عبد الحميد صيام أقرت المحكمة الجنائية العليا في العراق تنفيذ حكم الإعدام شنقا في السيد طارق عزيز، وزير خارجية العراق الأسبق، واثنين من أركان النظام السابق بتهمة ارتكاب جرائم حرب. ومع أنني لست من المتعاطفين مع أي نظام سلطوي في أركان الوطن العربي أو العالم، إلا أن أكثر ما يثير انتباهي في هذا الحكم هو توقيته بعد فضحية الوثائق، التي سربتها المنظمة الدولية ‘ويكيليكس’ أخيرا حول ممارسات الاحتلال في العراق. ومنظمة ‘ويكيليكس’ معنية بنشر الوثائق السرية من دون الإفصاح عن مصادرها.
والتقرير يوثق لمقتل 109.032 عراقيا، من بينهم 66.081 مدنيا، أي بنسبة 60′ من مجموع الضحايا وبمعدل 31 عراقيا كل يوم، في الفترة من 1 كانون الثاني/يناير 2004 إلى 31 كانون الأول/ ديسمبر 2009. أي أن فترة الحرب والشهور الثمانية الأولى التي قتل فيها من المدنيين ما يعادل السنوات اللاحقة مجتمعة غير مذكورة في التقرير الموثق.
ففي كل مرة تنتشر الفضائح النتنة عن ممارسات الاحتلال في العراق ترمي لهم ‘السلطة الوكيل’ طوق نجاة. فبدل أن تشكل اللجان فورا لدراسة كافة الوثائق المهمة والخطيرة التي سربتها ‘ويكيليكس’ وتحدد المسؤوليات وتقرر ملاحقة مجرمي الحرب، تهرب السلطة العراقية إلى الوراء فتعود تذكّر بأركان النظام السابق وكأن بقاياه المبعثرة في السجون والمنافي والمقابر هي آخر ما تبقى لهم لشن حرب مضمونة النتائج، فلوم أركان النظام السابق، هكذا يتوهمون، يعفيهم من التصدي لمصائب الحاضر التي لا حصر لها ومواجهة تحديات المستقبل. من ناحية مبدئية أنا ضد حكم الإعدام بشكل مطلق، فقد أقرت الأمم المتحدة البروتوكول الاختياري لوقف حكم الإعدام وانضمت إليه دول مثل ألبانيا وأذربيجان وأندورا، ولكن للأسف لم تنضم إليه أي من الدول العربية تحت حجج ومبررات لو أرادوا أن يستصدروا لها الفتاوى لما عجزوا عن ذلك، مثلما استصدروا فتاوى تبيح زواج المسيار والزواج العرفي وزواج المتعة.
من الناحية القانونية فهذه التركيبة الحكومية هي احد إفرازات احتلال العراق بعد حرب غير شرعية شنتها الولايات المتحدة وحفنة من حلفائها، من دون سند قانوني أو تفويض من مجلس الأمن. وتقادم الاحتلال لا يعني شرعيته مثله مثل الإجراءات الإسرائيلية في القدس وبقية الأراضي المحتلة. والتقادم لا يعني دفن المبادئ والقوانين الدولية، وإلا لماذا يقوم العراق لغاية هذه اللحظة بدفع تعويضات للكويت عن الخسائر التي نتجت أثناء احتلاله من 2 آب/أغسطس 1990 إلى 28 شباط/فبراير 1991. إن قرار إعدام طارق عزيز، هو غطاء لإفلاس القيادات الحالية وقنبلة دخان يغطون بها فشلهم في إعادة الأمن والأمان والاستقرار والوحدة والسيادة للعراق، كما أنه عملية هروب إلى التاريخ بتوجيه اللوم للنظام السلطوي السابق، بدل مواجهة تحديات الحاضر والعمل على بناء مستقبل أفضل لكافة أطياف الشعب العراقي المظلوم. أنظر إلى ما جره الاحتلال على وضع العراق اليوم. الخدمات الأساسية ما زالت معطلة والبلاد شبه مقسمة والتشظي الطائفي يتجذر أكثر والفساد مستشريا أفقيا وعموديا وأربعة ملايين عراقي بين مشرد داخليا أو لاجئ في أصقاع الأرض والبنى التحتية مدمرة أو شبه مدمرة وهروب الأدمغة العراقية ما زال قائما واغتيال المبدعين والفنيين والخبراء تجاوز كل حدود واستهداف الصحافيين وأصحاب الأقلام الحرة ما زال مستمرا. فعن أي قانون يتحدثون؟ فبدل الانتصار الجبان على رجل في منتصف سبعينياته يأكل المرض ما تبقى من جسده المنهك لماذا لا يقدمون للمحاكمة واحدا من رموز الفساد وأركان ميليشيات القتل على الاسم والسكن، وخبراء التعذيب المشمولين في الوثائق المنشورة أخيرا؟
عندها فقط يمكن أن نسترد شيئا من ثقة معدومة في قانون فصله الاحتلال ووكلاؤه يطبق على الماضي ويتعامى عن الحاضر وليس معنيا بالمستقبل. ‘ أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك