لقد قضى جيلي ثلثي عمره هائما بحب وطنه الأكبر (وحتى أوطانه الصغرى المفتعلة) مستعدا للاستشهاد في سبيله (في سبيلها) منذ نعومة أظفاره، ومما أذكره في هذا المجال ثلاثة أحداث معبرة: أولها محاولتي وبعض رفاقي الأطفال عام 1960 التطوع للجهاد في صفوف المجاهدين الجزائريين ونحن في السنة الثالثة ابتدائي وثانيها فراري من منزلي عام 1961 لمرافقة المتطوعين من قريتي للمشاركة في معركة بنزرت (التي لم نكن نعرف شيئا عن خفاياها) وثالثها كارثة 1967 التي كانت فرحة عمر لأنظمة كثيرة ودمارا لجيلي الذي نكلت به الأنظمة والحدود واليأس لكنه ما انفك يعشق الوطن.
وما ان دخلنا في الثلث الأخير من أعمارنا حتى رأينا عجبا، رأينا أن أغلبنا قد كفر بالوطن بسبب أن ستين سنة من الحكم العشائري أو الجهوي القهري الفاسد نسفت أحلام الماضي وآمال الاستقلال والطموح إلى الحرية والرفاه والمواطنة الحقة، اما الباقي فحقد على الوطن والنظام القائم فيه إلى حد التعاون مع الأغراب لتدميره أو احتلاله مقابل وظيفة مغرية فيه أو حشوة حساب جار في الخارج، واما من لم يعرف الوطن إلا حلما لأنه جاء الدنيا ووطنه مغتصب فحاول سنوات الشباب وربما الكهولة أن يناضل بل يقاوم في سبيله ثم بدأ اليأس يدب في أوصاله وسنوات العمر تضغط على أنفاسه وحب الراحة والتنعم بمباهج الحياة يحاصره والأشقاء يودعونه محملينه المسؤولية وحده، بل يربطون علاقات حسن جوار مع مغتصب أرضه فتخلى عن سلاح التحرر الوطني الوحيد وهو البندقية موهما نفسه أو حالما حلم طمع أن التفاوض من اجل رقعة من وطن قد ابتلعت جميع رقعاته ومسخت جغرافيته ودنس تاريخه سيريح من عناء المقاومة والاستشهاد وشظف العيش ويديم دخلا ‘محترما’ وحياة رغدة له ولذريته حتى وإن كانت المظلة صهيونية.
لا أنكر أن نسبة قليلة من جيلي ذي الشعر الأبيض والحلم المشروع الدافع والطموح الجارف، ونسبة مهمة من شباب فلسطين وأشقائه الذين لم تدنسهم الميوعة والجنس والأنانية وفساد الحكام، مازالتا مستعدتين تمام الاستعداد للانخراط في المقاومة المسلحة التي يقودها بعض فلسطينيي غزة وكل ما يدعمها لان كل تهاون يعني ضياع فلسطين التاريخية وفلسطين النكبة 1967 كما يعني نجاحا باهرا لزعماء منتجعات داود ووادي عربة وأوسلو ومدريد وشرم الشيخ وخلفائهم يستوجب توشيح صدورهم وملء جيوبهم بأكثر من جائزة نوبالية على دورهم المرموق في مساعدة حفنة من غبار بشر عاشت آلاف السنين في شكل ‘حارات ‘ في كنف شعوب ذات جغرافيا وتاريخ على تشريع توطينهم في أرض اسمها فلسطين الجغرافيا وفلسطين التاريخ وفلسطين الفلسطينيين. إن الفئتين المذكورتين المستعدتين لفداء فلسطين قد لا تفيان بالحاجة لان عدونا قوي شرس وان مناصريه الغربيين يقودون العالم بالسلاح والاقتصاد والنفوذ والترهيب وحارسيه العرب عيونهم لا تنام، لذلك يجب على الأمة وجوبا قوميا ووطنيا ودينيا وعرضيا أن تنفر لتحرير فلسطين بثورة صفراء أو خضراء أو بيضاء أو حمراء في كل قطر ومسيرة ملايينية تكتسح الحدود ولا تقف إلا في المسجد الأقصى لتصلي فيه صلاة الشكر وصلاة الجنازة على المليون الذين استشهدوا وهم يقتحمون أرض فلسطين المقدسة. د. الضاوي خوالدية – تونس[email protected]