التضليل السياسي السبب الرئيس لبقاء انظمة الحكم

حجم الخط
0

التفكير السياسي هو تفكير بالواقع، او تفكير بالاخبار والوقائع. والتفكير بالواقع يمكن ادراكه من ربط المعلومات السابقة بالواقع ضمن الاتجاه السياسي. اما التفكير بالاخبار والوقائع فهو اصعب انواع التفكير لانه تفكير بالاشياء والحوادث. وهو صحيح انه يقوم بربط المعلومات السابقة بالاخبار والوقائع ضمن الاتجاه السياسي الا ان هذا الربط لا يكون ثابتا، بل يتغير بتغير الاخبار والوقائع ومن هنا تأتي صعوبة هذا النوع من التفكير. ومن الامثلة على التفكير السياسي ان الحكم من السياسة، والحكم هو لمعالجة الواقع، ولا يمكن اجراء المعالجة بوجود اكثر من حكم لان المعالجة ستمتنع بسبب عدم القدرة على تسيير الواقع بحكمين ولذلك كان من الطبيعي اجراء الحكم بشكل فردي لانه يستحيل اجراؤه بغير هذا الشكل. فاجراء الحكم بشكل جماعي مستحيل، اذ بمجرد البدء بتسيير الواقع لا بد ان يكون الاجراء اجراءً فرديا والا يوقف السير. ولذلك فان مفهوم الحكم الجماعي او القيادة الجماعية الذي جاء به الغرب مفهوم مضلل لانه ليس له واقع. فكل الدول القائمة في العالم اليوم لا تقوم ولا في واحدة منها قيادة جماعية، بل كلها قيادة فردية، ففي فرنسا وامريكا مثلا القيادة بيد رئيس الجمهورية وفي انكلترا والمانيا مثلا الحكم بيد رئيس الوزراء. فوجود القيادة الجماعية، أي اجراء الحكم بشكل جماعي، هو كلام فقط يراد منه خداع الناس. لان الحكم او الرئاسة او القيادة هي عبارة عن تدبير ناتج عن مفهوم، وهذا مرتبط بالتفكير من حيث الاحساس والربط قوة وضعفا، ومن حيث المعلومات صحة او كثرة، وهذا يختلف من انسان الى انسان، فيستحيل ان يستمر تفكير انسان وآخر في الحكم على تدبير واحد، وهنا يحصل الاختلاف، فلا بد ان يتغلب احدهما على الآخر وينفرد بالصلاحية ولهذا لا يمكن ان يكون الحكم جماعيا، بل يستحيل ان يكون الا فرديا ومثله الرئاسة والقيادة. وكان منشأ ذلك ان اوروبا وجدت ان الحكم الفاسد هو الذي يكون بيد فرد، أي ان الاستبداد في الحكم يأتي من اجراء الحكم بشكل فردي. فاستدلوا على ان الحكم الصالح هو الذي يكون بيد جماعة، وهو متى ما كان كذلك يمنع الاستبداد في الحكم فقالوا بضرورة اجراء الحكم بشكل جماعي لا بشكل فردي. وهذا تضليل في التفكير السياسي، لان الحكم الصالح او الفاسد لا يأتي من الاجراء وانما يأتي من الحكم نفسه، لان صلاح او فساد الحكم هو اثر للحكم لا اثر للاجراء، فالحكم هو الاصل وغيره كالاجراء او الفساد او الرعاية كلها آثارا للحكم، فالاجراء لا يكون اصل الفساد لانه اثر للحكم. ولذلك فان الاستبداد في الحكم انما يأتي من الحكم نفسه او من هوى الحاكم وميوله بغض النظر عن كون الحاكم فردا او جماعة. لذلك كان حكمهم على واقع الحكم بكونه لا بد ان يجرى بشكل جماعي حتى يستبعد الاستبداد والفساد عنه، حكم خاطىء، اوصلهم الى بحث طرق اجراءات الحكم دون بحث الحكم نفسه فظل الفساد في الحكم قائما في النظام السياسي الغربي الى اليوم. ورغم ان اجراء الحكم بشكل فردي هو الاجراء الطبيعي له، فان هذا الاجراء هو الاجراء الصحيح من حيث الواقع لانه يعني اجراء واحدا للحكم واجراء سريعا في معالجة الواقع. والوحدة والسرعة في معالجة الواقع تعني رعاية شؤون الناس على افضل وجه في حالة وجود الصلاح في الحكم. ومن هنا، ومن خلال الفهم السياسي لواقع الحكم، من كونه لا يمكن اجراؤه الا بشكل فردي، فان أي مظهر من مظاهر الحكم الجماعي يعتبر خداعا وتضليلا في اجراء الحكم. ولذلك تعد المجالس التي ينسب اليها المشاركة في اعمال السياسة وهما سياسيا يوضع للشعوب التي لا تستطيع ان تحكم على الواقع من جراء ضعف التفكير السياسي فيها. فما يسمى بمجلس الشعب، او مجلس الامة، او مجلس النواب، او مجلس الشيوخ، او المجلس الوطني، او المجالس المحلية، كلها مجالس لا علاقة لها بالحكم مطلقا، ولا يتم عن طريقها اجراء الحكم بشكل جماعي. وانما هي من اجل خداع الناس بكون النظام الحاكم ينظر بعين الرعاية والاخلاص الى الشعب من خلال هذه المجالس، التي يدّعون انها عين الشعب على واقع الحكم، والتي يقع على عاتقها، كما يوهمون الناس، القيام بحاجات ومتطلبات الشعب المادية والسياسية. وهكذا يتم امتصاص نقمة الجمهور المتأتية من فساد وظلم النظام السياسي عن طريق اشراك هذه المجالس حيلة في اعمال السياسة والحكم. وهذا ما يوجد فهما سياسيا عاما ومغلوطا بكون هذه المجالس هي الوسيلة الى تغيير الوضع السياسي لانها تمثل رأي الجمهور في السياسة والحكم، وتعتبر نوعا من المشاركة الجماهيرية في الحكم، وعن طريقها يمكن احداث التغيير في الاوضاع غير الصحيحة. فتخفى حقيقة كون هذه المجالس اداة بيد الحاكم يستخدمها لاشغال الرأي العام بما يحدث في هذه المجالس من مناقشات سقيمة غايتها تضليل الرأي العام واذابة الاتجاهات السياسية الموجودة في المجتمع وابراز سياسة الدولة بغير حقيقتها، وامتصاص غضب الجمهور وسخطهم على سياسة الحاكم. فتنعدم الاعمال السياسية فلا يحدث أي تغيير سياسي للواقع الذي يعيشه الناس على الرغم من يقين جمهور الناس بفساد هذا الواقع. ولذلك فان حقيقة هذه المجالس هي انها احد الاساليب السياسية التي تستخدم لتفريغ مشاعر الغضب السياسي والهاء الجمهور عن العمل السياسي الذي هو الطريق الصحيح في احداث التغيير. والقاعدة السياسية المعروفة في ذلك تقول: ‘ان الحفاظ على الوضع السياسي القائم يكون عن طريق خداع الناس بوسيلة التغيير’. ومن هنا لا يمكن تغيير انظمة الحكم السائدة في البلدان العربية مهما كانت المحاولات لاجراء هذا التغيير بسبب ما تتبعه هذه الانظمة من تضليل لشعوبها دون ان تعي هذه الشعوب بانها تسير في الطريق الخطأ للتغيير، حتى يصل الامر بهذه الشعوب بانها يجب ان تغير طريقة تفكيرها بما يتلاءم مع انظمتها السياسية فتصبح عونا للحاكم على البقاء في الحكم وممارسة هذا الفساد. وبهذا ينطبق على هذا الواقع المعاش اليوم قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا).احمد سعيد[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية