د. علي الهيل لا أدري إن كان ثمة من لاحظ سبب ما حدث من تغير نوعي يكاد يكون غير مسبوق صدر عن لجنة مبادرة السلام العربية التابعة لجامعة الدول العربية (وهذه المرة هي بحقٍّ كذلك، اسم على مسمى وحتى إشعار آخر وإن كنا نأمل أن يستمر) خلال الأسبوع الماضي. فقرار اللجنة بالإجماع (وهو أمر نادر الحدوث على الأقل خلال العقدين المنصرمين) أصاب الشارع العربي بصدمة إيجابية إن صح الوصف، لأن الشارع العربي لم يتعود قطُّ من دول الجامعة العربية على مثل هذا الموقف الفاعل والمستقل وليس المكتفي برد الفعل أو الممالئ للولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي ـ بنسب متفاوتة ـ ولإسرائيل طبعا وكما جرت العادة، ضد رغبته أي رغبة الشارع العربي. وهو عدم التغطية على عودة المفاوض الفلسطيني إلى التفاوض المباشر أو غير المباشر مع إسرائيل، رغماً عن إصرار (ميتشل) ممثل الولايات المتحدة الأمريكية في المفاوضات بين السلطة الوطنية الفلسطينية (وهي أيضاً هذه المرة تستحق هكذا تسمية وحتى إشعار آخر) وإسرائيل، على أن يواصل الفلسطينيون المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وقطعا من غير ضمانات أمريكية أو ضمانات من الرباعية. لا شك أن الشارع العربي يأمل أن يكون مثل هذا التطور في القرار السياسي العربي أول الغيث الذي طال انتظاره ونظر إليه على أنه قرار مفصلي، ويرنو إلى أن يتم تكريسه وأن يكتسب صفة الديمومة والاستمرارية. لأنه يتماهى مع تطلعات الشعب العربي ويتساوق معه. إن ثمة إرهاصاً ينبئ بقدرة العرب – إن هم أرادوا ذلك بتفكير جمعي ـ أن يتجاوزوا الخطوط الحمراء المرسومة لهم من قبل ما يسمى (بالمجتمع الدولي) التي لا تعبأ بها إسرائيل، والتي لم يجرأوا يوما على تخطيها، أو هكذا نظن ـ وليس كل الظن إثم – وقد فعلوا الأسبوع الماضي ومن خلالها أرسلوا كما نفترض رسالة نصية sms عربية إلى كل عربي ‘إرفع رأسك يا أخي فقد ولى عهد الاستعمار’. لتكن هذه الخطوة الإيجابية المبهجة مفتاحا لاستيعاب حقيقة ظلت راقدة في سبات العرب العميق، وأمَّا فقد استيقظ العرب – كما يحلو لنا أن نستنبط – وخرجوا من قمقم التبعية، فعليهم أن يدركوا حقيقة أن المواطن العربي في كل قطرٍ عربي هو صمام ومصدر الأمن والأمان لبلده، وليس شيئا آخر يأتي من خارج الحدود، أيا كان هذا الشيء. وعليه، فلا بد من التوحد بين الحكومات العربية والشارع العربي على أملِ أن ينتج عن ذلك انسجام هرموني ضروري للاستقرار السياسي، وقطع لدابر الفتنة التي قد تسببها عوامل خارجية نتيجة حالة وجود اغتراب سياسي بين المواطن والحكومة. وقد عزا رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها رئيس اللجنة هذا الموقف لفشل الإدارة الأمريكية في إقناع حليفتها إسرائيل (التي تبدو الآن أكثر من أي وقت مضى شريكتها في إدارة الولايات المتحدة الأمريكية، إن لم تكن هي التي تنفرد بإدارتها) تمديد تجميد الاستيطان في الضفة الغربية (باستثناء القدس) تسعين يوما، على الرغم من العرض السخي والمريب الذي شمل حزمة مساعدات ضمت بين أمور أخرى طائرات مقاتلة هي الأحدث من نوعها، بالإضافة إلى ضمانات أمنية. ومع أن العرض الأمريكي كما يقول جيمس زغبي المفكر الأمريكي، اللبناني الأصل في الصحيفة (الإلكترونية) الأمريكية Cro Culturl Understnding (CCUN) بتاريخ 15 كانون الاول/ديسمبر ليس منطقيا. باعتبار القضية ليست مجرد قضية تجميد استيطان، بل إن أكثر من مئة مستوطنة في الضفة الغربية والقدس الشرقية، التي يسكنها أكثر من نصف مليون مستوطن إسرائيلي هي كلها غير شرعية، وعليه فإن المستوطنين غير شرعيين، حسب القانون الدولي منذ 1967. وفي ضوء ذلك، فإن المطالبة أو (الاستجداء) الأمريكي لإسرائيل لا يعدو أن يكون إلا عملية لشراء الوقت وخدعة لتضليل الرأي العام. وحتى المطالبة الأمريكية غير الصادقة وغير المجدية – وهي من قبيل الاستهلاك السياسي وحفظ ماء الوجه، وتدخل في إطار العلاقات العامة – بتجميد الاستيطان تسعين يوما لا تشمل القدس الشرقية. فهي ليست فقط غير منطقية، هي أيضا ناقصة، لسبب بسيط هو أن القدس الشرقية مثل الضفة الغربية منطقتان فلسطينيتان تحتلهما إسرائيل، وهو كما ينص القانون الدولي احتلال غير شرعي. وهذا كله يسيئ إلى سمعة وصورة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم بصفتها الدولة العظمى الوحيدة، ظاهريا على الأقل، التي تظهر فيها الولايات المتحدة الأمريكية ضعيفة ويائسة بسبب قوى مجموعات الضغط السياسية والاقتصادية في أمريكا الشمالية ودول الاتحاد الأوروبي بشكل عام. ويرى الكثيرون من أمثال نعومي تشومسكي المفكر الأمريكي، أن هذه القوى ورطت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها دول الناتو ـ إلى درجة ما – في حربين مدمرتين في أفغانستان والعراق. وأدى ذلك إلى وهن عسكري واضح تشير إليه محاولات الإدارة الأمريكية المتعثرة والمستميتة في إيجاد استراتيجية خروج، من غير شيء ما يلوح في الأفق القريب. ومن الطبيعي أن يسري الوهن العسكري إلى الاقتصاد. فقد أملت كما يبدو تلك القوى على الإدارتين الأمريكيتين السابقة والحالية بضخ ثلاثة تريليونات دولار في الشركات (المتعثرة) منذ منتصف 2008 وهي عملية ممنهجة لسرقة الأموال العامة لصالح تلك القوى أو مجموعات الضغط. ونعود إلى السبب الذي ذكرناه في البداية والذي يمكن أن يكون وراء موقف اللجنة العربية لمبادرة السلام. فنحن نفترض على سبيل الجدل ونقول: إنه يُحتمل أن يكون ثمة معامل ارتباط بين قرار اللجنة الجريء وفوز قطر الدولة العربية الشرق أوسطية على الولايات المتحدة الأمريكية في استضافة مونديال 2022. وعزز ذلك ربما ما فُهم َ أنه غيرة من الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) حينما وصف اختيار الفيفا لقطر بأنه خطأ. ويُرجحُ أن وزراء الخارجية العرب أعضاء اللجنة رسموا في ما بينهم واقعا مفترضا (وعلى أساسه اقتنعوا) وهو لو أن الفيفا – على سبيل المثال ـ اختارت إسرائيل عوضا عن قطر، فهل كان الرئيس الأمريكي سيقول الكلام نفسه؟ ولعل ترؤس قطر للجنة ممثلة في حمد بن جاسم بن جبر رئيس وزرائها ووزير خارجيتها وإحساس العرب حكومات وشعوبا بالفرح ورد الاعتبار لاختيار دولة عربية شرق أوسطية نجحت عالميا في إدارة ملفها وأنجزت الكثير مما اشترطته الفيفا كتبريد الملاعب، الذي أدخل قطر تكنوتقنيا إلى موسوعة غينيس ومنحها براءة اختراع علمي فريد من نوعه، إضافة إلى مساعدة دول العالم الثالث بالنهوض بمستواها الرياضي، كل ذلك دفع كما نستنتج في اتجاه اتخاذ قرار جمعي عربي سياسي من بوابة الفرح الرياضي العربي. ‘ كاتب قطري