لعل من أخطر الآفات التي ابتلي بها مجتمعنا في السنوات الأخيرة، آفة التفكك الأسري. تتمثل خطورة هذه الآفة وتتمظهر أساسا من خلال ما تتركه من آثار وخيمة وتصدعات حادة في نفسية الطفل، كما في مساره الدراسي والتربوي خلال مجمل تطوره اللاحق. وأحب أن أميز بدءا بين نوعين من التفكك تعيشهما الأسرة المغربية راهنا. النوع الأول هو ما ننعته بـ ‘التفكك المادي’، وهو التفكك الظاهر، والبارز للعيان من خلال تفاقم حالات الطلاق، أو مرض أو وفاة أحد الأبوين، أو العنف المادي الممارس من هذا الطرف أو ذاك داخل العش الأسري، وهو عنف يمكن تحليل أسبابه وأبعاده الاجتماعية والنفسية والثقافية في ارتباط طبعا بالممارسات والأوضاع المادية للتشكيلات الأسرية المتباينة. أما النوع الثاني، وهو الذي يعنيني هنا أكثر، فهو ما يمكن الاصطلاح عليه بـ’التفكك الرمزي’، وهو لا يقل خطورة عن الشكل الأول، بل نستطيع الجزم أنه قد يترك، في العديد من الحالات، جراحا وتمزقات وتصدعات أشد وطأة وخطورة. ونقصد بهذا الشكل الثاني من التفكك الأسري ما بتنا نلمسه ونعيشه في حياتنا اليومية من مظاهر وتجليات الخلاف بين الأبوين، أو بين الأبوين والأبناء، أو بين الأبناء أنفسهم، على مستوى سبل وكيفيات تدبير الشأن الداخلي، وعلى مستوى الاختيارات الثقافية والرمزية، كما على مستوى الميول والتوجهات والأذواق، بحيث صرنا نلمس أشكالا من التشنجات والتخندقات في المواقف، تتأسس على نوع من الفراغ والتيه على المستويات الثقافية والروحية، كما على جهل فظيع وشنيع بطبيعة وآليات الوظيفة التربوية، بوصفها الوظيفة المركزية للخلية الأسرية. وحتى أوضح خطورة آفة التفكك هذه، أسجل القاعدة التالية التي تأكدت لنا من خلال الممارسة التربوية في الميدان، وهي أن كل تلميذ يعاني من مشاكل نفسية، أو اضطرابات سلوكية، أو تعثرات في مساره الدراسي، إنما هو يعبر بذلك، ومن خلاله، عن مشاكل على مستوى تركيبته الأسرية، ماديا أو رمزيا.. بل نستطيع الجزم أن سلوك التلميذ وذهنيته ونفسيته، ذلك كله وغيره مما يعتمل ويحتدم داخل شخصيته المرهفة، هو مرآة تنعكس عليها الدينامية الخاصة لانتمائه الأسري الخاص. ولست أنكر أن الطفل، وهو يتدرج في نموه وتطوره، ما يلبث أن يشب عن الطوق، لتحتضنه عوالم أخرى تمتصه وتحقن أوصال روحه برمزيات وقيم وميولات وسلوكات قد تتعارض أو تتنافى كلية مع ما يتلقاه داخل الحضن الأسري، غير أن الأسرة تظل في المقام الأخير هي المحصنة الأساس لشخصية الطفل، خلال مساره المفتوح على كل الاحتمالات.. قيل وكتب الكثير عن التفكك الأول، التفكك المادي البارز للعيان، لكن التفكك الثاني، الرمزي، لم يحظ برأينا بالعناية اللازمة على مستوى التحليل، انطلاقا من دراسات ميدانية تؤكد ما له من خطورة… في حالة التفكك الرمزي، يعيش الطفل ممزقا بين المواقف والاختيارات المتناقضة للأبوين. ومن المؤسف أن الاختيارات المتناقضة لا توضع على طاولة الحوار الهادئ كي توجد لها حلول عقلانية يستوعبها الطفل، وتخلق لديه طمأنينة بهذا القدر أو ذاك. عوض انتهاج سبيل الحوار الهادئ والمتزن، يختار كل طرف في الغالب، التمادي في التخندق داخل مواقفه الخاصة، ساعيا بأي شكل إلى فرضها على الطرف الآخر، ضمن دينامية خاصة لعنف رمزي أو معنوي، مسنود ومؤازر بأقساط من تشنجات جسدية مادية لا يستوعبها الطفل بذهنه الصغير في الغالب، فتزرع داخل تربة روحه أولى بذور الشك، والزيغ، والانحراف، ناهيك عن بذور المركبات والأمراض النفسية والعقلية المتنوعة، مثلما تزرع البذور الأولى لسلوك عنيف ما يلبث أن يجد في فضاءات أخرى، كالشارع مثلا، مجالا راسخا لشحذه وتأجيجه. وإذا كان العنف المادي يعزى في جل الأحوال إلى سلوك الزوج داخل العش الأسري، وهذا منظور غدا قابل للنقاش اليوم بعد انتشار العديد من الحالات التي تسجل ممارسة الزوجة للعنف بدورها بطريقة أو بأخرى، فإن من العبث تماما السعي إلى تحميل مسؤولية العنف والتفكك الرمزي إلى طرف واحد من الأطراف المتعددة في المعادلة. ومن العبث تماما بالمثل حصر النقاش حول هذا التفكك ضمن دائرة الأسرة نفسها، لأن للظاهرة انفتاحاتها العديدة والمتنوعة على كافة مكونات وأبعاد الجسم الاجتماعي والثقافي. يرتبط التفكك الأسري على المستوى الرمزي عموما بتفكك المنظومة الثقافية الراهنة ببلادنا، في ارتباط وثيق بالتفكك الملحوظ على المستوى الثقافي على الصعيد العالمي. ومن الواضح أن منظومتنا الثقافية تعرضت خلال السنوات الأخيرة لهزات عاصفة بفعل المد الكاسح لتيارات ثقافية أجنبية ضمن سياق ما بات يعرف بالعولمة التي تتغذى رياحها وتتأجج وتحتدم بتأثير من التطورات المتسارعة على مستوى التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال، التي مكنت من إعادة تشكيل وتركيب الخارطة الثقافية العالمية، ما وراء التحديدات الجغرافية والسياسية التقليدية. يعيش الجسم الاجتماعي الوطني اليوم ما يمكن اعتباره رجات حقيقية لأبنيته الرمزية التقليدية. وعلى مستويي الخيال والرمز معا، باتت الأسرة اليوم معلقة، بأشكال مختلفة ومتنوعة، على ما تنتجه ثقافات أخرى ضمن سياقات أخرى مغايرة، مما ساهم في تفتيت لحمة هذه الخلية، ومما ينعكس بعمق وبحدة ملحوظتين اليوم بقوة على ما يصدر عن الأجيال الناشئة من ممارسات وسلوكات متباينة ومختلفة، يمكن تحليلها في انفتاحاتها المتباينة والمتعددة. غير أن ما نستطيع تأكيده هنا أن الأسرة عبارة عن بؤرة تنعكس عليها كل هذه التباعـدات والتوترات والتمزقات المرصودة على مستوى المنظومة الرمزية والثقافية. مثلما نؤكد على ضغط وعنف التفكك الثقافي ضمن البنية الثقافية والرمزية، في ظل الانكماش الملحوظ لسياسة واضحة للدولة على المستوى الثقافي والرمزي، كل ذلك يؤجج حالة التفكك، ويمضي بها إلى أبعادها وحدودها القصوى، بما في ذلك من انعكاسات وتأثيرات معقدة. كانت هذه عبارة عن رؤوس أقلام للفت الانتباه إلى موضوع شائك، خطير وبالغ التعقيد والتأثير، وأحب أن أختم بملاحظتين اثنتين ضروريتين:- ليس ثمة هوة فاصلة بين الشكلين من التفكك المشار إليهما. ذلك أن التفكك المادي غالبا ما يحيل إلى تفككات رمزية على مستوى التركيبة الأسرية، كما أن التفكك الرمزي غالبا ما تترتب عنه تفككات مادية قد تصل في أقصاها إلى حالات من الطلاق، أو إلى سلوكات عنيفة قد تصل إلى أفعال إجرامية خطيرة قد تتم بين أعضاء نفس الأسرة، أو تصرف بشكل تحويلي في أفعال إجرامية ضد مكونات أخرى من مكونات المجتمع حسب السياقات والظروف.- اعتبرنا في عنوان هذه الورقة أن التفكك الأسري هو أم الآفات الاجتماعية والتربوية، ورب قائل يقول إن الفقر هو أم الآفات، ولسنا نعترض على هذا القول، غير أننا نعتبر أن خطورة آفة التفكك تتمثل في كونها تخترق كافة مكونات وشرائح المجتمع، ولا تأبه بحدود الانتماءات المادية والطبقية، تخترق وتقتحم كالسرطان اليوم كل الفئات والتركيبات الاجتماعية، وتعصف بكل الكيانات، لذلك نعتبر أن حل ومعالجة معضلة التفكك الأسري هذه، في بعديها المادي والرمزي معا، رهينان بتجند كافة القوى الاجتماعية، على المستويات الثقافية والتربوية والحقوقية وغيرها، قصد بلورة استراتيجية اجتماعية شاملة، من خلال حوار هادئ ومنفتح يحدد كافة أبعاد المعضلة، علما بأن البعد الأساسي برأينا في إعادة تشكيل الوعي بخطورة هذا التفكك في أفق تجاوزه لهو البعد الثقافي لأسباب قد تسنح الفرصة لتحليلها بالعمق اللازم في مناسبات قادمة.
د. نورالدين بوخصيبي برشيد ـ المغرب