أوكسفورد في كأس متة

حجم الخط
0

سحر عبد اللهتستطيع أن تصف أوكسفورد كما يحلو لك كزائر غريب، مرآة صافية لتاريخ ذي معنى ودلالة لا تبهت مع الزمن، خضراء كأشجارها.

من هنا مر شيكسبير وإدوارد سعيد وطارق علي كأول آسيوي شغل منصب رئيس لاتحاد الطلبة في اوكسفورد من ستينيات القرن الماضي. والآن ومنذ عشر سنوات تمر كل يوم من هنا عطارد حيدر.

مر شيكسبير من هنا وترك لنا على الطريق ذكريات كثيفة عن قصص الحب والخيانة والعقد النفسية البشرية كي يغرق أهل المسرح في احتمالات معانيها وتفسيرها ويبقى شيكسبير خالداً في هواء أوكسفورد ومسارح العالم.

مر إدوارد بأناقة ديك كما قال عنه محمود درويش وقال ما قال عن الأدب والنقد وفلسطين بطبيعة الحال فهو من حمل في دمه وطنه أينما رحل، والآن تمر عطارد كل يوم كنحلة لا تتعب من محاضرة إلى أخرى، ومن مهمة لأخرى تدرس تقنيات الرواية لطلاب جامعة لندن وفي صدد تصميم كورس عن أدونيس وبرأسها الكثير من الأحلام عن كتب نقدية يجب أن تكتبها.

على كأس المتة مع عطارد مر الجميعمررتم جميعا ضيوفا في الكلام. مر الماضي وتجارب الشعراء، مر الماغوط المرتطم بقاع قبره الآن وكأنه لم يكن في وطنه أبدا. مر أدونيس الذي تردده عطارد كما تردد كلام والد تحبه، ومر رياض الصالح الحسين، مرت المعارضة والسلطة والفاسدون والطيبون والجميلون والحاقدون والرماديون وغيرهم الكثير… الخ.

مرت دمشق بكل غبارها وضجيجها الذي تحبه عطارد وتراه احتفالاً دائما للحياة مقارنة مع المدن هنا، مرت تغريد وخولة وأمل وإرم وغيرهن من الصديقات المشتركات بيني وبين عطارد. مرت تجربة عطارد الفذة أمامي. طالبة في الصف الحادي عشر قد أنهت قراءة كل كتب مركز السلمية الثقافي، خريجة جامعية في الثمانينيات بشهادتين جامعيتين معا في الأدب الانكليزي والنقد المسرحي تبحث عن وظيفة على شهادة البكالوريا وتنتظر سريراً في المدينة الجامعية.

ورشة عمل بحد ذاتها تعمل بصمت وتحرر مجلة ‘ الآداب الأجنبية’ لوحدها وتنتزع بجدارة قبول جامعة أوكسفورد وفي يدها شهادة بأنها حررت 1500 مقال. عطارد الآن هي السورية الأولى التي تحاضر في جامعة أوكسفورد، تحمل سورية في دمها وبنرجسية كلما لزم الأمر.

استضافتني على العشاء وعلى كأس متة بزهورات شامية وزوفا وموالح من السلمية، كأن دمشق والسلمية كانتا ملاكين حارسين لمسائنا. تحدثنا كثيراً ورمينا كثيرا من الأمنيات على أرصفة أوكسفورد.

عطارد حيدر: من مواليد السلمية ـ حماة في سورية نالت شهادة الدكتوراه في الأدب المقارن عن تجربة مجلة ‘ شعر’ واعتبر عملها من أهم وأطول الأبحاث النقدية المعمقة عن الشعر العربي الحديث وتجربة النثر متمثلة في تجربة شعر كمجلة وكتجربة ثقافية في نهاية الستينيات من القرن الماضي. تضمنت الاطروحة مقارنة لتجارب النثر والشعر النثري في أوروبا وبخاصة بودلير ومالارميه وبين أعمال رواد مجلة ‘ شعر’ وبخاصة أنسي الحاج وادونيس والماغوط الذي خصته عطارد ببحث معمق لديوان شعره ‘ حزن في ضوء القمر’. الأطروحة متوفرة عبر كتاب نشرته دار إيثاكا في لندن. كاتبة من سورية تقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية