استراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية: لن نترك أفغانستان

حجم الخط
0

د. هيثم غالب الناهي ‘ لن نترك أفغانستان’؛ هكذا بدأ خطابه الرئيس الأمريكي باراك أوباما في القاعدة الجوية باغرام الأمريكية القريبة من كابول بأفغانستان، خلال زيارته المفاجئة التي قام بها ليلة السبت الموافق 4/12/2010. فهو وان بدت ملامح الثقة بالنفس طاغية عليه وعلى القوات الأمريكية التي استقبلته؛ فهي كانت برأينا لا تتعدى أن تكون دورا تمثيليا أراد منه إرسال انطباع المنتصر للعالم؛ وإظهار صورة غير المبالي بما جاء من تسريبات ويكيليكس بحق سياستهم الخارجية ونظرتهم إلى واقع حلفائهم. فنظرة بائسة إلى خطابه المتشنج نرى حجم المتناقضات التي وقع فيها رئيس أكبر دولة مهيمنة بالقوة على العالم؛ فهو تارة يقول: ‘اليوم نحن فخورون لأن طالبان ما عادت تسيطر الا على مناطق قليلة في أفغانستان’، ثمّ يعود محذراً جنوده بقوله ‘تنتظركم أيام عصيبة لقتال طالبان’؛ فيا تُرى أين الصح من الخطأ. هل فعلا طالبان، كما يقول أوباما قد تمّ إجهاضها وإنهاء قوتها؟ هل تمكن بترايوس المعين على خلفية الفشل الأمريكي للقضاء على طالبان وتقليل الخسائر من النجاح؟ هل تمكن أوباما أنْ يحقق ما يريده الناتو في أفغانستان؟ كلها أسئلة تدور في فلك ومحور الاستراتيجية الأمريكية في أفغانستان.

على الرغم من أنَّ الرؤساء الأمريكيين اعتادوا زيارة قواتهم قبل وخلال اعياد الميلاد؛ ولعل زيارة اوباما المفاجئة هذه والمبكرة جدا إحدى هذه الزيارات؛ ولكن في العرف العسكري والاستراتيجي تتفتح افاق جديدة لمعرفة الأسباب التي ألحت عليه بأن يظهر بهذه الصورة المرتبكة وغير المبرمجة التي حتّى لم تعطه فرصة لقاء كرزاي الرئيس المعين من قبلهم في أفغانستان؛ بل اكتفى بالتحدّث إليه هاتفيا لمدّة 15 دقيقة أو بأقل قليل. فالرئيس الأمريكي زار أفغانستان في توقيت بدت به السياسة الأمريكية فيها بمهب الريح، إذا صحّ ما يقال؛ إذ إعداد القتلى الأمريكيين وحلفائهم من الناتو في تزايد مستمر منذ عام 2006م ووصل ذروته في نهاية الشهر السابق تشرين الثاني/نوفمبر 2010؛ التعاطف الجماهيري في أفغانستان مع طالبان وصل حدا جعل كرزاي يعيش متقوقعاً محمياً داخل كابول الصغيرة المصغرة؛ علاقات كرزاي مع الولايات المتحدة الأمريكية في توتر مستمر وصل حدّ اتهام بعضهم بعضا بالفساد والجبن؛ إصرار بعض دول الناتو على الانسحاب وعدم المشاركة في اللعبة الأمريكية؛ زيادة القوات الأمريكية إلى حدّ لم يسبق له مثيل وتزايد الهجمات الطالبانية الناجحة ضدّ القوات حسب تقرير لجنة الامن والدفاع التابعة للكونغرس الامريكية الشهر الماضي؛ تصريحات العديد من المهتمين بأن الحرب في أفغانستان خاسرة؛ هذه جملة من الظروف المحيطة والمدللة للمأزق الذي تعيشه الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان مع زيارة أوباما الأخيرة؛ فيا تُرى ما الذي يريد إرساله اوباما للعالم عبر هذه الزيارة الأخيرة التي تحيط بها هذه الأزمات التي ذكرنا قسما منها؟ وهل استراتيجيته السياسية والعسكرية والمخابراتية وصلت إلى طريق مسدود؟ فالرئيس الأمريكي أوباما ومنذ حملته الانتخابية عام 2007، وخلال اعتلائه منصب الرئيس في كانون الثاني/يناير 2008 كان يقول إنّ قضيتنا في أفغانستان. ولعل اختياره أفغانستان دون الدول الأخرى التي يوجد فيها جزء كبير من قواته العسكرية نابع من موقعها الجغرافي الاستراتيجي؛ فبكل المعايير أفغانستان دولة تحيط بها الصين والهند وباكستان وروسيا وإيران، سواء بصورة حدودية مباشرة مثل باكستان أو بصورة غير مباشرة ولكن قريبة جدا مثل الصين؛ هي دول نووية أو تطمح لأن تكون نووية. والنوويات منذ اكتشافها مع أواخر الحرب العالمية الثانية هي سلاح ردعي غير هجومي أو دفاعي، وهو ما عزز مكانة الولايات المتحدة الأمريكية وجعلها تهيمن على العالم بالقوة والتهديد به. فلذلك يريد أوباما أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية قريبة من هذا الدول ليكون الفعل المخابراتي وجمع المعلومات قويا ومتماسكا ولا يمكن أن تكون هناك ثغرة يمكن أن تمر من دون العلم المخابراتي الأمريكي به. فعلى الرغم من العلاقة الروسية الأمريكية والالتزام بمعاهدة سلت 1 المنتهية وتوقيع سلت 2 غير المصدقة بعد للحد من انتشار الأسلحة النووية بين روسيا وأمريكا؛ وعلى الرغم من معاهدة الشراكة النووية الهندية الأمريكية ومتابعة الملف النووي الباكستاني وازمة الملف النووي الإيراني؛ تبقى الولايات المتحدة الأمريكية قلقة حيال ذلك؛ خوفاً من انفلات الوضع وظهور قوة رادعة تشاركها الهيمنة مستقبلا. فلذا يكون الفعل المخابراتي الأمريكي مهما جدا ليس في هذا الأمر ولكن للهيمنة على الدول الأخرى واشعارها بأنّها في قبضة المعلومات المخابراتية التي تمتلكها الولايات المتحدة الأمريكية عنها.

يبدو أنَّ المسألة المخابراتية الأمريكية وقوتها هي أكثر ما يشغل اوباما هذه الأيام؛ فلو عدنا جانباً إلى عام واحد بالتحديد قبل زيارة اوباما الأخيرة لأفغانستان لوجدنا أنّه زارها في وقت اثبت الفعل المخابراتي فيه فشله بالكامل؛ حين تمكنت طالبان عن طريق مخابرات دولة صديقة من إرسال شخصية ما إليهم للتباحث ولقاء أكبر 17 شخصية أمنية أمريكية في كانون الاول/ديسمبر 2009 وانتهت باغتيال معظمهم وجرح الباقين. هذه العملية التي اصرت الولايات المتحدة الأمريكية أن يكون تداولها إعلاميا محدودا؛ قد سبب كارثة لا يمكن نسيانها قط. علاوة على إعطاء بعد كبير للمهتمين في هذا الشأن أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية في حالة مخابراتية مزرية جدا، إلى حدّ لم تتمكن من معرفة ما تخططه طالبان ضدهم؛ إذا أضفنا إلى تلك العملية الهجوم على المعسكرات وإطلاق سراح السجناء من طالبان بعد هذه العملية التي راح ضحيتها كبار المسؤولين المخابراتيين الأمريكيين. اليوم يعود أوباما لزيارة أفغانستان بعد كارثة مخابراتية جديدة حلت بهم؛ فبعد مؤتمر لندن في ربيع 2010 وإعلان الناتو بأن هناك خطّة لإعادة بناء الجيش الأفغاني والحوار مع طالبان ولربما شقّ صفوفهم وتحديد 50 مليار دولار لهذه العملية؛ وبعد إجراء الانتخابات في أفغانستان التي اعلن عنها أمريكيا أنّها مزورة؛ أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية أنّها تحاور طالبان عن طريق شخصيات قيادية طالبانية مهمة. ومنذ ثلاثة أشهر تجتمع القيادات الأمريكية مع شخصية لم يعلن عنها وتنقله طائرة عسكرية أمريكية إلى كابول بحماية جبارة وتمنحه حماية وأموالا وتعلن بين الحين والآخر أنّها على أعتاب التوصل إلى اتفاق مع طالبان؛ تبين في ما بعد أنَّ الملا ضعيف ‘زعيف’ لا يمثل طالبان. فحين توصل الملا ضعيف مع القوات الأمريكية الى ان طالبان تتخلى عن دهليز الشمال قرب طاجاكستان وتسيطر هي على كلّ أفغانستان اعلن الملا عمر فجأة ان طالبان لم تلتق الأمريكيين ولن تلتقيهم وعليهم الخروج فورا من كامل تراب أفغانستان لانهم غزاة. بالطبع حين اعلن هذا البيان من على لسان الملا عمر اختفى الملا ضعيف واختفت معه الدولارات الممنوحة وانتهت الكارثة باتهامات ما بين الأجهزة المخابراتية الأمريكية وكرزاي، وهم لحد الان لا يعرفون هل هذه لعبة طالبان أم هي عملية نصب قام بها الملا ضعيف؛ وكلا الحقيقتين مر سُقام.

هذه الحادثة الأخيرة التي وقعت في شباكها الولايات المتحدة الأمريكية والتي اعلن عنها قبل أسبوعين ماذا تُدلل؟ بالطبع تدلل على أنَّ أمريكا بعد تسع سنوات من السيطرة الكبيرة على كلّ أفغانستان ليس لديها اية معلومة عن طالبان. ولعل الفشل الأمريكي في أفغانستان ناتج من الفشل المخابراتي فيها وعدم معرفتها لا بشخصية ملا عمر ولا بشخصيات طالبان القيادية. ولربما ان قادة طالبان يعيشون بينهم ولا يمكن التعرف عليهم ويمكن لطالبان أن تنقض عليهم متى ما ارادت. وبهذا فالولايات المتحدة الأمريكية حين تكون اجهزتها المخابراتية معطلة تماما ويتمكن بقال في أفغانستان من استدراجهم ونهب أموالهم تحت غطاء أنّه قيادي في طالبان يعتبر في العرف المخابراتي كارثة كبرى؛ وتجعل من يعتمد عليها فاشل في ادائه. وعليه فزيارة اوباما الأخيرة وان جاءت لرفع معنويات الجنود الأمريكيين لسوء اجهزة المخابرات؛ إلا أنّها سوف لا تغير شيئا مطلقا لعدم وجود المعلومة المخابراتية وليس نقصها حول طالبان. وعلى أوباما ورجال الولايات المتحدة الأمريكية الرحيل عن أفغانستان لأنّها حرب خاسرة بِكُلّ المعايير.’ كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية