عراقيون يرون أن أمريكا نجحت في ‘تقسيم’ العراقبغداد ـ ‘القدس العربي’: رأى عراقيون أن التفجيرات الأخيرة التي شهدتها العاصمة العراقية وبعض المناطق الاخرى في العراق مرتبطة بأزمة تشكيل الحكومة وبصراع الكتل السياسية ‘المدعوم إقليميا’، وان حدوثها بسبب ‘إهمال وتقصير’ في عمل القيادات الأمنية.
حيث شهدت العاصمة بغداد الثلاثاء مجزرة دامية عند مراكز الجيش العراقي كما ارتفعت الحوادث الأمنية في مدن مختلفة من العراق الاسابيع الماضية لتشهد تدهورا امنيا ملحوظا، كان ابرز ملامحه التفجيرات الانتحارية التي شهدتها محافظة الانبار غرب بغداد بأربع سيارات مفخخة، وتفجير سيارتين مفخختين وناسفة في محافظة البصرة الجنوبية، فضلا عن تفجير بسيارة مفخخة في محافظة واسط جنوب بغداد، وتفجير منزلين وسط سامراء يعودان لمنتسبي الشرطة المحلية وراح ضحية تلك الانفجارات المئات بين قتيل وجريح. فيما رأى آخرون أن الولايات المتحدة نجحت في ‘تقسيم’ البلاد سياسيا، وأشعلت في العراق حربا أهلية دفينة.
والى الشمال حيث الموصل أكد فارس الكريم الباحث في الشؤون العراقية عن مركز العراق الدولي: ‘ما حدث من تفجيرات بغداد كان متوقعا بسبب الاهتمام بالاستحواذ على السلطة والتنافس على الكراسي والاستعصاء الحاصل في تشكيل الحكومة، وترك الملف بيد الإرهابيين بالإضافة إلى تراخي القوى الأمنية وضعف أدائها’ لافتا إلى أنه يتوقع ‘المزيد من الحوادث الدامية إذا استمر الجدال السياسي والتشبث بالسلطة وترك الشعب يخوض هذه المخاطر’. وتابع إن ‘الولايات المتحدة الأمريكية نجحت في مخططاتها الرامية لتكريس الفرقة والفتنة بين أبناء الشعب العراقي وهي ماضية في تنفيذ مخططاتها والتي لا يتم تنفيذها إلا بعد انتهاء الانسحاب’. وأوضح الكريم أنه ‘لا يخفى على الجميع أن أمريكا لم تأت إلى العراق من اجل التخلص من صدام كما تدّعي في شعاراتها، بل جاءت من اجل تنفيذ مخطط مرسوم منذ مئات السنين ومدون في استراتيجيتها ولكن مع الأسف بأيد محسوبة على العراق’. وبين أن ‘الجانب الأمريكي لم ينجح في تنفيذ كافة مخططاته، ومنها فشله في زرع الفتنة الطائفية بين أبناء الشعب بداية الأمر الا أن وجود اياد خفية داخل العراق تتحكم في مصير الشعب العراقي وتعمل بالنيابة عن الاحتلال الأمريكي على تفعيل الفتنة وإشعال نارها إلى الأبد من اجل البقاء في الحكم.
من جانبه ترى سهاد العزاوي رئيسة مؤسسة بناة للتنمية الاجتماعية في بغداد والمختصة في الشؤون الأمنية وتأثيرها على نمو المجتمع: أن ‘تقسيم العراق بين كتل سياسية ضعيفة كما هو الحال الان ليس لها هم سوى كسب المصالح الخاصة هو بداية لتقسيم العراق بين الدول الراعية لهذه الكتل’ خصوصا وان تفجيرا بحجم الثلاثاء وراح المئات بين قتيل وجريح لم يلق ردود فعل مستنكرة من قبل الساسة الذين يهرولون خلف المكاسب الضيقة. وأوضحت أن ‘جميع الدول المحيطة بالعراق دون استثناء لها مصالح خاصة في العراق على حساب مصلحة الشعب العراقي، وستقوم الحكومة الأمريكية بتوزيع هذا البلد بين هذه الدول كل حسب ولائه الأمريكي’. وأضافت أن ‘هذا الاستنتاج لم يأت من فراغ، بل من الواقع الذي نعيشه نحن على ارض العراق وما لمسناه خلال الفترة الماضية’. من جهتها أدانت هيئة علماء المسلمين، التفجير الانتحاري الذي استهدف مركزا لاستقبال المتطوعين في الجيش العراقي، متهمة الحكومة بالوقوف وراء الحادث. وقال بيان للهيئة ‘في استرخاص معتاد للدماء العراقية البريئة، وعمليات معد لها بإحكام استهدف تفجير إجرامي عدداً كبيراً من المواطنين في منطقة باب المعظم ببغداد كانوا قصدوا مركزا للتطوع والتجنيد بالقرب من المبنى المعروف لوزارة الدفاع’. وأضاف البيان إن هيئة علماء المسلمين ‘إذ تدين هذه الجريمة النكراء؛ فإنها ترى أن هؤلاء لم يرتكبوا ما يستوجب إباحة دمائهم، وأن هذه الجريمة لا تخلو من بصمات الحكومة الحالية، وأحزابها الدموية، التي تستهين بالدماء العراقية، وتسعى دائما إلى سفكها في سبيل تحقيق أهداف سياسية ومصلحية خاصة’. وعلى صعيد متصل وصف المؤرخ حسان الكنعاني: إن ‘التفجيرات التي تجري في العاصمة بغداد ومدن أخرى هي جزء من نشاطات خارج سلطة القانون تشمل العراق كله باستثناء مناطق إقليم كردستان المستقرة أمنيا’، مبينا أن هناك ‘أسبابا سياسية تقف وراء تلك العمليات الإجرامية وذلك بالإضافة إلى النوايا الجرمية وهذه العمليات لا تخلو باعتقادي من عمق إقليمي واضح يغذيها ويسهل حدوثها’. وتساءل الكنعاني سبب عدم التحضير لمنع وقوع إعمال العنف، قائلا ‘لماذا لا تكون هناك استعدادات امنية قبل وقوع الحدث؟
، ولماذا لا تعتمد قواتنا الأمنية على العامل الاستخباري اكثر من الانتشار لأفراد الشرطة الذي لم يثبت نجاحا.
وبين الكنعاني الذي يسكن مدينة الناصرية كبرى مدن محافظة ذي قار أن ‘العديد من الدول الإقليمية تريد أن تكون لها حصة كبيرة في الخيارات السياسية العراقية وخاصة خيار تشكيل الحكومة وذلك بسبب فشل الحكومة في خدمة الشعب الذي أعطى مبررا للتدخل وفي إنقاذ الشعب من الموت البطيء حتى ولو كان ذلك التدخل مجرد إعلامي.
من جانبه يرى محمد هاشم (طالب دراسات عليا) ما يجري في مدن الأنبار من أعمال عنف وسطو مسلح هو بمثابة ترد للوضع الأمني في المحافظة وخصوصا في الآونة الأخيرة ‘ناجم عن عجز قادة القوات الأمنية عن اتخاذ القرارات الصائبة واختراق هذه القوات من قبل من تنظيم القاعدة وغيره وانشغال ضباطها بالبحث عن المكاسب والمنافع الشخصية’. وتابع إن وضع محافظة الأنبار ‘مقلق وغير مستقر بسبب عجز قادة الجيش والشرطة عن السيطرة حتى على افراد قواتهم فكيف بحماية أمن المواطنين’، مشيرا إلى أن شرطة المحافظة ‘أعلنت قبل فترة عن اعتقال المتورطين بأعمال العنف لاسيما الذين قاموا بسرقة محال صاغة في الفلوجة لكن عصابات القتل والسلب سرعان ما عادت تمارس عبثها بأمن المواطنين مجددا.
وفي السياق ذاته يرى الباحث السياسي رفعت النجار أن ‘التفجيرات التي حدثت في العراق مؤخرا ليس لها علاقة بأزمة تشكيل الحكومة بشكل مطلق وإنما جاءت بسبب إهمال وتقصير القيادات الأمنية التي لا تمتلك ربع الخبرات التي كان النظام العراقي السابق يمتلكها والتي تختص الامن الداخلي وهو شيء أدى إلى وجود ثغرات أمنية معينة استغلها المسلحون المتعددة توجهاتهم لتنفيذ عملياتهم التي تنتهي اغلبها في ايذاء الشعب وليس المحتل الذي نجح في اشعال الفرقة والفتنة بين الشعب العراقي’. وأضاف النجار: ان الحاكم المدني السابق بريمر وهيئة اجتثاث البعث يتحملون المسؤولية الكاملة لما يجري في العراق خصوصا وان التخلي عن رجال الدولة الحقيقيين بمعزل عن سلطة النظام القائم اسهم حدوث خروقات واسعة في الامن الداخلي الذي ينتشر فية نحو 100 جهاز مخابراتي دون ردع ومحاسبة.
وبين النجار ان المعالجات المتاحة لمنع حدوث الخروقات الأمنية، تكمن في تقوية قبضة القطعات الأمنية من خلال إلغاء قانون اجتثاث البعث وإرجاع القيادات المتمرسة لإرجاع الأمن والتصدي لمخطط تدمير نسيج المجتمع العراقي والاعتماد على جانب المعلومات الاستخباراتية التي نجح صدام في تثبيت الأمن في مدينة كالبصرة من خلال ضابط برتبة عميد يدير الملف الأمني فيها دون الحاجة الى الوحدات العسكرية المنتشرة في جميع شوارع العراق.