الأهلّة والجمال.. الطريق الى الدولة المدنية

حجم الخط
0

عيد اسطفانوسلو نشر هذا الطرح بدون تحديد لهوية كاتبه فربما يحتار القارئ في معرفة عن أي مجتمع من تلك المجتمعات المتخلفة نتحدث، فالمشترك المأساوي بين هذه المجتمعات كثير جدا، ومنه هذه المسرحية الهزلية عما يسمى بالانتخابات، المسرحية التي يحاول البعض إيهامنا بأن فصولها تجري في هذه المجتمعات بين أحزاب وبرامج أحزاب، ومن كثرة ترديد الاكذوبة صدقناها، ومن ثبات تكرار السيناريو حفظناه عن ظهر قلب، انتخاب ثم انتحاب ثم لطم الخدود وإهالة التراب على جميع الرؤوس وتسوية كل شيء بالارض لسنوات قادمة، ثم لا شيء، ولا يوجد من المؤشرات ما يبرر أي تطلعات مستقبلية لتغيير هذه المشاهد البائسة، فلم ولن يتغير أي من تلك المجتمعات الرافضة لأي حراك يزحزحها قيد أنملة عما كانت وستظل عليه، على الاقل على المدى القريب، فالقبيلة هي السيد تعطي اصواتها لابنها ولا يهمها ان كان صالحا او طالحا، فمسألة الصلاحية هذه مسألة ساذجة تسكن فكر المنظرين على الورق فقط، والصلاحية هنا ليس المقصود بها صلاحية المرشح فقط، بل صلاحية الناخب أيضا وهو الاساس في أي عملية إصلاح سياسي أو غير سياسي، فالفرد الأمي المتعصب المريض الفقير الجاهل، ترى ماذا تفرز اختياراته لمجلس يشرع قوانين ويراقب سلطة ويحاسب أجهزة؟ وما هي الطرق التي يسلكها الاثنان المرشح (زعيم القبيلة) وناخبه (أحد رعيته) لتصعيد (مندوب) ليعتلي هذا الكرسي المحصن؟ الكرسي الذي يتيح لهم ولقبيلتهم من الامتيازات ما يهون أمامها أي تضحية بالمال والدماء، الامتيازات التي تبرر استخدام جميع الوسائل غير المشروعة لاقتناص هذا الكرسي، بدءا من لي عنق الدستور والقانون، باعتبار لواء الشرطة فلاحا أجيرا واستاذ الجامعة عامل مياومة، وحتى استغلال منظومة العدل اسوأ استغلال في التسويف والتعطيل والتلفيق، مرورا ببيع الاصوات بالتسعيرة علنا في مهزلة الجديد فيها أن التركيز الاعلامي عليها ـ لاستعراضها كمظهر ديمقراطي ـ يظهرها وكأنها جديدة أو طارئة. والحقيقة أنه نظام ثابت ومستقر وهادئ ومستشر من قديم الزمن في كل مؤسساتنا وفي كل عملياتنا التي نجريها، الانتخابية والتعليمية والزراعية والاقتصادية والصحية والدينية والعدلية ..الخ، والذي يعتقد أنني أقصد التعبيرات الممجوجة التي تتحدث عن تزوير أو فساد وبقية تلك القوالب المكررة سأخيب ظنه، فتلك شماعة نضلل بها أنفسنا والآخرين، فالحقيقة المؤلمة أننا جميعا شركاء، فنحن لم نستورد الفساد ولا التزوير ولا الغش ولا التدليس ولا التعصب فهي بضاعتنا ورُدت إلينا، هي إنتاجنا إنتاج مدارسنا وبيوتنا وشوارعنا، وهو المنتج الوحيد الذي نكتفي منه ذاتيا ونصدر الفائض، هو المنتج النهائي لمدارس الفصول ذات الثمانين تلميذا، المدارس التي حرمت الرياضة والموسيقى وأزاحت العلم والنشيد جانبا واستبدلت مفهوم الوطن بتأويلات فاسدة، المدارس التي زرعت بذور العنف والفتنة والتعصب في القلوب الغضة، المدارس التي اختطفها المتطرفون منذ سبعينات القرن الماضي، وكل من بلغ العقد الخامس (وهم الأغلبية في المجتمع) هو خريج هذه المفرخات، وهم الناخبون والمرشحون والموظفون والقضاة والمعلمون والمحامون واساتذة الجامعات. وبعيدا عن الصخب المثار في الموضوع فلنفترض جدلا أن الخاسرين هم من فازوا، ترى ما هو المتغير في هذه الحالة عدا استبدال رموز الأهلة والجمال برموز أخرى في الورقة المصممة خصيصا لشعوب لا تقرأ ولا تكتب، نعتقد بأن لا شيء سيتغير على الإطلاق، فجميع الرموز خريجو آلية واحدة آلية قبلية رئيسة تدعمها وتصب فيها آليات فرعية أسرية ودينية وتعليمية وثقافية وإعلامية، آلية قبلية لم ينجح أي جهد لحلحلتها، آلية تخرج لسانها للدولة الساذجة عندما تدعو لمواجهة الانفجار السكاني والبحث في المشكلة التي تلتهم الاخضر واليابس، وعندما تُرصد الميزانيات لاستيراد الوسائل اللازمة يفاجأ الجميع بالتجارة فيها كبالونات أطفال في الاحتفالات والموالد أو سحقها وبيعها كمحفز هرموني للنمو السريع لمزارع الدواجن والاسماك، كل ذلك لأن ثقافة القبيلة هي غزارة التناسل لإنتاج حملة السيوف لتحسبات مستقبلية لازالت كامنة في النفوس والعقول من قرون طويلة ولم تتغير حتى اليوم، وكأن عناصر البيئة المحيطة ثابتة لم تتغير، صحراء ونوقا وخياما، وكأن الحروب لازالت على الكلأ وآبار المياه، وقد وجدوا من الأغطية (الشرعية) ما يكفي لسد أفواه معارضيهم إلى الأبد، ولم تفلح وزارات ولا مجالس في تقليص نسب البطالة التي أفرزتها هذه الثقافة، وأصبحت المدن مليئة بمشردين بلا مأوى، أطفال في عمر الزهور يتعرضون في الشوارع لأبشع وأقذع ما يمكن أن يتعرض له بشر من جرائم يستحق مرتكبوها ومسببوها الصلب في الميادين العامة، شيء آخر يستحق التأمل وهو تعارض ثقافة القبيلة مع ثقافة الدولة المركزية، فليس في مصلحة القبيلة وجود الدولة القوية، لذا يذهب مندوب القبيلة بنية مبيتة مخطط لها مسبقا ليصبح عضوا فاعلا في نظام ممنهج لتفتيت عضد الدولة ونخر عظامها كهدف استراتيجي متوارث، ودليلنا أن النظام الحضاري الكفيل بتمثيل كل أطياف المجتمع بدون صخب ولا صراع، هو نظام القائمة وهو نظام مرذول في هذه المجتمعات ولا يجد قبولا ولا ترحيبا لسبب بسيط هو أنه سيفرز نظاما يدعم قوة الدولة، وهو ما ترفضه القبيلة. ولا أظن ان الحديث عن بقية الآليات التي تنتج هذا المكون البشري في هذه المجتمعات، يختلف كثيرا، فما بين أسر مفككة وتدين مظهري وإعلام كاذب وتعليم مشقوق وثقافة ظلامية، تلك هي المجتمعات التي تختار شعارات الأهلة والجمال كوسيلة للانطلاق إلى دولة مدنية حديثة، في مفارقة تعكس الحنين الكامن إلى الماضي، وهم نفس الوجوه ونفس الزعماء ونفس الرموز، الأهلة والجمال والسيوف والخناجر وهو الفريق الذي يدير هذه المنظومة باقتدار ولا تستطيع قوة على الارض تغيير توجهاتها إلى الهدف السامي، هدف تفكيك الدولة إلى قبائل، أما مسألة هذه السيناريوهات الكاذبة عن انتخابات وصناديق ونزاهة وشفافية وديمقراطية ودولة مدنية وحقوق بشر.. و..و، فتلك (تقية) سياسية تستخدمها هذه الانظمة لحين (التمكين) التمكين من إنشاء دولة القبيلة ولا تصبح الاهلة والجمال مجرد رموز، بل حقيقة مجسدة على الارض ساعتها لن نكون بحاجة إلى إعادة تمثيل هذه الفصول الهزلية من هذه المسرحية العقيمة مسرحية الأهلة والجمال.’ كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية