بين نافذة الفتاة والشارع، بعد قليل ظهرت فتاة صغيرة في العاشرة من عمرها تقريباً، ناولت الشاب ورقة، ومضت مسرعة.. ظل الشاب واقفاً يقرأ الرسالة، وبين حين وآخر يرفع نظره نحو النافذة، حيث صاحبتها ما تزال واقفة تنظر نحوه. وضع الشاب الرسالة في جيبه، ومضى مبتعداً. هل حددت له مكاناً ليلتقيا به؟ هل أبلغته بتخليها عنه؟ ماذا تحتوي تلك الورقة؟ فكرت مارغريت باحتمالات شتى، فيما تختلط الصور في ذهنها، عن حكايات أخرى، عرفتها، وعاشتها، وتبرق في ذاكرتها مثل علامات حمراء لا يمكن المرور بجانبها من دون توقف. تذكر حين كانت صبية، وسارت بسرعة في شوارع كامبوديا، الوقت أول المساء. الطرقات غارقة بماء المطر على شكل برك صغيرة امتزج عند حوافها الماء بالتراب. غرقت قدماها بالوحل، وتبللت ثيابها، أحست أن مياه المطر تسللت إلى عظامها عبر حذائها الضعيف وتنورتها التي لا تغطي ساقيها بالكامل. قررت التوقف عند بيت صديقتها تارا، لتختبئ من المطر. تعبر بقع الوحول بسرعة، تحاول التحرك بخفة خشية أن تنـزلق على الأرض فيزداد حالها سوءاً. حين فتحت لها تارا الباب كانت تمسك بيدها ملعقة خشبية كبيرة عليها آثار من اللون الأبيض اللزج لطعام تعده. تجمع إخوة تارا الخمسة على حصيرة قديمة على الأرض، كانوا يكتبون واجباتهم الدراسية أمام قنديل الكاز، الغرفة معتمة، لكنها عابقة بالدفء. جلست مارغريت على الكرسي الوحيد الموجود في الغرفة، ناولتها تارا منشفة قديمة لتنشف وجهها وشعرها وثيابها مما علق بها من مياه المطر، ثم سحبتها من يدها لتقف إلى جوارها في المطبخ. كانت تارا تطهو حلوى الأرز بالحليب في قدر كبير، واصلت تحريك الأرز الذي يتصاعد منه البخار، حركت شفتيها جانباً دلالة على انزعاجها من التصاق الأرز في الوعاء، طلبت من مارغريت الجلوس على إحدى علب الحليب الفارغة الموضوعة على الأرض، ثم واصلت التحريك وهي تسألها عما حدث في لقائها مع العاشق. كانت عينا تارا تلمعان من الإثارة والشوق لمعرفة ما حصل مع صديقتها اليوم، لكن مارغريت كانت تنظر إلى وجه صديقتها الأسمر، وإلى البخار الذي يتعالى من القدْر، ليلامس وجنتيها البارزتين، وأنفها الأفطس، فيبدو لمعان شفاف على بشرتها السمراء. كانت خصلات سوداء من شعر تارا الخشن منفوشة إلى أعلى خارج المشابك المثبتة حول رأسها. لم تَقْوَ مارغريت على الكلام، كانت سابحة في تخيلاتها الخاصة، ظلت تراقب صديقتها وهي تسكب الأرز بالحليب في أوعية صغيرة صنعتها من أوراق جوز الهند، كانت مارغريت تندهش كيف تقوم تارا بصنع مربع من ورق شجر جوز الهند السميك على شكل طبق، تقوم بشبكه بإتقان، فيتحول إلى صحن يتم وضع الطعام فيه من دون أن يتسرب منه شيء، صفت تارا أطباق الحلوى على الطاولة المستطيلة المغطاة بمشمع قديم وممزق، بانتظار أن تبرد قليلاً قبل أن يلتهمها الصغار. كانت مارغريت تنظر إلى الأوعية الخضراء المملوءة باللون الأبيض وتتخيل التفاعل اللطيف الذي سيحصل بين أوراق جوز الهند والأرز الساخن بالحليب، فكرت أن نقص أوعية الطعام دفع صديقتها إلى ابتكار هذه الطريقة للتحايل على الفقر. كانت تفكر في حياة صديقتها المعدمة، بينما تارا تتشوق للانتهاء من غسل الوعاء الكبير الذي طهت به الحلوى كي تجلس مع صديقتها الوحيدة للاستماع إلى مغامرتها، وما حدث في لقاء اليوم. عندما جلست تارا قرب مارغريت في زاوية المطبخ المعتم، كانت تستمع لحكايا صديقتها عن العاشق الذي يغسل لها جسدها في حوض الاستحمام، ثم يحملها إلى السرير وهو يلفها بمنشفة شبه رمادية كانت بيضاء في وقت مضى، يداعب أصابع قدميها الصغيرة وهو يحاول سؤالها إن كانت تعرف أحداً غيره. كان العاشق يغار، يغار عليها كثيراً، ولا يخفي غيرته، وشكّه.تذكره بحب وتبتسم، وهي تلمح الشاب المراهق يمضي بعيداً. حين عادت مارغريت إلى البيت، كان يان أندريا في الحديقة، يلم الأوراق الصفراء المتساقطة من شجرة البتولا على الكراسي الخشبية الصغيرة. مارغريت فرحة وهي تحكي له كيف كانت شاهدة على رسالة حب بين فتاة يافعة، وشاب ينتظر قرب نافذتها. ابتسم يان لها وهو يقول: ‘وهما لم يظنا أن هناك من يراقبهما’. ضحكت مارغريت وقالت: ‘لا، هما غير مشغولين بالعالم، لأنهما في عالمهما فقط’. لم تَحْكِ مارغريت عن الصور التي طفت في ذهنها لما شاهدت الحبيبين، أبعدت عن كرسيها زهرة بتولا حمراء طويلة وملتفة، وجلست قرب يان وهي تقول له: ‘هل تعرف أن أزهار البتولا الحمراء ذكورية، بينما الأزهار الخضراء أنثوية، انظر إلى الأزهار الخضراء كيف هي صغيرة لكنها ناضجة’.فصل من رواية ‘أغنية لمارغريت’ ، ستصدر قريبا عن الدار العربية للعلوم.qd

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية