د.
فايز رشيد أعلن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير أن التسوية مع اسرائيل وصلت الى طريق مسدود، بمعنى آخر تقف السلطة الفلسطينية في موقع السكون والصمت، فخيارها تمثل في المفاوضات فقط، ورغم كل التنازلات السلطوية المؤلمة، بما في ذلك استعداد عباس الأخير الذي جاء عرضا (وكأن الرئيس حرص على ذلك) في خطابه في المجلس الثوري لحركة فتح، بأنه على استعداد لقبول فكرة الدولة المؤقتة (وهذا موضوع بحاجة الى مقالة منفصلة) لم تستجب اسرائيل لاغراءاتها، وتصر على الخضوع الكامل لارادتها، هي تريد تسوية، لكنها التسوية التي تنزع آخر غطاء عن جسد السلطة، رغم أن ما يغطيها أصبح قليلا الى الحد الذي بالكاد يستر عوراتها. وإن جاز لنا عنونة المرحلة الحالية بيننا وبين إسرائيل، فليس من الصعوبة بمكان الوصول إلى نتيجة مؤداها، أن إسرائيل تصنع يومياً حقائقها على الأرض، وأن الحالتين الفلسطينية والعربية بالنسبة للصراع معها، تتسمان بالعجز الذي يقود إلى مزيد من العجز، في نفقٍ مظلم يبدو بلا نهاية. إسرائيل هي المعتدية والمحتلة للأرض الفلسطينية والعربية، بمعنى أنها الغاصبة للأرض وإرادة الإنسان، وهي المخالفة لقرارات الشرعية الدولية والمجتمع الدولي. والفلسطينيون والعرب هم أصحاب الحق، وهم المعتدى على حقوقهم في وضح النهار، وقرارات الأمم المتحدة أنصفتهم بعض الشيء، إن بالنسبة لحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم، وحقهم في تقرير مصيرهم في دولة مثل باقي شعوب العالم، أو حق سورية في استعادة هضبة الجولان، ولبنان في استعادة الأراضي المحتلة في جنوبه من قبل إسرائيل، بالإضافة إلى أنه وفقاً لكل المقاييس والموازين الإنسانية والدولية، فإن قضاياهم في غاية العدالة ولا يستطيع أحد على مستوى العالم كله إنكار حقوقهم عليهم. من زاوية ثانية، فإن إسرائيل (مع استثناء سكانها الفلسطينيين) يبلغ تعدادها خمسة ملايين من البشر، في الحين الذي يزيد فيه العالم العربي عن ثلاثمائة وثلاثين مليون نسمة. وبالنسبة للثروات، فالعالم العربي مليء بها، وبمختلف أنواعها، وبالنسبة لكافة المقاييس الأخرى، فبالحتم أننا نتفوق على إسرائيل في الكثير من المناحي. بمعنى آخر ان لدينا فلسطينيين وعرباً من أوراق القوة التي تخدم الأمة العربية في كل ما تواجهه من معارك، (ونحن نفصل الفلسطينيين عن العرب مجازا ولخصوصية صراعهم فقط). أوراق القوة الكثيرة والوفيرة التي من المفترض أنها ترجح المكاييل العربية في موازين القوى مع إسرائيل تتنحى جانبا للأسف بفعل عوامل كثيرة. لذا وعلى الرغم من كل هذه الأوراق التي هي مصادر رئيسية للقوة لو أُحسن استثمارها واستغلالها، فإن الحالتين الفلسطينية والعربية لا تنتجان سوى العجز في كل الصراعات.
مناسبة الحديث واضافة الى تصريحات عبدربه، فان الرئيس الفلسطيني كان قد طلب بحث الاستيطان في مجلس الأمن الدولي، خاصة في القدس الشرقية التي يجري تهويدها على أعين العرب (بمن فيهم الفلسطينيون) والمسلمين جميعاً والمسيحيين من العرب أيضاً. فالقدس هي تراث ديني عربي إسلامي لها قدسيتها الخاصة عند المسلمين والمسيحيين، ولا تعني الفلسطينيين فقط. نتنياهو يجيب على دعوات المجتمع الدولي لوقف الاستيطان بـ(أننا لن نجمد الاستيطان في القدس، العاصمة الأبدية والموحدة لإسرائيل). ووفقاً للخطة الإسرائيلية كما أعلنها العديد من المصادر، يجري التخطيط لهدم مدينة القدس الشرقية بالكامل وإقامة قدس جديدة إسرائيلية عليها، في عام 1920. القدس الجديدة تشمل مستوطنات جديدة تغير واقع البلاد القديمة بالكامل (القدس الشرقية) من خلال إقامة ما تطلق عليه إسرائيل (الحوض الوطني)، بحيث تكون البلدة القديمة وسورها القديم مجرد أثر في معالم كاملة لحدائق توراتية وجسور وكنس في منطقة الحوض، التي تشمل البلدة القديمة وسلوان والشيخ جراح وواد الجوز والصوانة. الاستيطان أيضاً يجري في الضفة الغربية. ومع أهمية الشكوى التي رفعها الرئيس الفلسطيني، لكننا ندرك الفيتو الأمريكي ـ الغربي الجاهز على أية توصية من مجلس الأمن بإدانة إسرائيل. وكل ما يستطيعه المجلس إصدار بيان خجول يناشد إسرائيل وقف الاستيطان. إسرائيل سترفض هذا البيان وستعتبره تدخلاً في شؤونها الداخلية، أي أن الشكوى لمجلس الأمن لن تؤدي إلى نتيجة مطلقاً. أوراق القوة بأيدي الفلسطينيين كثيرة، ولعل أبرزها الخلاص من حالة الانقسام الموجودة، والعودة إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية على أساس الثوابت الوطنية، والعودة إلى برنامج المقاومة بكافة أشكالها ووسائلها (وقد شكلت المقاومة مصدر القوة الأساسي لكافة حركات التحرر الوطني، وعلى قواعدها وأسسها انتصرت هذه الحركات)، من أوراق القوة أيضاً العودة وبلا رجعة عن المفاوضات مع إسرائيل، والاستفادة من تجربة التفاوض العبثية التي قاربت عقدين زمنين، لم تجلب غير المزيد من الويلات والمصائب للشعب الفلسطيني، التلاحم مع العمق العربي والدولي المؤيد للحقوق الوطنية الفلسطينية. هذه أوراق قوة كبيرة بين أيدينا من المفروض العمل الدؤوب من أجل استعادتها. للأسف، فالحالة العربية أيضاً عنوانها العجز: ارتفاع لمنسوب الصراعات الطائفية والمذهبية في غالبية الأقطار العربية، مؤامرات تحاك لتمزيق البلدان العربية وتفتيتها، العراق، السودان، اليمن، لبنان، الصومال وأقطار عربية كثيرة أخرى على طريق التمزيق، الثروات وبدلاً من كونها مصدر قوة للبلدان العربية تحولت إلى مصادر للنهب الخارجي. التفوق الديموغرافي والجغرافي العربي تحول بفعل القطرية إلى نزاعات حدودية في بعض الأحيان، وإلى مظاهر ريبة وشك في العلاقات البينية العربية. لو وجد التنسيق السياسي والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية (ولا نقول الوحدة الاندماجية) لتحول العالم العربي برمته إلى قوة عربية إقليمية دولية يحسب لها الحساب، ولكن وبدلاً من ذلك هناك إغراق متنام في القطرية العربية.
لجنة المتابعة العربية كانت قد أمهلت الولايات المتحدة فترة شهر للضغط على نتنياهو من أجل تمديد تجميد الاستيطان. الحكومة الإسرائيلية رفضت وما تزال ترفض هذا الطلب، وليبرمان يصرح مرارا بأن الاستيطان لن يتم تجميده لا لثلاثة أشهر ولا لثلاثة أيام وحتى لثلاث ساعات، ويعلن أن هضبة الجولان ستظل أرضا اسرائيلية. وأوباما يصرّح (بان عقبات كبرى لا تزال قائمة على طريق مساعي الوصول إلى السلام في الشرق الأوسط). بمعنى آخر فإن الإدارة الأمريكية لا تستطيع الضغط على نتنياهو من أجل تمديد (فقط) تجميد (وليس وقف) الاستيطان رغم كل الأغراءات الأمريكية المتمثلة في صفقة مربحة لأسرائيل بكل المقاييس. بمعنى آخر لقد أُسقط في يدي لجنة المتابعة العربية التي حتماً ستحتار في القرار الذي تتخذه في اجتماعها الجديد.
الفارق بيننا وبين إسرائيل، أنها تحول أوراق الضعف إلى عوامل قوة، بينما نحن لا نحسن الإمساك بأوراق القوة، بل نحولها إلى عوامل ضعف بالمقابل.
إسرائيل تصنع حقائقها على الأرض، ونحن لا نحسن إلاّ الشكوى، مع إدراكنا التام أن القاضي وفق ما يقول المثل العربي هو أيضاً (الغريم). هذا الوضع لا ينتج سوى المزيد من الإخفاقات والهزائم… وهو ما ينتجه العاجزون.’ كاتب فلسطيني