المهند الخطيبخارجةٌ عن الهدف، عن سياقِها الحضاري والثقافي والإنساني، كل سِهام النقد الموجهة الى الإعلام العربي وما يقدمه، سواءٌ على الصعيد الداخلي أو الخارجي، من دون الالتفات الى ما يحيط بمجتمعنا العربي من سلبيات وعوائق وأسلاك شائكة وخطوط عرضٍ حمراء وخطوط طولٍ سوداء، تتمثل بالعادات والاعراف والتقاليد والدين أيضا، فنحن شئنا أم أبينا مجتمعات متداخلة مترابطة بمعنى الربط والوثاق لا بمعنى القوة والاتحاد، ومن تحديات سياسية مكشرة عن أنيابها الاستعمارية الاستيطانية الهادفة الى زعزعة الاستقرار في العالم العربي ومحو قيمهِ ودكدكةِ خصوصية تراثه وإرثه الحضاري وحتى ثقافته الدينية، التي استفاد منها الغرب حتى الثمالة.
كل هذا جعل الاعلام العربي يرتدي، إما الزي العسكري الطوباوي الايديولوجي الحزبي المقاوم، وإما بدلة الرقص الشرقي المبتذل، وإن من ينكر كل هذه التحديات المحيطة بإعلامنا العربي إحاطة السوار بالمعصم ليصب جام غضبهِ على الإعلام العربي قد أخذ أولى خطوات الخروج عن ملة الأجداد.
نعم، انا اتفق مع المفكر الشاعر علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) حين قال بأن ليس هنالك ثقافة في العالم حية اذا لم تنتقد الأسس التي نشأت منها. وما الإعلام في العالم أجمع الا وجهٌ من وجوه تلك الثقافة التي ترتقي بالمجتمعات الحاضنة لها حضارة وتنورا، وما الإعلام الحر الجريء المنفتح الا جزءٌ من مشروع أي نهضة متكاملة.
ولكن ألم يتعرض مشروع النهضة العربي الى المؤامرات منذ محمد علي باشا مرورا بعهد جمال عبد الناصر. ألم ينذر مؤتمر لندن 1840 و1841 محمد علي باشا واستعمل ضده القوة من أجل كفه عن مشروعه النهضوي الذي شمل سورية في تلك الفترة. أليس السيد شمعون بيريز هو القائل: يجب أن تبقى اسرائيل منارة العلم وسط واحة من الجهل، ويقصد هنا العالم العربي بكل ما يحمله من قيم ومبادئ حضارية أحد أهم أركانها الإعلام. ألم يكتب لورانس إلى الخارجية البريطانية: يجب أن نحافظ على تفكيك المنطقة العربية وابقائها كأحجار مفككة غير قادرة على الانسجام، ومن الضروري أن نقيم كيانا غريبا ومصطنعا بثقافته وفكره عن العرب يفصل بين القسمين الآسيوي والافريقي.
هل نسينا كيف أن محطات عربية عدة أزيلت عن بكرة أبيها من الأقمار الصناعية التي يسيطر عليها الأخ الأكبر (الآخر). هل قتل الشهيد البطل (الإعلامي) طارق أيوب وهو على ضفاف نهر دجلة يشوي السمك ويقارع كأس الشراب، أم أنه قتل نتيجة للقصف الأمريكي الهمجي على مبنى قناة الجزيرة في العراق، لأنها كانت تقدم المصداقية والشفافية والحرية في نقل أخبارها، محاولة أن ترتقي بالإعلام العربي إلى مستوى يتشدق الكثيرون أنه غير متوفر لدى عالمنا العربي.
ان نقول بأن هذا الإعلام العربي دأب على تصوير العلاقة بين العرب وغيرهم من الأمم والثقافات الأخرى على نحو ربما أسهم في خلق أزمة بين الأنا والآخر الثقافي وبأن هذه الأزمة مصدرها في الأساس سوء فهمنا لهويتنا ولهوية الآخرين المختلفين عنا ثقافيا وحضاريا.. ربما وأقول ربما لان مثل تساؤل كهذا يحمل في طياته مجموعة مهمة من التساؤلات (كالخَسَة) ورقة في ورقة في اخرى.
من هو الأنا هنا؟ الأنا الخليجي الذي يبني ويعمر الديار ويعيش الحياة المترفة الكريمة، أم الأنا العربي الافريقي المهادن معظمه إعلاميا وثقافيا للغرب (الآخر) المنسلخ بعضه عن الجسد العربي، أم الأنا اللبناني المحتلة أرضه والمتآمر عليه حتى اللحظة، ناهيك عن الأنا السوري الممانع لأسباب يعلمها القاصي قبل الداني، وماذا عنه الأنا العراقي الجريح، أم أضع نفسي أنا كأنا فلسطيني محتلة أرضه، شهداء أهله، مدمر منزله، مشردةٌ مهجرةٌ أوصال عائلته.
ومن هو الآخر؟
إن أول ما قامت به الحضارة الإسلامية عند نشوئها وخلال ازدهارها هو الانفتاح على الآخر. ولكن أن يكون هذا الآخر لصا استعماريا صهيونيا قبيحا وجهه مشوهة أخلاقه فاشية مقاصده، فمن الطبيعي أن يتناوله الإعلام بالمنهج السلبي الممانع، ومن الطبيعي أن يعمل السد العالي داخل فكر شعوب ذلك الإعلام.
ورغم ذلك أذكر أني قرأت أرنست همنغواي وغابرييل غارسيا ماركيز حين كنت في الخامسة عشرة، وحتى قبل أن أقوم بقراءة جبران خليل جبران. أضف الى ذلك الموسيقى الكلاسيكية الشتراوسية والبتهوفينية والأشعار الفرنسية الرفيعة المستوى، وقد حدث كل ذلك في مجتمع عربي له ما له وعليه ماعليه.
أجل كثيرة هي الخطوات التي يحتاجها إعلامنا العربي في سبيل التطور والرقي والمواكبة والتنوير والإفصاح والإنماء والتأثير الإيجابي مع الآخر، ولكن هل يحق للذين يطالبون بكل تلك الحريات والانقلابات الاعلامية أن يكونوا حملة لذات البوق الذي يلعن أنثى الإعلام العربي على حملها اذا ما تعرضت للاغتصاب من قبل.. الآخر؟
كاتب من فلسطين يقيم في بريطانيا