‘التخوم’: رثاء مجتمع يعيش على الهامش… وهجاء مثقفين غارقين في الوحل!

حجم الخط
0

المخرج علاء الدين كوكش يكتب الرواية أخيراًمحمد منصور بعد أن طاف على مختلف أنواع الكتابة الدرامية، فكتب القصة القصيرة والمسرحية والسيناريو التلفزيوني وأدب الرحلات، يصل المخرج علاء الدين كوكش إلى الرواية، حيث أصدرت دار (المركز الثقافي العربي: الدار البيضاء ـ بيروت) روايته الأولى (التخوم) التي تبدو مفاجئة في موضوعها وفي أسلوبها معاً! . أما سر المفاجأة فيكمن في أن علاء الدين كوكش، المعروف بهدوئه ولباقته في الوسط الفني والثقافي السوري، بل وفي معظم كتاباته المتنوعة السابقة أيضاً، يبدو هذه المرة شرساً وهجائياً وعنيفاً وهو يتطرق إلى واقع المثقفين، إنه يسلك سبيل (الفضيحة)، فهو منذ السطور الأولى للرواية حتى السطور الأخيرة، ينسج خيوط فضيحة متشعبة الأحداث والمستويات، فضيحة تتكشف عن فضائح يتلقاها بطله ببراءة رغم أنه يعيش في أتونها، ويرفضها بحسم أخلاقي، رغم أنه متورط في الانتماء إليها بشكل أو بآخر، وفي العيش على تخومها، تخوم تلك الثقافة المليئة بالأكاذيب وبالعهر الأخلاقي الذي يبدو في النهاية أشد إيلاماً وسقوطاً من العهر الجسدي، الذي تمارسه بطلة الرواية (حياة) الطالبة الجامعية التي كفرت بمستقبل الدراسة الجامعية، في زمن لم يعد للعلم والمتعلمين فيه أي نصيب يذكر من الحياة الحرة الكريمة، التي تغني عن الحاجة والسؤال وذل المقارنة، في ظل خلل المعايير وانقلاب المفاهيم!

بطل سلبي وعلاقات مدانة! تتمحور الرواية بداية حول شخصية بطلها (كمال) الشاب الذي درس اللغة الإنكليزية وتخرج من جامعة دمشق، ثم عمل بمؤسسة لا علاقة لها باختصاصه، إنه يعيش بمفرده فهو يهوى العزلة والأدب ويكتب القصص والمقالات ويراسل المجلات الخليجية أحياناً… لكن حياته برمتها تبدو لا منتمية، غارقة في الروتين الخفي الذي يشيع سكوناً وعطالة في نبض الزمان والمكان من حوله، لا شيء يكسر روتين حياته سوى الجنس الذي يبدو بطلاً من أبطال الرواية، جنباً إلى جنب مع أجواء مثقفين غارقين في البحث عن متعة الجنس في الخفاء وفي اقتناصها بصيغة لا تخلو من ابتزاز وسقوط، وعلى حساب كل ما توحي به قيم عالمهم من ترفع وسمو. العلاقة الأساسية التي تربط كمال مع صديقه فايز، تتقاطع مع فتاة الهوى، الطالبة الجامعية (حياة) التي يسعى (فايز) لاستغلالها جنسياً عن طريق صداقته مع (كمال). وفي الإطار الوظيفي تجمع بطل الرواية علاقة زمالة بـ(ناديا) التي تحاول أن تحافظ على نمط حياة تقليدي من خلال اقتناص (كمال) كزوج لا كحبيب، وهي تفشل في ذلك، لأن قيم (كمال) بعيدة عن قيم الانتماء الأسري، وهو الذي تهدمت أسرته بسبب إهانة وجهها رجل أمن لأبيه، فما كان من هذا الأخير، إلا أن قرر ترك الوطن والهجرة إلى الأرجنتين، لأنه لم يتحمل وقع المذلة التي وجهت له أمام زوجته. وعاش (كمال) في حضن أمه بعد غياب الأب، ثم في حضن العزلة بعد غياب الأم! بؤس السياسة وضيق الهامش! ويمكن لنا من خلال بعض الإشارات الخاطفة، أن نرسم الخلفية السياسية لصورة البلد الذي تدور فيه الرواية بالتأكيد، وهي سورية التي يرصد الكاتب لحظة مفصلية من تحولاتها، حين يأتي على الحراك الذي شهدته سجالات السياسة والمجتمع المدني في مقهى الروضة الدمشقي الشهير فيقول: (كان مقهى الروضة في دمشق في العام 2007، وكما في الأعوام السابقة، مكاناً رئيسياً لتجمع المثقفين والسياسيين والفنانين والمنادين بالمجتمع المدني، وكان تعاطيهم في السياسة أكثر منه في الأدب، ولذا لم يكن كمال ينسجم مع نقاشاتهم وحواراتهم، بعكس صديقه فايز الذي كان يواظب على حضور جلسات النقاش التي تنعقد بدءاً من بعد العصر وحتى أوائل الليل، وأحياناً آخره). وإذا أضفنا إلى ذلك صورة الأب الغائب في ذاكرة بطل الرواية، وتلك الحياة الساكنة الخاملة التي يشيعها غياب الحراك الاجتماعي العام، وتأميم المبادرات الفردية، ثم صورة الرقابة التي تقف للأدب بالمرصاد، فتحجب عن بطل الرواية موافقة طباعة روايته الأولى، التي تستطيع فتاة الهوى (حياة) انتزاعها بطريقتها في النهاية، لكن (كمال) يمزق الرواية، ومعها تتمزق الكثير من معاني حياته، وبعض ظلال الصداقة التي كانت تجمعه بـ (فايز) الذي ساهم في الخفاء بصدور قرار منع النشر، إذا أضفنا هذا كله لتبدت لنا الروح النقدية التي شكل بها علاء الدين كوكش الزمان والمكان، وصور من خلالهما أزمة المجتمع والحياة، في بلد يبدو كل شيء فيه ساكنا، رغم بعض صخب المقاهي، ونقاشات السياسة وشغب نخب مهزومة لا تسلم من الوقوع بالمحظور حتى عبر الكلام! لكن السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا جعل علاء الدين كوكش بطل روايته خارج هموم السياسة ومظاهر حراكها ولماذا أفقد الشخصية موقعها في تكوين المشهد العام، وجعلها تعيش على الهامش، تفكر بالكتابة والأدب، وتبحث عن معنى للحياة والحب، ولو في إطار العلاقة مع بائعة هوى لا تدنيها الرواية بمقدار ما تتحدث عن الظروف الاجتماعية الضاغطة التي دفعتها لكي تصبح كذلكوفي محاولة الجواب على هذه الأسئلة، تبدو صيغة أخرى من التعبير الماكر لدى الكاتب، فيأس البطل من السياسة مؤسس على حادثة إذلال أبيه ودفعه للهجرة خارج البلد، ومؤسس أيضاً على هزالة المشهد السياسي الذي يمثله المثقفون… وهو في هذا اليأس، إنما يؤكد بؤس وضيق الهامش ولا ينفيه… هامش الحياة في مجتمع (التخوم) الذي نشأ في غفلة من الجميع، حيث نرى شبه الشيء، لا الشيء نفسه، وحيث أصبح هذا المجتمع هو المجتمع الوحيد المتاح لنا، والذي يصفه الكاتب بالقول: (مجتمع يعيش على التخوم وهي كثيرة… تخوم التاريخ… تخوم الجغرافيا… تخوم الأديان والمذاهب… تخوم الحضارة… تخوم التخلف… تخوم الحداثة وتخوم ما بعد وما قبل الحداثة. ومن خصائص هذا المجتمع أن لا هوية له، لقد اتفق عليها الجميع، العيش في التخوم تريح هؤلاء البشر من كبيرهم إلى صغيرهم، فهي تتيح لهم حرية التنقل بسهولة بين هذه التخوم التي لا حدود لها من دون تحمل مسؤولية حمل هوية ما). سقوط صورة المثقفوبخلاف الرسم الحذر والماكر للخلفية السياسية التي تلامسها الرواية، نجد روحاً صدامية لدى الكاتب في رسم صورة المثقف والمشهد الثقافي، من خلال شخصية صديق البطل (فايز)، الذي يوصف بأنه صاحب علاقات ويد طولى في الوسط الثقافي، والذي نراه منغمساً في النقاش السياسي وفي الكثير من القضايا التي تبدو كبيرة، لكنه يحمل في داخله صغاراً إنسانياً وأخلاقياً مريعاً، وهو يدخل في نسيج شبكة علاقات تؤدي في النهاية إلى تخريب ما تبقى من حياة البطل، التي لا تخلو من خراب أصلاً. إن نموذج (فايز) الذي يقدمه الكاتب هنا، ليس صورة مناقضة لبراءة البطل وحسب، بل هو صورة مناقضة لذاته أيضاً، فهو رغم امتلائه بالفكر والثقافة، ورغم ما يملكه من حس نقدي يفهم جوهر الأشياء، كما نرى حين يتحدث عن مجتمع التخوم بتلك الصيغة البارعة والعميقة، إلا أنه يبدو وللأسف بعيدا كل البعد عن تمثل نبل الثقافة وجوهرها الإنساني في علاقاته الشخصية، إنه يرتهن لصغاره الذاتي، لدرجة يرهن كل صداقته مع (كمال) من أجل التقرب من بائعة هوى، وهو يحوك المؤامرات ضد حلمه في نشر رواية، لأنه لا يحتمل أن يراه ناجحاً أو متقدماً عليه، من دون أن يحاول ابتزازه واستغلال نفوذه ضده في حرب الكواليس ومعارك الخفاء. ويبدو أن علاء الدين كوكش خبر نموذج (فايز) في الوسط الثقافي والفني من حوله، لذلك راح يصوره بقدرة نفاذة على تكثيف حالة السقوط والانهيار الأخلاقي الداخلي، إلى درجة أن (كمال) حتى بعد أن يكتشف حقيقته في نهاية الرواية، لا يجد أي رغبة في مقاومته او الاشتباك معه أو الانتقام منه، لأنه يبدو مذهولاً من هذا العهر الذي يملكه المثقفون، والذي يتجاوز في حروبه الخفية، أي عهر مادي ومعنوي آخر، وهو ما يجعل صورة (حياة) تبدو أكثر ألقاً في النهاية. المواجهات الخاسرة مع الأقزام وعلى صعيد بناء الشخصية المحورية، يقدم لنا علاء الدين كوكش ثراء في الحوار الداخلي من خلال العلاقة بين شخصيات الرواية و(القزم) الذي يعيش معهم، وهو يبدو أشبه بصوت داخلي يحاور صاحبه، ويسخر منه ومن أفعاله، ويسعى إلى توجيهه في المسار الذي يريد أو الذي يشتهي لكنه يدعي غير ذلك… إنه ليس صوت الضمير بالتأكيد، بل صوت المصلحة، صوت البحث عن الحقيقة البشعة داخل كل إنسان، تلك الحقيقة التي نحاول أن نغلفها ونتنصل منها، لكننا نقع في مواجهتها في لحظة ضعف أو تخاذل، فننكشف أمام أنفسنا، قبل أن نكشف أمام ذلك (القزم) الافتراضي، الذي لو شئنا أن نرى فيه صورة من صور الضمير، لكان ذلك الضمير البراغماتي، الذي يبرر الانتهازية من دون أن يعترف بها، ويبرر السقوط متحرراً من النظرة الأخلاقية له… يقول القزم لبطل الرواية في إحدى مواجهاته الخاسرة معه: (لا تأت على ذكر ضميرك. قبل أن تقول عن هؤلاء أبرياء، اسأل نفسك ما الذي أتى بهم لعندك إلى البيت في وقت الغداء، ولماذا كانوا يحملون الأكل معهم، وهم يفعلون ذلك للمرة الأولى… لماذا لم يفعلوا ذلك من قبل) وعلى هذا النحو يتمدد القزم، ليبتلع كل المثل المزعومة والبراءة الضائعة، وليفضح الجميع أمام الجميع وأمام أنفسهم! وقد استطاع المخرج علاء الدين كوكش، أن يغني العوالم الداخلية لشخصياته من خلال تعدد الأصوات داخل الشخصية الواحدة، ومن خلال حالة المواجهة المتباينة المستويات في لحظات التأزم، وقد صاغ لنا الكاتب شخصيات الأقزام ليبشرنا أن (عالمهم المادي ولد وظهر إلى الوجود) في السطور الأخيرة من الرواية… صاغها بطرافة وجعل منها: الشيطان حيناً، وشماعة الأخطاء حيناً آخر، والمرآة التي تصفع صاحبها بحقيقته حيناً آخر… مثلما تصفعنا هذه الرواية بحقيقة عالم المثقفين الرث، المملوء ضغينة ودسائس والمستغرق في الوضاعة الأخلاقية التي تجعل من الفكر والقيم الثقافية قشرة تخفي حقيقة الأشياء والأشخاص والعلاقات.

رؤى الشكل الفني! رغم أن علاء الدين كوكش لم يعتن كثيراً بهندسة بناء روايته، فجاءت فصولها متداخلة مع مقاطع لاهثة وانتقالات سريعة، تركت للسرد أن يسير على هوى الكاتب في تفاعله الذاتي مع ما يكتب، فإن أهم العناصر الفنية التي استطاعت رواية (التخوم) تحقيقها، هي هذه اللغة البسيطة التي تصوّر ولا تسهب في السرد، تعنى بمتابعة الحدث في المسار الذي يغني الشخصية ويبلور معرفتنا بها، ناهيك عن قدرة الكاتب على إذكاء حس التشويق البارع الذي يأخذ بتلابيب القارئ فلا يستطيع الفكاك من صفحات الرواية وسطورها حتى تنتهي.

إن رواية (التخوم) رغم إيقاعها السريع في مواضع تتطلب تمهلاً، تؤكد أن علاء الدين كوكش كان يسير في كثير مما كتب سابقاً باتجاه الرواية، باتجاه بناء عالم يتداخل فيه العام والخاص، والذاتي والموضوعي، والحماسي والاستلابي، من أجل تقديم قراءة شديدة المعاصرة لأزمة الإنسان في الوسط الثقافي، وأزمة القيم في وسط طالما سيتاجر المنتفعون فيه بالقيم بدل أن يحرسوها! ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية