بروفسور نسيم الخوريقد يأخذ شلال الوثائق والأسرار المتدفّقة من نوافذ موقع ‘ويكيليكس’ أي التسريبات الأسبوعية، الذي انشق عنه موقع ‘أوبنليكس’ بنوافذه المشرّعة على التسريبات المفتوحة، حيزاً واسعاً من الأحاديث والدراسات والأبحاث والمحاضرات الجامعية، كما أنه سيدمغ التحليلات والقناعات والمواقف الخاصة بالزعماء ورجال السياسة، وحتى العاديين من الناس، بما قد يفترض من هذين الموقعين وغيرهما من المواقع التي لا تحصى، ضرورة التأمل والبحث عن إعادة تشكيل المفاهيم الخاصة بصناعة الرأي العام. كانت الكلمة مكتوبة أو مقالة تخضع لاعتبارات أخلاقية ومهنية الى حدّ كبير ولربّما تساوي المقصلة، مع أنها في بلد مثل لبنان كادت تفلت أو هي فلتت منذ نصف العقد المنصرم من الموازين المتعددة والحسابات التي لا تنتهي، كونها أعني الكلمة أضحت وكأنها في مشحونها السلبي والنقدي والفضائحي، فقدت بريقها أو تأثيرها المشهود. مع فتح الخزائن وضخ الأسرار تقوى الإرتدادات بين سلطات الحكام وسلطات الناس المستقاة من الشاشات وأجهزة الاتصال والمعلومات، بما يطرح إشكاليات بحثية فائقة الأهميّة. بدا المواطنون في لبنان مثلاً وفي الكثير من البلدان وكأنهم يعيشون في أوطانهم نصف حياة ويموتون فيها نصف موت، وبدت حقائق الحكّام وصورهم الخاصّة والعامّة لا بما يظهرونه للجماهير، بل بما لا يقوون على إظهاره لهم. هكذا يترسّخ اهتزاز صور الحكام وهالاتهم وسلطاتهم المستقاة بدورها تاريخياً من هالات الرسل والقديسين الذين كانت صورهم محفوفة حول الرأس باللون الأزرق السماوي، ثمّ حلّ الذهبي مكان اللون الأزرق في عهد الامبراطوريات، وتسقط الإزدواجيات وتزال الأقنعة. وهنا نضع خطا أحمر تحت كلمة الأقنعة، إذا انتبهنا الى أن جوليان اسانج مؤسس موقع ‘ويكيليكس’ شاء أن يفتح شلاّله مع حلول عيد البربارة، الذي صار يحتفل فيه جزء كبير من اللبنانيين مرّتين: مرّة في شهر تشرين الثاني/نوفمبر، وفقاً للتقويم والطقس الغربي، عندما يتنكّرون مثل الأمريكيين عشيّة عيد جميع القديسين ويعرف بـ’هالاوين’ معرب عن الإنكليزية Hlloween، ومرّة ثانية في شهر كانون الأول/ديسمبر في عيد البربارة وفق التقويم والطقس الشرقي، حيث ترفع الأقنعة فوق صفحات الوجوه أو تدهن بالألوان المختلفة الزاهية بهدف إخفاء الملامح والهويات.
وسواء أكان أسانج الذي أسّس موقعه في العام 2006 قصد إزالة الأقنعة أم لم يقصد، عبر إماطة اللثام عن الكثير من الأسرار والمباحثات التي جعلت قرصا مدمّجا بين أصابعه يهزّ الرأي العام العالمي عشية عيد البربارة الأمريكية للعام 2010، الأمر الذي ولّد عواصف دبلوماسية عبر نشره آلاف الرسائل الدبلوماسية الأمريكية، وأدخله الى السجن الانفرادي البريطاني بمذكرة توقيف دولية أصدرتها السويد في قضية اغتصاب، فإنّ السؤال هو: هل سقطت الأقنعة أم رفعت الأقنعة وفقاً لطقوس التنكر في عيد البربارة؟
الجواب: سقطت الأقنعة قطعاً دفعةً واحدة إذا اعتبرنا أن وجوه العديد من الحكاّم ما زالت محكومة كما ألسنتهم بالأقنعة والتردد والازدواج، من دون انتباه كبير لدور وسائل الإعلام في تكوين الرأي العام، بما يهز مجد خمسة قرون لكتاب ‘الأمير’ لميكيافيللي الذي طالما اعتاد الكثير من السياسيين على دسّه تحت وسائدهم، وبما يجعل هؤلاء الحكّام أنصاف بشر أو من فصيلة النعام، لم يعيروا أهمية لكيفية مخاطبة الآخرين والسفراء والقناصل والمبعوثين وممثلي الدول الكبرى، ولأنهم لم يتقنوا تقديم مصالح بلدانهم وشعوبهم على مصالحهم الخاصة ومصالح البلدان الأخرى. وفي هذا المجال تكفي استعادة ما كتبه شاه إيران محمد رضا بهلوي شرطي أمريكا في الخليج عن أمريكا في منفاه الأخير في كتابه المعنون: ‘جواب على التاريخ’: ‘لقد رمى بي الأمريكيون خارج إيران كمن يرمي فأرةً ميتةً من النافذة’. ومهما اختلفنا في الأسباب والخلفيات والوقائع والتداعيات والإحراجات التي تخلّفها وستخلّفها هذه المواقع والمواقع المنتظرة والوثائق والوسائل في العلاقات الدولية والدبلوماسية وفي سلطات وسائل الإعلام وفي الصراعات الكثيرة وهتك أسرار الحروب المتعددة المنقولة والمتنقلة، ولو بلغ حد سلطات الإعلاميين المتسلّحين بالأسئلة الى أجوبة الإقرار بكتابة التقارير والوشايات والوقوف خلف الأبواب والتحريض والأكاذيب، وكأنها أوسمة القرن الواحد والعشرين الموسوم بقرن الانحطاط، فإن مهمة هذا المقال التبشير بآليات الصناعة المستجدة للرأي العام.’ أستاذ علوم الإعلام في الجامعة اللبنانية وعميد كلية الإعلام سابقاً