أحوال

حجم الخط
0

عزت القمحاوي

لا شيء يحدث: في التاسعة صباحًا خرجت من البيت. في التاسعة مساء عدت. لا شيء مهم أنجزته بين حدي النهار، مجرد لقاء استغرق ساعتين وبقية النهار أقمت تحت الإقامة الجبرية في الشارع أستنشق قطران مداخن السيارات المتوقفة. حسب إحصاءات المرور الرسمية، يبلغ متوسط السرعة في شوارع القاهرة أربعة عشر كيلو مترًا في الساعة، وأحيانًا يحدث كما في هذا الأسبوع أن تتعرض الشوارع للشلل التام، يخرج مساجين السيارات والباصات رؤوسهم ليسأل أحدهم الآخر: ماذا يحدث؟ والجواب دائمًا: لا شيء. هذه الـ ‘لاشيء’ قد تثير استغراب الغريب الذي يأخذ الإجابة من ظاهرها: إذا كان كل شيء كما هو لماذا انسدت كل الاتجاهات وتشابكت معًا؟! أهل البيت يعرفون أنها انسدت وتشابكت تحديدًا لأن شيئًا لا يحدث، وكل هذه الجموع المتوقفة، نافدة الصبر، يكره بعضها بعضًا ويتساءل كل واحد فيها: لماذا كل هؤلاء الآخرين في الشارع هذه الساعة؟! ولا أحد منهم يدري أنه، كغيره، ينفذ نداء غامضًا بالعصيان، عصيان مُقنّع قادم من اللاوعي.

يحدث شيء: بعد حمام ساخن لم ينجح في إزالة كل طبقات القطران فوق الوجه ولا كل موجات الغضب من داخل القلب، جلست أجفف الماء والحزن أمام التليفزيون. قالت المذيعة: ‘تعرضت الحياة للشلل التام في فرنسا بسبب التعديلات الساركوزية على قانون العمل التي رفعت سن التقاعد إلى الثانية والستين’ وأخذت تتبسم بينما تتابع قراءة الفقرة التالية من الخبر والكاميرا تتحول عنها إلى حشود المحتجين في الشارع الفرنسي بوجوه مبتسمة. صورة مهرجان لا يختلف عن مهرجان فالنتينو في باريس نفسها أو روما أو مهرجان الطماطم في مدريد. غالبية الوجوه التي تحتل الشاشة لفتيات وصبية الثانويات الفرنسية، هل يفكر هؤلاء في تقاعدهم قبل أن يبدأوا حياتهم أم يتضامنون مع ذويهم، أم يجدونها فرصة للهروب من دروسهم السقيمة؟ أليست كل الدروس سقيمة؟! ولماذا كل هذا الابتسام؟ هل هي طبيعة السن التي ترى الحياة لعبًا؟ أم أنهم يتدربون على الاحتجاج بوصفه استعراضًا؟!

مهمة سهلة: احتجاجات الزبالين حولت شوارع مرسيليا إلى مزابل حقيقية، واضطر التجار إلى كنس الشوارع واستئجار عربات لنقل القمامة على نفقتهم الخاصة. هكذا تقول المراسلة متأسية، بعد أن أفسحت لها المذيعة لتنقل مباشرة من المدينة الفرنسية الصغيرة.

المدينة السياحية الأصغر من شارع قاهري، وصلت بالإضراب إلى ما وصلت إليه القاهرة بلا إضراب. ماذا تكون الريادة إن لم تكن تحويل الحياة إلى مزبلة في صمت ودون شعارات أو لافتات أو فتيات يعابثن أصدقاءهن أمام كاميرا التاريخ السيال؟! لا خاب طاغية.. لو استشار: لا يمينية ساركوزي ولا احتقاره للطبقة العمالية سبب المأزق السياسي الذي أصاب الحياة بالشلل. السبب الحقيقي هو غرور طغاة أوروبا الدخلاء على مهنة الطغيان، يتصورون أنهم يعرفون كل شيء.

عامان فقط يريد ساركوزي أن يسرقهما من عمر العامل؛ ففتح على نفسه باب الجحيم، بينما إلى الجنوب منه طغاة يسرقون أعمار الرعايا كاملة من دون أن يحدث شيء. كان عليه أن يستشير أحدهم ليشير عليه برفع غطاء التأمين الصحي عن المحالين للتقاعد، وسيرى كيف سيقبل الفرنسيون يديه لكي يسمح لهم بالاستمرار في نعيم الوظيفة حتى الموت!

بين أيدي جزاري الرحمة: الخبر التالي عن مصرع سبعين باكستانيًا. الصورة من استقبال إحدى المستشفيات، طاولات كبيرة تتراص عليها جثث تحت ملاءات مشبعة بالدم، يوجد رجال يرتدون المعاطف البيضاء التي لم تعد حكرًا على ملائكة الرحمة. الجزارون يرتدونها أيضًا لكسب ثقة الزبون. الدماء تجلل أكف الرجال وتتناثر على معاطفهم، الأحياء يدورون حول بعضهم البعض من دون أن نرى أية محاولة للإسعاف؛ فلا أحياء بين الجثث الجثث التي تشبه ذبائح معدة للشحن، المشهد كله يبدو في سلخانة لا مستشفى. موت بارد يشبه الانتظار في شوارع القاهرة. القناة ثمنت الاضرابات الفرنسية التي لم يسقط فيها ضحايا بأعلى من الاضطرابات الباكستانية ووضعت خبر الإضرابات أولاً. هل قيّم محرر النشرة الخبرين انحيازًا إلى بهجة الشلل ضد حزن الموت؟ هل قيمهما انطلاقًا من العقيدة الإعلامية التي تقدس الجديد وتكفر بالتكرار حتى لو كان موتًا؟ هل وضع باكستان تاليًا لأنه لم يفهم ويعرف أن المشاهد لن يفهم من الذي يقتل من ولماذا؟!

بالنتيجة، وطبقًا لأي ترتيب، لا يشبه الإضراب في الصور المبتهجة حقيقته في الواقع، ولا يمكن لصورة أن تصل إلى عمق بؤس الموت مهما كانت بائسة، مثلما لا يستطيع أحد أن يتوقع ما يحدث في مراجل الصدور ببلاد لا شيء يحدث فيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية