الظلم وسؤال الهوية: لماذا ينسلخ الانسان عن وطنه؟

حجم الخط
0

د. راما صافي إن الهوية بمعناها الفلسفي تعبر بشكل ما عن معنى الشيء المطلق الذي يعبر بدوره عن جوهره، جوهره المميز الذي لا يشابهه شيء ـ أو إنسان ـ فان تقول اسمي ‘كذا’ فهذه هوية بحد ذاتها، والهوية مصطلح ينطبق فعليا على الإنسان ومجتمعه، كما ينطبق على الأشياء المجردة من المشاعر، كما ينطبق على المكان وعلى الجماد.

بناء على ما سبق؛ فإن أحد الأشياء المهم وجودها لكي تطلق لقب ‘مجتمع’ على مجموعة مــن الأفـــــراد، هو وجود الشيء الخاص الذي يمــــيزها؛ أي الهوية، وهذه تتعدد بــــين دينية ولغــــوية واجتماعية وعرقيّة وجنسيّة وحتى أسطوريّة.

إن شعور الإنسان بالانتماء لهوية معينة أو لفكرة الهوية ـ على تعدد الجوانب المحددة للهوية- شعور يوجد فطريا لدى معظم الناس على المستويين الشخصي والعام؛ فالطفل يشعر بالانتماء لأمه أو عائلته قبل إدراكه لمحيطه الخارجي مثلا، لكن هل من الممكــــن لإنسان الانسلاخ عن هويته لغضبه مـــنها أو لشــعوره بعدم الرضا عنــــها أو عن نفسه في محــيط هذه الهوية؟ أي أن ينسلخ ويتجرد بإرادته؟

إن انسلاخ الإنسان عن الشيء برضاه يختلف كليا عن الانجراف بعيدا بفعل العوامل الخارجية، كالتربية أو العوامل الثقافية المتعددة التي تتضارب باتجاهات مختلفة حوله؛ إن اختيار الإنسان في أن يترك مجموعة من الأشياء التي تحدده وتحدد علاقاته مع الأشياء وتجعل حياته كفرد في المجموعة أكثر يسرا وسهولة، ليس بالأمر السهل ويتطلب أن تقع عليه قوة تدفعه نحو كرهه لهويته أكبر من تلك التي تجذبه نحوها؛ شـــيء يجعله يدرك أن هويته تلك أقل جدارة به؛ أن هويته كذبة أو خدعة تحط من قيمته كإنسان أكثر من رفعها له؛ هوية تعرقله بدل أن تساعده؛ كأن يكون مظلوما، مستعبدا أو مقهورا.

إن أخذنا الظلم كمثال، فإنه وإن بدا كداء أو بلاء؛ إلا أنه يتشابه مع بعض الأشياء الجيدة، مثله مثل المشاعر الإنسانية الأخرى كالحب والحزن والفرح والغضب؛ سبب يقرب جامعا أو يفرق مبعدا بين الناس؛ إنه هوية بحد ذاته؛ إلا أنه هوية مضادة تجذب الناس نحو بعضها لتكره مجتمعها ‘ذا الهوية’ المحددة الذي أوقع ظلما عليها.

إن الظلم بأفعاله المختلفة يفرض شعورا بالإحباط والانجراف عن الظالمين في المجتمع؛ وحيث أنه في مجتمعاتنا العربية نرى أن الحصة الأكبر من الوطن والمجتمع والفرص والتقدير يتقاسمها الظالمون في ما بينهم؛ وتذهب باسم الوساطة إلى من لا يستحقها ولا يقدرها؛ كل هذا يولد شعورا بالغضب يدفع الكثيرين، خصوصا من الشباب، للعيش في مكان لا يشعرون نحوه بأي انتماء نظرا لفقدانهم هذا الحبل الذي يربطهم بهويتهم؛ لأنها ظلمتهم وتنكرت لهم؛ لأنها أخذت منهم لتعطي غيرهم، فتراهم يبتعدون في أفق الانسحاب تدريجيا حتى يبتلعهم بحر الانسلاخ؛ قد يكون هذا الابتعاد عن الوطن أو المجتمع؛ إلا أنه في معظم الأحيان يكون عن المجتمع، نظرا لأن الوطن يحمل في قلوب الكثيرين فكرة أكثر قداسة وشمولية من أن يدنسها الأفراد حتى لو كانوا المجتمع بأكمله.

لذلك؛ دعونا لا نستغرب انجراف مئات الشباب من محيط الوطن العربي إلى خليجه نحو المجهول؛ نحو ‘اللاهوية’ والتمرد على المجتمع، نحو الآخر؛ فإن كانت هوية الوطن هي ليست هويتهم؛ وإن كانت هوية المجتمع هي من ظلمهم وأكلت من حقهم وفرصهم؛ فعن أي هوية نتحدث وعن أي وطن؟ ويبقى السؤال العالق، هل يدفع الظلم الإنسان للانسلاخ عن وطنه أم مجتمعه أم كلاهما؟ أم لا تجتمع كل بيضاته في سلة واحدة؟’ كاتبة من الاردن[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية