سمير جبور لعل الحديث عن المفاوضات بين الاسرائيليين والفلسطينيين اصبح ممجوجا وحتى مبتذلا، لانه يتكرر منذ اكثر من ستة عقود. ولعل النــــموذج الاول لهــــذا النوع من المفاوضات المراوغة كان اتفاقات الهدنة 1947/1948، التي خدع بها العرب، وافسحت المجال امام القوات الصهيونية لاستكمال احــــتلالها لفلسطين. امتدادا الى المؤتمرات والمبادرات الدولية العديدة، مرورا باتفاقية اوسلو وحتى مهزلة المفاوضات غير المباشرة، وانتهاء بالمفاوضات المباشرة التي يجري الحديث عنها حاليا.
كان جميع هذه الجولات من المفاوضات يسفر عن نتيجة واحدة: لا شيء للفلسطينيين وكل شيء للاسرائيليين. وقد درج المدافعون عن هذه المفاوضات العبثية على تكرار المقولة نفسها: اذا رفضنا المفاوضات بالشروط الاسرائيلية ستقاطعنا امريكا والانظمة العربية فنجوع. ويأتي الرد على هذه المقولة: لا احد يعارض مبدأ المفاوضات، سواء كانت في مدريد او في اوسلو او حتى في المريخ، المهم عن اي شيء نتفاوض. المهم ان تكون هناك استراتيجية ثابتة للتفاوض لان التكتيك من دون استراتيجية مثل الطائر من دون جناحين.
ويتردد الكلام نفسه، ان اسرائيل لا تريد السلام بل لها جدول اعمال لا يتضمن اية استراتيجية سلمية. وكان هذا جديد علينا فهل اكتشفنا ذلك الان بعد اكثر من ستة عقود؟
وتتكرر المهزلة وتمارس الضغوط على السلطة للموافقة على مفاوضات غير مباشرة، السلطة تماطل ثم توافق، ويسافر نتنياهو الى واشنطن ويحث الاسرة الدولية للضغط على السلطة، وتتصاعد الضغوط الامريكية للموافقة على مفاوضات مباشرة. وينشر نص رسالة تهديد بعث بها الرئيس اوباما الى ابو مازن: ‘في هذه الرسالة طلب اوباما من ابو مازن ان يذهب الى المفاوضات المباشرة (وكتب) انه لا يستطيع مساعدة الفلسطينيين الا اذا ذهبوا الى المفاوضات… وان عدم القبول سيؤثّر على على العلاقات بين الفلسطييين والامريكيين’ (اي التهديد بقطعها). ولتبرير القبول اعلن صائب عريقات ان ‘اوباما ملتزم باقامة دولة فلسطينية (على القمر)، ولكن قدرته على المساعدة ستبقى محدودة اذا لم يستأنف عباس المفاوضات’. ومرة اخرى تصدق السلطة هذه الرضيع الصهيوني صاحب الوعد الهليوني وتوافق على الذهاب الى المفاوضات المباشرة من دون جدول اعمال ومن دون جدول زمني ومن دون مرجعية ومن دون اية استراتيجية تفاوضية. ثم يتبنّى وزراء الخارجية العرب في القاهرة فكرة المفاوضات المباشرة خاضعين للسيد الامريكي المتصهين ‘تاركين التوقيت لعباس’. (روح يا عباس اطلع من ورا المتراس، قلّع شوكك بايدك واضرب اسداس باخماس). الاطراف المتداخلة في المفاضات تفتقر الى اجندات حقيقيةوالمعضلة الاساسية التي تصدم بها المفاوضات المباشرة ان اطرافها الاربعة يتحدثون عن المفاوضات، ولكنهم يقصدون شيئا اخر. يزعمون ان لديهم اجندات لبدء مفاوضات مثمرة، في حين ان لهم اجندات اخرى يستخدمون الحديث عن المفاوضات لتحقيق هذه الاجندات.
الامريكيون العاجزون عن الضغط على اسرائيل لاظهار الحد الادنى من ‘حسن النية’ يريدون احراز مكسب سياسي على حساب الحقوق الفلسطينية. يهددون الفلسطينيين ويستكينون امام الاسرائيليين. يريدون التغطية على مأزقهم في العراق وافغانستان، ويريدون كسب تأييد الانظمة العربية لتحقيق اجندتهم ضد ايران، التي هي اجندة محض اسرائيلية. ناهيك من ان الادارة الامريكية تبغي مسايرة الحـــــركة الصهيونية واسرائيل لتحقيق اغلبية للديمقراطيين في انتخابات مجلس الشيوخ في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. والمعروف ان الحركة الصهيونية هي التي تتحكم بهذه الانتخابات.
الاسرائيليون يراوغون ويتحدثون عن مفاوضات من دون اجندة واضحة ومن دون جدول زمني: مفاوضات من دون حقوق للفلسطينيين ومن دون تعيين حدود لاية دولة فلسطينية مقبلة. ومن دون القدس ومن دون وقف الاستيطان والف من دون. الصهيوني لا يريد مفاوضات جادة ولا سلاما ولا يحزنون. همّ الاسرائيليين في هذه المرحلة هو امتصاص الضغوط الدولية وشراء الوقت كما يفعلون منذ ستة عقود.
وهكذا تواصل حكومة نتنياهو سياسة التسويف من اجل كسب الوقت، وتشديد قبضتها على الاراضي المحتلة لاجهاض اي امل واقعي بانشاء دولة فلسطينية مستقلة ومتماسكة وقابلة للبقاء.
من جانبها، تقول حكومة نتنياهو انها مستعدة لمناقشة كل المواضيع مع عباس، الا انها تؤكد – وبسبب التأييد الواسع الذي تحظى به حركة حماس الحاكمة في غزة في عموم الاراضي الفلسطينية – انه من غير الوارد في الوقت الراهن التوصل الى اتفاق يسمح بتأسيس دولة فلسطينية.
كما يصر رئيس الحــــكومة الاسرائيــلية على عدم التنازل عن اي جزء من القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل عام 1967 والتي يريدها الفلسطينيون عاصمة لدولتهم.
وفي المحصلة الاسرائيليون يريدون امتصاص النقمة العالمية عليهم في اعقاب الاعمال الفاحشة التي ارتكبوها منذ العدوان على لبنان في سنة 2006 مرورا بالحرب الوحشية على غزة وفضيحة اغتيال المبحوح، وانتهاء بالاعتداء على سفينة السلام التركية مرمرة.
السلطة الفلسطينية ترضخ للضغوط الامريكية وتوافق على الدخول في مفاوضات وهي تعلم انها لن تحقق اي شيء منها. واكثر ما تخشاه هذه السلطة هو فقدان الدعم الامريكي، وهي تدرك ان الرأي العام الدولي يتحول الى انهاء الحصار حول غزة اكثر من تأييد السلطة ومواقفها. وربما ان السلطة وافقت على المفاوضات المباشرة على قاعدة: ‘اذا لم نتفاوض نفقد لقمة العيش، واذا تفاوضنا خسرنا الارض’. الانظمة العربية ترضخ للضغوط الامريكية والاسرائيلية خوفا على مصالحها الذاتية وضمان المظلة الامريكية ضد الخطر الايراني المزعوم والانصياع للسيد الامريكي ـ الصهيوني.
ما العمل؟ في الحقيقة ان السلطة الفلسطينية في وضع لا تحسد عليه. ستخوض مفاوضات عبثية لا طائل تحتها، اذ ان التفاوض مع طواحين الهواء ايسر من التفاوض مع نتنياهو وليبرمان. ومن المــــفترض انها سترفض تقديم تنازلات مهمة. عليها التمسك بالــــثوابت الفلسطينية المعهودة. وهي لا تزال تمسك بالورقة التي من دونها سيبقى الامريكيون والاسرائيليون والانظمة العربية تستجديهم للخروج من مأزقهم. واذا نفذ الامريكيون تهديدهم على السلطة ان تستنهض الانظمة العربية لكي تهب الى دعم الشعب الفلسطيني بنسبة مئوية لا تذكر امام الاموال التي تضخها هذه الانظمة في البنوك الامريكية ـ الصهيونية او انفاقها على شراء الاسلحة ‘التنفيعية’.’ كاتب فلسطيني مقيم في كندا