إسرائيل دولة جميع فاشييها

حجم الخط
0

زهير أندراوس

منذ إقامتها في العام 1948 لم تكن إسرائيل ديمقراطية، لقد كانت وما زالت ديمقرا طية الأكثرية اليهودية، أو الأكثرية الأوتوماتيكية، كانت وما زالت الأداة الرئيسة لنهب الأراضي العربيّة في فلسطين، لفرض الحقائق على أرض الواقع بهدف منع عودة اللاجئين الفلسطينيين، لممارسة القمع بجميع أشكاله وأصنافه ضدّ عرب الـ48، ضدّ الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، حيث أقامت هناك نظام عزلٍ عنصري، شوارع معبدة لليهود، وشوارع ترابية للعرب، وبالتالي فإنّ طوفان القوانين العنصرية، الذي يعصف بالكنيست هو تحصيل حاصل، لمجتمعٍ عنصري يُقاد من قبل مجموعة يمينية متطرفة تؤمن قولاً وفعلاً بأنّ الوصول إلى العزل العنصري، على كل ما يحمل في طياتّه من سلبيات، على الساحة الدولية، يُحتّم التخلص من الديمقراطية البرلمانية، أي إفراغ البرلمان الصهيوني من مهامه، وهذه الخطوة هي تأكيد على أنّ الديمقراطية البرلمانية المزعومة في طريقها للاندثار.

الديمقراطية على المقاسات الصهيونية، هي ديمقراطية ‘الأسياد’، أي الأكثرية، الأكثرية اليهودية داخل ما يُسمى بالخط الأخضر وديكتاتورية ‘العبيد’، أي العرب الذين يُشّكلون 20 بالمئة من سكانها، ديمقراطية ‘الشعب المختار’ وديكتاتورية ‘الأقلية الدونية’. وفي هذه العجالة، لا ضير بالتذكير بأنّ البيض في أمريكا يزعمون بأنّهم الأكثرية، وبأنّ القرارات تتخذ بالأغلبية. صحيح، أنّ البيض هم الأكثرية، ولكن هل هذه الحقيقة لا تُحتّم على دوائر صنع القرار تطوير هذا المفهوم بهدف منح الأقلية حيزا معينا لأخذ دور فعّال في صناعة القرار وتحديد طبيعة النظام، وبالتالي يمكن القول إنّه باسم الديمقراطية الليبرالية يتم سحق الحقوق الأساسية لشرائح إثنية معينة، وتُستغل الديمقراطية من أجل تكريس سيطرة الصهاينة في إسرائيل على الأقلية، كما هو حال أمريكا مع السود، الذين يتم التعامل معهم بحسب ذهنية الكيان الاستعماري: تفوق العرق الأبيض على الآخرين. اعتمادا على ما ذُكر، يجب قراءة قانون الولاء الذي بادر إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سالبا من الكنيست مهمته التشريعية، 22 وزيرا من أصل ثلاثين، أيّدوا مشروع القانون الموجه أولاً ضدّ عرب الـ48، وبموجبه فإنّ كل إنسان غير يهودي، يجب عليه تصريح الولاء لدولة إسرائيل كدولة يهودية ديمقراطية، أي أنّ المطلوب من كل إنسان يطالب بالجنسية الإسرائيلية أن يصرح بالولاء ليهودية الدولة بدلاً من التصريح كما هو متعارف عليه في معظم دول العالم، باحترام قوانين الدولة؛ والمعنى من هذا الأمر هو تصريح ولاء ايديولوجي ليهودية الدولة. وبرأينا فثمة تناقض صارخ في النص (دولة إسرائيل يهودية وديمقراطية)، فدولة يهودية خالصة، أسست على أنقاض شعب آخر، وتتجلى العنصرية حتى في تسميتها بصفتها دولة اليهود؛ كيف تكون دولة ديمقراطية يتمتع سكانها بالمساواة والعدالة؟

فالدولة التي تفرض ايديولوجية معينة على مواطنيها، رغم وجود مواطنين ليسوا يهودا ولا يحملون الفكر اليهودي، إنّما تمارس التطرف فكراً وواقعا، وهي أبعد ما تكون عن الديمقراطية الحقيقية المبنية على مبدأ المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، فالرموز الدينية اليهودية مثلا، لا يمكن بأي حال أن تمثل أبناء الأقليات من غير اليهود، ونرى أنّه من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّه بعد مرور يومٍ واحدٍ على قرار الحكومة، أطّل وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، وصرح بأنّ كل شاب يبلغ سن 16 سنة عليه أن يصرح بالولاء للدولة اليهودية، كشرط للحصول على الهوية الإسرائيلية، وبالتالي فإنّه حتى الجولة القادمة من تعديل هذا القانون العنصري، فإن أول المتضررين من القانون اليوم هم أبناء شعبنا الفلسطيني، الذين يطالبون بلمّ الشمل مع عائلاتهم في الداخل الفلسطيني، وحسب القانون الجديد فإن من شروط لمّ الشمل اليوم هو تصريح الزوج أو الزوجة الفلسطينيين بالولاء ليهودية الدولة، وفي حالة الرفض فسيكون المصير تفريق شمل العائلة الواحدة.

علاوة على ذلك، تقول مؤسسة ميزان لحقوق الإنسان في فلسطين، إذا قام إنسان بالتصريح مرغما وتحت الضغط بالولاء ليهودية الدولة فما مصيره المستقبلي؟ هل عليه أن (يلزم الراحة) يوم السبت (عطلة اليهود الرسمية) وإن لم يلتزم فإنه معرض للمساءلة القانونية، التي قد تصل حد سحب الجنسية منه؟ كذلك الأمر بالنسبة لمن يريد الزواج بأجنبية حتى لو لم تكن مسلمة، فإن من شروط تكوين أسرة والحصول على الجنسية، أن تصرح الأجنبية بولائها ليهودية الدولة.

بناءً على ما تقدّم، ولأنّ القانون من أخطر القوانين، يتحتم على لجنة المتابعة العليا لشؤون الجماهير الفلسطينية، وهي أعلى هيئة تمثيلية للمجتمع الفلسطيني في الداخل، الدعوة لاجتماع طارئ لاتخاذ قرارٍ يُلزم الجميع، ويكون تاريخيا ومفصليا، يُلزمنا، قبل أن يُلزم قادة إسرائيل ومن يقولون إنّهم قادة شعب فلسطين، ولا غضاضة بصياغة وثيقة إعلان مبادئ تضع النقاط على الحروف وتًعلن بشكلٍ غير قابل للتأويل أنّ أيّ اتفاق بين سلطة رام الله، أو سلطة، بفتح السين واللام، سلطة الإصرار على العار، والدولة العبرية، يتم فيه التنازل عن الثوابت الفلسطينية، مرفوض جملة وتفصيلاً. فالعرب في الداخل هم ليس سلعة للتفاوض بين سلطة تعتبرهم ‘عرب إسرائيل’ وبين إسرائيل، التي ترى فيهم قنبلة ديمغرافية موقوتة.

خلاصة الكلام: عندما نرى إعلانا تجاريا على مواقع الإنترنت العبرية يقول بأنّ بائعات الهوى يرفضن استقبال غير اليهود، فهذا يعني أنّ الدعارة الوطنية، إذا جاز التعبير، هي الخطوة ما قبل الأخيرة التي تؤسس جدار الكره، وتُقيم سور الكراهية، الكراهية المتفشية في المجتمع الإسرائيلي، على معظم روافده، ضدّ كل ناطق بالضاد، وضدّ كل من يقول لا إله إلا الله، محمد رسول الله. وحتى إذا سلّمنا بنقاط نيلسون الشهيرة بعد الحرب العالمية الأولى، التي أُطلق عليها اسم الإمبريالية التقدمية، ونصت على تبني الدبلوماسية المفتوحة، الحرية الإعلامية، حرية التجارة، خفض التسلح، تقرير المصير وإنشاء عصبة الأمم، وما إلى ذلك، وحتى إذا وافقنا على تصريح أول رئيس للدولة العبرية حاييم فايتسمان، الذي قال إنّ امتحان إسرائيل المفصلي أمام العالم هو كيفية تعاملها مع الأقليات داخلها، حتى لو قبلنا كل ذلك، فلا يُمكن بأيّ حال من الأحوال اعتبار إسرائيل صنيعة الصهيونية، ديمقراطية، بل هي كيان استعماري، لأنّ الصهيونية بصفتها حركة استعمارية، لم تعمل ولا تقدر أن تعمل على تأسيس ديمقراطية على أرضٍ مغتصبة. وبالتالي من المستحيل أن تصبح إسرائيل يوما ما ديمقراطية، لأنّ ما سُميت بالديمقراطية وُلدت ميتة، ودأب حاكم تل أبيب منذ 62 عاما على تدمير أي رمز يشير إلى الديمقراطية، إنّها خرجت إلى النور ميتة، وكائنا من كان على هذه البسيطة، لا يُمكنه إعادتها للحياة، فكم بالحري عندما يكون أصحابها على قاب قوسين أو أدنى من الفاشية. إسرائيل هي دولة جميع مستوطنيها اليهود، جميع عساكرها المجرمين، جميع سياسييها المتطرفين، وعندما ينتخب الإسرائيليون بصورةٍ ديمقراطية برلمانا أشد تطرفا منهم، وتنبثق عن هذا البرلمان حكومة تغالي في تطرفها وعدوانيتها وعنصريتها، أي أنّ الشعب بات متطرفا أكثر من حكومته، والعكس صحيح، فإنّ الطريق باتت معبدة للإعلان عن إسرائيل بأنّها دولة جميع فاشييها.’كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية