عادل الأمينخرجوا من خلف أعواد القصب والخيزران يسيرون مترنحين عند منبلج الفجر..الجد يسير في المقدمة والابن في الوسط والصهر متأخر عنهم بمسافة..في هذا البلد المأزوم، ممنوع تجمع أكثر من ثلاثة أشخاص…كانت أصوات الهوام وعواء الكلاب وخوار الجواميس تعزف سمفونية الليل المرعبة في الاهوار عند شط العرب، دخلوا البيت الصامت والكائن عند طرف البلدة واشتعلت فيه الحياة والضجيج…كان المخبر سالم الذي اعتاد الجلوس في المقهى البعيد…يرقب هؤلاء الذين يتسللون فجرا عبر المستنقعات ويكتب تقريره ويرفعه إلى آمر البلدة- من هم هؤلاء الثلاثة؟- لا ادري ولكنهم يأتون عند الفجر في بيت الجدة فاطمة..لعلهم عملاء ايرانيون.- عليك بالتأكد أكثر…لا نريد أن تفقد الدولة هيبتها بمثل هذه البلاغات غير الجادة.- نعم…أعدك بذلك.ويخرج سالم من المخفر وهو يرتعد فرقا…ما الذي يعتريه ويسمره في مكانه!!.. عندما يراهم يدخلون البيت ويعم الضجيج وصوت قطع الدومينو ودخان الطعام الشهي الذي تعده فاطمة وابنتها سكينة وكنتها صبيحة للضيوف…عندما تشرق الشمس يتبخرون في الهواء!!في مرة من المرات نادى الحفيد بسام الذي دائما ما يخرج في الصباح ليحضر مستلزمات المنزل من طعام ولحم وحلويات أيضا، يتم إعدادها للزوار المكرمين في يوم عاشوراء والحسينيات..- ما اسمك؟- بسام كريم- مع من تقيم؟- مع جدتي وعمتي وأمي- هل تريد حلوى؟- جدتي قالت لي لا تأخذ حلوى من الغرباء- أنت غلام ذكي..ولكن أين جدك عبد الرحيم؟- جدي عبد الرحيم سافر إلي الحوزة العلمية في النجف- أين خالك اسعد*؟- سافر ليدرس في السودان- وأباك؟- يعمل في نفط الشمال في كركوك- هكذا إذا..من الذين يأتون عند الفجر؟- لا ادري…لا احد يأتي عند الفجرويستشيط المخبر سالم غضبا وينهره فيرتعد الطفل فرقا ويهرول مبتعدا وتدور الأيام ويتعرض سالم للازال اليومي والصفع والركل أيضا من رئيسه في المخفر…وأخيرا تم تسريحه من الخدمة بعد ان اختل عقله تماما وصار يهذي بأنهم يأتون عند الفجر…وأضحت تطارده الكلاب والأطفال في الحواري..ثم .يمضي ليلا لينام في مقبرة البلدة العتيدة.****دارت الأيام ومرت السنوات العجاف وهمدت الحرب المزمنة…وعادت حرب عبثية …ودبت أعراض الموات في النظام…حتى انهار بعد عقود وجاست جحافل التتار في البلاد ومعهم جاءت رياح التغيير..وتفاجأ أهل البلدة في الاهوار ومعهم الحكومة الجديدة باكتشاف مقبرة جماعية كبيرة تقع خلف حقول القصب والخيزران والمستنقعات…وهب سكان البلدة والنساء الثكالى للبحث في الرفات عن أهلهم وذويهم…تم العثور على جثمان الجد عبد الرحيم والابن اسعد والصهر كريم…وقامت النساء المكلومات بدفنهم في مقبرة البلدة التي يقيم فيها المخبر المختل العقل سالم بملابسه الرثة وصياحه المعهود. – إنهم يأتون عند الفجر..***هوامش: اسعد زميل دراسة من العراق، تخرج من جامعة الجزيرة في السودان 1986، غيبه نظام البعث بالموت بعد مشاركته في انتفاضة 1991 كاتب من السودان مقيم في اليمنqd