نضال معروفمن المفارقات العجيبة أن كتاب ‘إسلام ضد الإسلام’ للكاتب الليبي الصادق النيهوم كتب كرؤية تجديدية وتثويرية للفكر الإسلامي، لكن ما يحدث هذه الأيام هو بالضبط إطلاق لعملية كبرى معاكسة لإغراق الإسلام في الدم والظلام، اسمها ‘الإسلام ضد الإسلام’ في خطة عمل على المدى الطويل لتحطيم آخر ما تبقى لدينا لاحتواء المشروع الصهيوني ولإلحاق قوى المقاومة بقائمة المهزومين الطويلة. فلايزال مبدأ أيزنهاور في السياسة الأمريكية معمولاً به في معالجة التحديات الخارجية للولايات المتحدة، ويقضي هذا المبدأ ببساطة بأن يتم ‘خوض الصراعات والنزاعات بالقوى المحلية’، بدلاً من أن تزج الولايات المتحدة بنفسها في صراع طويل مع القوى الإقليمية، حيث تطلق عدواً اقليمياً يخوض النزاع بالنيابة عنها، ولذلك قتل الكوريون الكوريين وقتل الفيتناميون الفيتناميين، ودفع بالعراق لمحاربة إيران. وبقيت حرب الخليج الأولى استثناءً، حيث خاضت الولايات المتحدة الحرب بنفسها نيابة عن القوى الإقليمية المتخوفة من تنامي قوة صدام حسين، وكان لذلك التخلي عن مبدأ أيزنهاور ظروفه الدولية وغايته في إعلان نهاية الحرب الباردة وتدمير النفوذ والسلاح السوفييتي في المنطقة لإعلان ‘النظام العالمي الجديد’ والقطب الواحد. بعد أحداث سبتمبر (وربما قبلها) كان لابد من إحياء مبدأ أيزنهاور لأن الهدف الجديد المتمثل في التحدي النامي على طول العالم الاسلامي كان معقداً، وإذا ماقيض له ان ينشر وسائله وعقائده في الصراع فإن احتواءه عسير. لذلك فإن قتله (الاسلام) من الداخل أو تفكيكه سيسهل هزيمته، وظهر أن إطلاق أيزنهاور من جديد عبر عملية ‘الاسلام ضد الإسلام’ هو الحل والدواء.
ومراجعة الأحداث في السنوات الأخيرة تشير وتدل على هذا المشروع الضخم، حيث كانت نقطة الارتكاز هي تلك اللحظة التاريخية الحاسمة في السيرة الاسلامية المتمثلة في انقسام الاسلام وانشطاره الى اسلامين، سني وشيعي، حيث كان هذا الانكسار الكبير مفصلاً في الجسم الاسلامي جعله دائماً سهل المنال والنقطة الضعيفة التي ينثني عندها الجسد الاسلامي تألماً. ولعل البقعة الجغرافية التي تكثفت فيها نقاط الاحتكاك السني الشيعي كانت العراق، فهناك نشأ النزاع وتوارثت أطرافه العقائد والنظريات والتراشق بالاتهامات والاجتهادات. وكان العراق نقطة جذابة جداً لإطلاق عملية ‘الإسلام ضد الإسلام’، فهو بدا أكثرية شيعية تائقة للتمرد على حكم السنة والخروج من عزلة ألف عام. وبدا أن صدام حسين بحربه ضد إيران الخمينية كان بشكل غير رسمي البطل السني الذي أوقف الثائر الشيعي القادم من إيران كالطوفان. ولا يبدو أن الغاية من غزو العراق كانت آنية الهدف وتريد باختصار النفط وأمن اسرائيل، لأن الأمريكيين لم يبذلوا أي جهد لإبقاء العراق موحداً معافى كمكان لإطلاق نهضة اقتصادية تستثمر نفطه للصالح الأمريكي أو عملوا على إلحاقه بالنموذج المهزوم الألماني والياباني، الذي تألق ونعم بالسلام، وأصروا على التعامل مع ثلاثة كيانات وقيادات سياسية، سنية وشيعية وكردية، وظل تصوير المقاومة على أنها سنية فقط وقاعدية شيعياً، فيما كانت وسائل الإعلام تركز على انقسام غائر في الجسم العراقي، وأن القنابل انقسمت الى شيعية تقتل السنة وسنية تقتل الشيعة. وهنا تبدأ المرحلة الثانية، فبعد سقوط العراق بفترة قصيرة فوجئنا بالملك الأردني عبد الله الثاني يجترح مصطلحاً عجيباً ويبشرنا بما سماه ‘الهلال الشيعي’، وكأن العراق سقط بسبب مؤامرة شيعية على أهل السنة، رغم أن الطائرات الأمريكية وفيالق المشاة انطلقت من قواعدها في دول الخليج ‘السنية الحكم’، وحاملات الطائرات عبرت قناة السويس المصرية وتركزت مكاتب الاستخبارات في كل العواصم السنية المحيطة بالعراق، ولم تكن لأية عاصمة يتضمنها مصطلح الهلال الشيعي أي دور في الغزو. واستمر الحشد والدفع نحو حرب أهلية بكل الوسائل، وتوجد دلالات كثيرة على أن ‘بلاك ووتر’ وغيرها قامت بأعمال قذرة لتهييج المشاعر الدينية، ومرت حادثة القبض على جنديين بريطانيين متنكرين بزي عربي يطلقان النار على رجال الشرطة العراقيين مرور الكرام، من دون الغوص في دلالاتها القوية على أن القوى التي دخلت العراق لا تريد تقديم مشروع دولة ديمقراطية مستقرة أو نمر آسيوي اقتصادي جديد، بل نموذج خاص، لبلد يراد تذويبه وتمييعه كجثة مهملة تتعفن ببطء لتنشر الطاعون في كل محيطها. وبدا المسرح الآن جاهزاً لاطلاق المرحلة الثالثة، وهي توسيع رقعة النزاع الشيعي السني لجعله عابراً للحدود والمناطق والقلوب والخواطر، فتم بين عامي 2005 – 2006 إطلاق العنان للمشاعر، حيث أعدم الرئيس صدام حسين واغتيل رفيق الحريري في لبنان. وتم تسريب مشهد إعدام صدام حسين ليبدو على أنه قتل شيعي لزعيم السنة وبطلهم في العراق، كما تم تصوير قتل الحريري على أنه استئصال لنفوذ السنة اللبنانيين بتصفية زعيمهم. وبدا أن مقولة عبدالله الثاني عن الهلال الشيعي تترجم حرفياً من العراق حتى لبنان. فالهلال الشيعي يلتهم رموز الوجود السني وتقتلع المسامير التي تثبت وجود السنة في المنطقة، حيث استولى الشيعة على العراق وقتلوا أهل السنة ونكبوهم وتشفوا من زعمائهم، فيما طال الطموح والتمدد الشيعي (بتواطؤ سوري إيراني) السنة وزعيمهم في لبنان. وانخرط جمع غفير من السياسيين والمثقفين في دعم هذه القناعة حتى حدث الانشقاق النفسي لدى الجمهور الذي دوخته تصريحات وتحليلات متلاحقة عن حتمية التصدي لمشروع شيعي، بدل التصدي لمشروع أمريكي ـ صهيوني، بل ركب الموجة سياسيون لهم مطامحهم السياسية، وتمثل ذلك في تصريحات عبد الحليم خدام النائب السابق للرئيس السوري، الذي زعم أنه لم يكن راضياً عن سياسات الرئيس حافظ الأسد في السماح للشيعة اللبنانيين بالتسلح، فيما لم يسهل ذلك على السنة، وفي تصريحاته محاولة للتدليل على حتمية ما يتداول عن المشروع الشيعي والطوفان الذي يجتاح السنة، ومحاولة منه لتقديم نفسه بديلا للحكم في دمشق، كشخص سني حريص على السنة وكفيل بوقف المد الشيعي عبر الجسر السوري. وقد ساهمت قوى في السعودية والرعاية المصرية الاعلامية والرسمية في إذكاء هذا الشعور بالتوجس، وانهمكت مكاتب استخبارات عربية في التأجيج والتحريض حتى في الكتابة في ردود القراء على مقالات ذات طابع تحريضي اتهامي شتائمي بغيض بحق السنة وبحق الشيعة. وقد أورد أحد محرري المواقع الالكترونية العربية أنه تلقى في شهر واحد أكثر من 430 مقالاً كان أقل من 30 منها يكتب في موضوعات محايدة ومعالجات عقلانية، فيما كانت المقالات الـ400 كلها اتهامات مقذعة وبذاءات واتهامات متبادلة بين الشيعة والسنة والمسيحيين العرب، وأبدي شكوكاً كبيرة وخشية من أن هذا الكم الهائل من المقالات التحريضية المريضة مصدرها مكاتب استخبارات عربية تنفذ أجندة غربية تريد شراً بالمنطقة. واليوم يريد الاسرائيليون والأمريكيون إطلاق المرحلة الأخيرة من عملية ‘إسلام ضد الإسلام’، عبر القرار الظني بعد أن احتقنت القلوب ولعبت وسائل الإعلام بالعواطف والأدلة، وصورت أن الحريري دفع ثمن ارتدادات المشروع الشيعي الكبير الذي بدأ بنكبة السنة في العراق وقتل زعيمهم في يوم العيد، وانتهى بتطويق السنة في بلاد الشام عبر الاجهاز على زعيم السنة اللبنانيين، الذي شكل امتداداً سعودياً ضامناً بكل ما تعنيه السعودية ‘السنية’ من ثقل مذهبي. وتريد الرسالة المفخخة أن تقول بأن قاتل الحريري (سواء كان دولة كسورية أو حزباً كحزب الله أو جماعة مستقلة أو أفراداً خارج سيطرة الحزب) لم يرد إلا خدمة مشروع شيعي لأن الحريري وقف بقوة ضده وكان له بالمرصاد، وتصدى بعناد ضد خلخلة الوجود السني، ولأنه أراد إضعاف الشيعة بتجريدهم من سلاحهم ومحاصرتهم بالقرار 1559، ولذلك قتل بلا رحمة.
وما إن تنفجر النفوس وتخرج البنادق لملاقاة البنادق في لبنان والعراق حتى تصل اصداؤها الى باكستان، وسيسهل حتى ضرب إيران ويصبح مقبولاً، وبنهاية المرحلة يكون قلب العالم الاسلامي في فوضى ومثخناَ بالجراح وتنعم إسرائيل ببقاء أطول. ‘ كاتب سوري