أحمدي نجاد: فرد ام ظاهرة؟

حجم الخط
0

د. سعيد الشهابي

احمدي نجاح، يحبه الكثيرون، ويبغضه آخرون. يحبه الفقراء والمعدمون والثوريون، ولا يطيقه اصحاب المصالح والمناصب بعد ان أضعف بريق المنصب، وحوله من ‘وجاهة’ و’هيبة’ ووسيلة للاستعلاء والتكبر، الى موقع يمارس دوره فيه كمواطن عادي، يعيش بين الفقراء ويساويهم في نمط العيش ومستواه. ربما كان ذلك ضربا من الجنون في زمن تمثل المظاهر فيه مؤشرا لـ ‘أهمية’ الشخص و’وجاهته’. وبرغم محاولات توهين موقعه، وازدراء خطابه، فان تحركاته وتصريحاته تحظى باهتمام خاص من قبل الآخرين، خصوصا من لا يطيقه. فقد حظيت زيارة الرئيس الايراني الدكتور احمدي نجاد للبنان الاسبوع الماضي باهتمام خاص في الدوائر السياسية والاعلامية الغربية، وردود فعل متباينة نظرا لامور عديدة: اولها حساسية الوضع اللبناني المعقد دينيا ومذهبيا وسياسيا، ووضعه على خط المواجهة مع الكيان الاسرائيلي. ثانيها: السباق المحتدم على النفوذ في المنطقة بين محاور عديدة، وهو تنافس له مصاديقه السياسية وابعاده الدبلوماسية، ثالثها: الحصار المفروض على ايران من قبل التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الامريكية بذريعة احتمال توجيه المشروع النووي الايراني نحو التصنيع العسكري. رابعها: الخطاب الخاص بالرئيس الايراني الذي يتميز بالصراحة والتحدي وتجاوز ‘الخطوط الحمراء’ خصوصا في يتعلق بالكيان الاسرائيلي. هذه العوامل جعلت من الزيارة، برغم قصرها، حدثا كبيرا في المنطقة، سبقته اتصالات مكثفة بين العواصم العربية خصوصا الرياض والقاهرة وبيروت، واعقبته كذلك. ويندر ان تحظى زيارة لرئيس عربي او مسلم باهتمام مماثل. فقد خصصت جريدة ‘التايمز’ البريطانية افتتاحيتها يوم الجمعة الماضي لمناقشتها، مشيرة الى السياسات الايرانية التي تعتبرها ‘تهديدا’ لمشاريع السلام مع ‘اسرائيل’، وداعمة لـ ‘الارهاب الدولي’. الامر المؤكد ان زيارة نجاد، برغم اقتصارها في جانبها البروتوكولي على لقاءات مع الزعماء اللبنانيين، ابتداء بالرئيس ميشال سليمان، ورئيس الوزراء، رفيق الحريري، ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، وقائد المقاومة، السيد حسن نصر الله، وصولا الى الفعاليات الدينية، كشفت حالة استقطاب واضحة في الموقف العربي على الصعيدين الشعبي والرسمي. يتضح هذا الاستقطاب من تعليقات القراء على التغطيات الاعلامية للزيارة. هذا الاستقطاب حاد وواضح بين فريقين: احدهما يمثل الشريحة الاوسع من الامة يتناغم مع اطروحات احمدي نجاد ازاء الاحتلال الاسرائيلي، ويتجاهل محاولات التشكيك في النوايا الايرانية في هذا المجال، والآخر يمثل اقلية تمثل النظام الرسمي العربي في توجهاته السياسية المسايرة للمشاريع الغربية، خصوصا الامريكية الهادفة لتطبيع العلاقات بين العرب وقوات الاحتلال الاسرائيلية. يمثل احمدي نجاد ظاهرة فريدة لا تتكرر كثيرا، سواء على صعيد الشجاعة التي تتجاوز الحدود احيانا، ام وضوح الهدف والغاية، ام الاستعداد لتحمل تبعات خطاب التحدي ورفض الرضوخ لارادة الدول الكبرى التي استمرأت رضوخ الحكام والانصياع لقراراتها. ولذلك لم يكن مستغربا للمطلعين على الشأن الايراني وتطوراته على مدى العقود الثلاثة التي اعقبت الثورة الاسلامية، استهداف ايران بشكل مكشوف بعد اعادة انتخاب احمدي نجاد العام الماضي. كانت الانتخابات الرئاسية تلك تمثل محطة فاصلة بين مشروعين: احدهما يسعى لاستعادة بريق الثورة ووهجها، والآخر يهدف لتحويل ايران الى دولة اخرى من الدول السائرة في ركب الهيمنة الغربية. وتبقى فلسطين القضية المحورية في تفكير القادة الايرانيين منذ ما قبل انتصار الثورة في 1979، وما يزالون يعتبرونها نقطة التقاء المسلمين، ويعتقدون ان التخلي عنها بداية الطريق للفتن الداخلية: السياسية والمذهبية والعرقية. والواضح ان سياسة طهران تسير باتجاه معاكس تماما لما تسعى واشنطن وحلفاؤها اليه، فهي التي أسست نهج المقاومة للاحتلال التي لا تلين، وهي التي تعارض مشاريع التسوية المفروضة بالقوة ومن خلال الهيمنة السياسية والاقتصادية. انها تنطلق من وعي آخر يقوم على اساس ان استقلال القرار ضرورة لتعميق نهج مقاومة الاحتلال، وان التحرير الكامل للاراضي المحتلة هدف استراتيجي لا يمكن المساومة عليه. ويمثل لبنان البلد العربي الاول على خط المواجهة، وهو خط ساخن يشهد من تطورات الصراع فصولا متوالية برغم التفاوت في مستويات القوة. وخلال اكثر من عقدين من الدعم المتواصل لقوى المقاومة اللبنانية والفلسطينية، لم تنتهج طهران اسلوب الهيمنة الذي يصادر القرارات المحلية لتلك القوى، بل احترمت ارادة المقاومين وتركت القرارات الميدانية خاصة بهم. وبقيت ايران، في نظر الغرب، الملهم الاول لتلك القوى، ومصدر التهديد الاقوى لمشاريع السلام التي لم ينجح اي منها بشكل كامل حتى الآن. وعندما حط احمدي نجاد ضيفا على لبنان، كان واضحا انه يتحرك بسهولة ويسر، ويشعر انه بين اصدقائه، وانه لا يحتاج لاستحداث لغة اخرى لمخاطبتهم في السر او العلن. لا شك ان هناك الكثيرين ممن لا تعجبهم شخصية الرئيس الايراني التي تتميز بالتحدي وتتحرك بنزعات التمرد على الواقع الخاضع لهيمنة قوى، مكشوفة احيانا وخفية احيانا اخرى، على العالم. وعندما خطب امام حشد كبير في مدينة ‘بنت جبيل’ الجنوبية لم تكن المسافة التي تفصله عن حدود لبنان الشمالية سوى بضع مئات من الامتار، فيما كانت الطائرات العسكرية تحوم حول المنطقة في استعراض يهدف لتخويف الحاضرين، واثبات الوجود وارسال رسالة واضحة بان الصهاينة ‘قادرون على حماية انفسهم’ حسب ما صرح به الاسرائيليون. احمدي نجاد هو الذي اثار حفيظة الاسرائيليين وداعميهم في الغرب عندما اثار الشكوك حول مقولة ‘الهولوكوست’، وهي شكوك ادت الى اعتقال العديد من المفكرين الغربيين عندما طرحوها علنا. وهو الذي طالما طرح انتهاء الكيان الاسرائيلي وتلاشيه كحتمية تاريخية. وكرر هذه المقولة وهو يخطب في الجنوب اللبناني عندما قال: ‘ لم يعد هناك اليوم اي خيار امام الصهاينة المحتلين الا الاستسلام للامر الواقع والعودة الى اوطانهم الاصلية’، معتبرا ان ‘فلسطين سوف تحرر من رجس الاحتلال بفضل قوة المقاومة وايمان المقاومة’. هذا الخطاب فريد من نوعه ولا يصدر الا عن قائد يملك رؤية ومشروعا مؤسسا على ثقة راسخة بالحق وضرورة سيادة العدل. لا شك ان اغلب العرب والمسلمين يقرون خطابا كهذا، ولكن لا شك ايضا ان هناك قطاعات عربية واسلامية لا يستهويها هذا الخطاب، فيعتبره ‘غير واقعي’ او ‘غير دبلوماسي’ او ‘ديماغوجية ضارة’. غير ان هذا هو ما يفرق بين القادة التاريخيين وقادة اللحظة الذين لا يحملون مشاريع كبرى لشعوبهم واممهم. نجاد يستهوي ذوي النزعات الثورية، وكذلك المستضعفين واصحاب المشاريع والسياسات الاستقلالية. ومما يقلق واشنطن على وجه الخصوص قدرة ايران على استمالة عدد من دول امريكا اللاتينية التي تعتبر الساحة الخلفية للولايات المتحدة الى جانبها في مواقفها الدولية. فرئيس فنزويلا، هوغو شافيز، اصبح صديقا حميما لايران، وكذلك الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، الذي حاول قبل بضعة شهور منع العقوبات الدولية على ايران بوساطة حول الوقود النووي. وهناك عدد من قادة دول امريكا اللاتينية الذين يتناغمون في مواقفهم الدولية مع الرئيس الايراني خصوصا في مقابل السياسات الامريكية.

هذه الحقائق جعلت واشنطن تشعر بحرج اذ ترى نفسها غير قادرة على تحجيم ايران ونفوذها خصوصا في الدول التي يفترض ان تكون خاضعة للولايات المتحدة بسبب تدخلها العسكري المباشر في تلك البلدان. فعندما زار افغانستان في شهر اذار/ مارس الماضي شن هجوما لاذعا على السياسة الامريكية في افغانستان عندما تحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الافغاني، حامد كرزاي، قائلا: ‘إن الولايات المتحدة هي التي تلعب لعبة مزدوجة في أفغانستان… فهي تقاتل الآن الإرهابيين الذين ساهمت في دعمهم وإنشائهم في السابق’. جاء ذلك في معرض رده على اتهام وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس لإيران بممارسة لعبة مزدوجة في أفغانستان، فهي تحاول تحسين علاقاتها مع الحكومة الأفغانية من جهة، ومن جهة أخرى تحاول تقويض الجهود الأمريكية وجهود الناتو بدعم طالبان، كما قال غيتس. ودعا الى خروج القوات الامريكية من ذلك البلد معتبرا ذلك هو الطريق الى الحل. وكان نجاد قد زار العراق في عام 2008 في زيارة كانت الاولى من نوعها منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران. ومن المؤكد ان هذه الزيارات تثير حفيظة الولايات المتحدة، لانها تعكس قدرة طهران على اختراق ‘مواقع النفوذ’ الامريكية بكل سهولة، في العراق وافغانستان ولبنان، فضلا عن علاقاتها المتنامية مع دول امريكا اللاتينية، الساحة الخلفية للولايات المتحدة. وتقول المعلومات المتوفرة ان ايران هي التي حسمت الانتخابات الرئاسية الافغانية لصالح حامد كرزاي الذي كانت الولايات المتحدة تسعى لاستبداله بالمرشح عبد الله عبد الله، كما انها لاعب كبير في العراق، لا تستطيع واشنطن تجاوزه. وبرغم تأخر تشكيل الحكومة العراقية، فالواضح ان امريكا لم تستطع ايصال المرشح المفضل لديها، اياد علاوي، الى رئاسة الوزراء لسبب واحد ان ايران لا تريده. هذا الدور الاقليمي اصبح يفرض نفسه بقوة في مقابل السعي الامريكي المتواصل لتحجيمه. وليس غريبا القول ان زيارة الرئيس الايراني للبنان اوصلت رسالة واضحة بان الجمهورية الاسلامية لا يمكن محاصرتها بالاساليب التي تفرضها الولايات المتحدة، وفي مقدمتها العقوبات التي تصدر عن مجلس الامن الدولي بضغوط امريكية مباشرة، وانها قادرة على التحرك في اصعب الظروف، وعلى حماية مصالحها الاقتصادية برغم الحصار المصرفي والتجاري عليها. العرب والمسلمون امام ظاهرة مثيرة للجدل. ففي الوقت الذي تتواصل فيه تنازلات الحكومات العربية في مقابل العدو الاسرائيلي، ثمة من يشمر عن ساعده ويقف بوجه العنت الاسرائيلي ليس من اجل استعطافه او استرحامه بل لكسر عنفوانه بالاستعدادات العسكرية، وتحطيم معنوياته بالتصريحات النارية التي لا تتوقف. وبينما يجسد القادة العرب ضعفهم باستجداء الصهاينة ليس لمنع بناء المستوطنات بشكل كامل بل لـ ‘تمديد العمل بتجميد بنائها’ وهو طلب بدون معنى لانه، فيما لو جرى، اجراء مؤقت لا يخدم القضية في شيء. وفي مقابل استعطاف الاسرائيليين بتأجيل الشروع في بناء المستوطنات، يأتي طرح الرئيس الايراني بمستوى آخر، مختلف عن المطالب العربية، جملة وتفصيلا. فما يزال المشروع الذي يروجه القادة الايرانيون ينطلق على اسس من التحدي، ابتداء بدعم المقاومة وصولا الى تحرير ارض فلسطين كاملة. انه خطاب مختلف عن مشاريع التسوية التي تهدف لحماية ‘اسرائيل’ على حساب الحقوق الفلسطينية. كان الرئيس احمدي نجاد واضحا في فضائه السياسي، الذي يختزن، الى جانب مشروع التحرير، مبدأ الوحدة بين ابناء الامة الواحدة والوطن الواحد. لقد كان لبنان حاضرا في ذهنه وهو يجتمع مع كافة الفعاليات ويدعو الجميع للوحدة على اسس المواطنة المتكافئة، والدفاع عن الوطن امام الاعتداءات الاسرائيلية. فقد جلس مع الفعاليات التي تمثل كافة الطوائف والمذاهب والاحزاب، ليوفر للجميع شحنة اضافية للصمود السياسي والامني والعسكري امام ما يواجهه لبنان من تحديات، خصوصا الامنية منها، وما يتعلق بتعقيدات ‘المحكمة الدولية’. والواضح ان تفاعلات ‘القرار الظني’ الذي قد ينجم عن المحكمة الدولية، قد بدأت تهيمن على الاجواء السياسية اللبنانية وتقلق قادته، وتهدد وحدة لبنان وامنه. ومع ان نجاد اعتبرها ‘مسألة داخلية’ فان حالة القلق من انعكاساتها على الوحدة الوطنية لم تغب عن اذهان الذين استقبلوا الرئيس الايراني ورحبوا به. وقد عبر عنها وليد جنبلاط في كلمته امام الرئيس في مقر اقامته بفندق ‘فينيسيا’ في بيروت، بقوله: ‘اذا ما صدر ما يسمى القرار الظني بعد شهر او بعد ستة اشهر، لان المحكمة في يد الدول الكبرى اسرائيل وامريكا التي تريد تفجير لبنان، فلا بد من معالجة هادئة وبأعصاب هادئة جداً من قبل جميع الفرقاء كي لا نقع جميعاً في فخ منصوب من اجل ضرب كل انجازات المقاومة والوحدة الوطنية التي كنت في الاساس مع الجمهورية الاسلامية ومع سورية داعماً لها’. عاد احمدي نجاد الى طهران بعد ان وصل الى حدود لبنان الجنوبية، وتحدى الاحتلال على بعد بضع كيلومترات من الحدود، وقدم بذلك موقفا حرك مشاعر الكثيرين الذين يتساءلون عن مدى قدرة الامة على انتاج قادة ميدانيين يملكون شجاعة الموقف وصنع القرار والتمسك بالثوابت والتشبث بالحق وعدم التفريط فيه. امتنا تعيش حالة الاحباط الناجم عن تداعي اوضاعها نتيجة ضعف الحكام وغياب الرجال ذوي المبادىء والمواقف، وتهميش دور الجماهير في صناعة القرار او التعبير عن الموقف او الانخراط في مشاريع التحرير والاستقلال. احمدي نجاد اصبح ظاهرة وليس فردا، عنوانا لقضية، وتعبيرا عن موقف ورسالة. وبرغم السعي المتواصل للتشويش على دعاة التحرير، أيا كانوا، فان لدى الامة قدرة خاصة على التشخيص، ومناعة ضد السموم التي تنفثها الفضائيات الموجهة ضد مشاريع التحرر والشعور بالانتماء. فاذا كانت بساطة الرجل في حياته قد استهوت الكثيرين، فان مواقفه واطروحاته، خصوصا ما يتصل منها بالتحرر والاستقلال والوحدة، اصبحت هي الاخرى من سماته التي لا يجاريه فيه الا القليلون من الصامدين على الخطوط الامامية في مواجهة اعداء الامة. لا نقول انه القائد الذي لا نظير له، ولكنه، كما يبدو، الرجل المناسب لمواجهة ظروف الهيمنة والاحتلال والفتنة والخنوع والاستسلام. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية