الصراخ خارج أبواب الرقابة وحُلم التحرر من عبودية الرقيب

حجم الخط
0

أفلام أثارت القضية وفتحت الملف الساخنالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ – من كمال القاضي: عرضت قناة روتانا سينما في سهرتها فيلم ‘بدون رقابة’، ذلك الذي أثار الجدل لكونه يتميز بالجرأة الشديدة في تناوله لواقع الشباب الجامعي، الذي بات مشغولا من وجهة نظر صناع الفيلم بالجنس والمخدرات، الفيلم لم يستمر طويلا بدور العرض وآل مصيره للقنوات الفضائيةن التي جددت موجات الاحتجاج والرفض إزاء المشاهد المثيرة والجمل الحوارية الخارجة عن المعيار الأخلاقي المتعارف عليه في السينما، كان السؤال الحائر في معظم نوافذ التعبير الإعلامية، كيف يتم التصريح بعرض مثل هذا الفيلم في السينما والتلفزيون؟

السؤال الثاني، أين كانت الرقابة على المصنفات الفنية؟ وهل المقصود هو أن يكون الاسم على المسمى لنشاهد هذا الابتزال؟!

لقد كنت واحدا من ضيوف البرامج السينمائية الذين وجهت إليهم هذه النوعية من الأسئلة المحيرة حول دور الرقابة وأهميتها ومساوئ إلغائها، وبالمصادفة البحتة كنت قد شاهدت حلقة كاملة بقناة الجزيرة عن ‘الرقيب’ الرقيب بكل أشكاله ووظائفه في السينما والصحافة والأدب وغيرها من أوجه الإبداع، وقد فتحت شهيتي للكلام عن هذه القضية الدقيقة شديدة الحساسية، وبالفعل حاولت أن أكون صادقاً مع نفسي فيما أقوله، من دون أن أسير في الركب وأردد ما يردده أنصار الحرية المطلقة أو السلفيون المحافظون ووجدتني أقف في المنطقة الفاصلة بين المؤيدين والمعارضين ولي في ذلك حجتي.

ودعونا نتساءل من هو الرقيب؟

الإجابة من وجهة نظري هي أن الرقيب ليس هو الشخص الذي يقوم بالحذف والمصادرة في شريط السينما أو السيناريو، وإنما يتمثل في فطرة الإنسان التي فطره الله عليها والتي بموجبها يقبل ما يقبله عقله ووجدانه ويرفض ما يرفضه عقله ووجدانه، فإحساس الإنسان هو رقيبه الأول الذي يحدد مساراته الفكرية والفنية والأدبية ويشكل ذائقته فيقبل هذا ويرفض ذاك، كما أن الضمير رقيب آخر قيم على صاحبه يوخزه حين يخطئ ويطاوعه إذا أصاب، بيد أن العقل يمثل جهازا مركزيا للرقابة الذاتية داخل كل شخص رشيد ينبه الحواس ويعطيها الأوامر فتنصاع لأوامره وإذا ما حدث عكس ذلك كان الخلل الذي يستوجب العلاج، تلك بديهيات الرقابة وقانونها المرفوض من البعض، على اعتبار انه حجر على الإبداع، وفي الواقع ان الرقابة الحقيقية هي المسؤولية الفردية أو الجماعية، فإذا ما كان الفرد مسؤولا مسؤولية كاملة ومن ثم تنتفي الحاجة إلى رقيب خارجي، أما إذا لم يتوافر شرط المسؤولية عند الفرد والجماعة كانت الرقابة عملا واجبا لتحديد الاتجاهات والمسارات والأهداف، فهي مسألة أشبه بالقانون الوضعي العادل من دونه تشيع الفوضى وتنتشر الجريمة وتخرج الأشياء عن سياقاتها وليست هذه دعوة لتبني مبدأ العقوبة تجاه من لا يلتزمون بالقانون وإنما محاولة لممارسة الحرية الإبداعية بغير صدام مع التشريعات الرقابية، خاصة أن العمل الإبداعي يستوجب الذكاء، بل أن الذكاء ركن أساسي فيه، وطالما امتلك المبدع هذه الميزة فلن يتعارض إبداعه مع لوائح الرقابة، فالإفلات منها سهل ويسير مادامت هناك نية حسنة لعمل شيء هادف وبناء، ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا تخلى الرقيب عن بيروقراطية الموظف وتعامل مع النص او المصنف الفني بروح الفنان، عندئذ لا يحدث التصادم ولن تكون هناك مشكلة وأتصور أن الفترة التي تولى فيها منصب مدير الرقابة على المصنفات الفنية مبدعون، روائيون ونقاد ومخرجون كانت الشكاوى من التعسف الرقابي شبه معدومة، لأن هؤلاء وكان آخرهم الناقد السينمائي ورئيس المجلس الأعلى للثقافة علي أبو شادي ظلوا يتعاملون مع إبداع الآخرين بحساسية مرهفة وكانوا في أغلب الأحيان يضعون أنفسهم مكان المخرج أو السيناريست، مما أعطى إحساسا بالطمأنينة من جانب الكُتاب والمبدعين ورفع سقف الحرية عالياً، ولم يحدث نزاع إلا في حدود ضيقة وعلى تجارب سينمائية معينة لها طبيعة سياسية خاصة، فالرقابة في عهود سابقة وعصور ذهبية لها سابقة وعصور ذهبية لها سمحت بعرض أفلام مثل حمام الملاطيلي للمخرج الكبير صلاح أبو سيف، المذنبون لسعيد مرزوق، وهما فيلمان أثير حولهما جدل واسع واتسما بجرأة غير مسبوقة في تاريخ السينما، أي أن الرقابة لم تكن دائما حائلا أمام الإبداع والحرية ولكن الرقباء هم القضية الأساسية في المسألة الخلافية حول تأييد وجود الرقابة من عدمه، غير أن مستوى العمل الفني هو ما يحفز على التصريح بالعرض أو مصادرته، وهذا ايضا عامل مهم من عوامل القبول أو الرفض، ونحن لا نسوق الأمثلة والدلائل لننتصر لفكرة الرقابة، ولكن لنؤكد أن الجهاز الرقابي ليس وحده المسؤول عن الأزمة الفنية وبالتحديد أزمة السينما، حيث لهذه الأزمة أوجه كثيرة ربما كانت الحرية واحدا منها، ولكي يتضح رأينا اكثر فإننا نشدد على أن محو الأمية الثقافية لجمهور السينما والفن بشكل عام هو المشروع الأسبق على طموح إلغاء الرقابة والأجدر بالإهمال فإنه إذا تحقق صارت المخاوف من فتح أبواب الإبداع على مصارعها من دون قيد أو شرط ضربا من خيال، إذ لم يكن هناك ضرورة حينئذ لوجود رقابة أو رقباء، أما إذا لم تُحل مشكلة الأمية الثقافية وظل الفن والسينما من وجهة نظر الغالبية العظمى حراما ومنكرا فلن تفلح مساعي الإلغاء والتحرر وسنصبح في حاجة لمزيد من الوصاية، لأن الرقابة هي الباب الموصود الذي يمنع عنا نيران العامة والدهماء ويحمينا من براكين الغضب المشتعلة تحت السطح، فحذار من إطلاق صيحات التحرر وفك أغلال السينما قبل أن تكون الجماهير مستعدة لذلك والحالة الثقافية تسمح بآفاق جديدة للتعبير وحريته وإصراره.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية