صباح الخزاعيلقد عاش الكرد والعرب وباقي المسلمين من غير العرب تحت خيمة الاسلام في اجواء سلام ومحبة ووئام، يحكمهم الحديث النبوي الشريف بأنهُ – لا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى- والدليل على ذلك هو بروز وشهرة القائد المسلم الكردي صلاح الدين الايوبي، الذي رفع راية الاسلام منتفضاً من مسقط رأسه وموطنه – تكريت- في العراق ليحرر القدس الشريف ويقيم دولة عامرة في مصر وما حولها.
وفي زمن الدولة العراقية الحديثة التي تأسست في 23 آب/اغسطس 1921 إثر تتويج فيصل ملكا على العراق كان الشعب العراقي يعاني الكثير من المشاكل ومخلفات العهد العثماني، وكان همُّ الساسة الوطنيين هو كيفية بناء الاسس السليمة لعراق جديد خرج تواً من حكم عثماني استمر لمدة 384 سنة، واعادة الاعتبار لمكانة العراق وتأريخه ولغته العربية وحقوق وحرية العراقيين بصورة عامة. وكان كثير من الاكراد من ضمن الرواد الذين ساهموا بصورة فعّالة في تأسيس الدولة العراقية، من خلال مشاركاتهم في سلكي الجيش والشرطة والادارة والتعليم ومرافق الحياة الاخرى، حيث لا فرق بينهم وبين اي عراقي آخر في الحقوق والواجبات. غير ان التدخل الاجنبي الذي مارسته كل من بريطانيا وإيران ثم تعاون معهماا بعد ذلك الكيان الصهيوني- إسرائيل- في شوؤن العراق من خلال دعم بعض من شيوخ العشائر الكرد، خاصة عائلتي البارزاني والطالباني ونشر ثقافة التمرد والعصيان، وعدم الاعتراف بالحكومة المركزية، والمطالبة بحقوق تعجيزية الغرض منها ارباك مركز الحكم ونشر الفوضى وعدم الاستقرار، وبالتالي ابتزاز اية حكومة مركزية واضعافها من اجل عرقلة خطط البناء والتنمية وتطوير البلاد وحرفها بعيداَ عن قضايا الامة وآمالها في التحرر والبناء ومشاركة باقي أقطار الامة العربية للتصدي للعدو الصهيوني وخططه التوسعيّة.
ولقد استمر التمرد الكردي المسلح في شمال العراق قائماً ضد كل الحكومات وانظمة الحكم التي توالت على حكم العراق، بدعم وتحريك خارجيين تخللتها فترات سلام حذر وهش عندما تطرح الحكومة المركزية مشروع حل واقعي ومتوازن تضطر قيادة التمرد القبول به، ثم تجري المباحثات والزيارات المتبادلة على امل التوصل الى حل دائم ونهائي. وفي كل مرة وعند الوصول الى مرحلة التوقيع تأتي التعليمات من خارج الحدود الى قيادة التمرد بالتريث في التوقيع، ثم تزداد الشكوك لدى الحكومة المركزية، ثم تبدأ الحملات الصحافية والتصريحات الاستفزازية وتتوقف المباحثات ثم – وبدون سابق إنذار- تصعد قيادات التمرد الكردية الى اعالي الجبال الوعرة ومعها القرويّون البسطاء من النساء والاطفال وكبار السن الذين اجبروا تحت التهديد والوعيد الى النزوح مع حاملي السلاح بحجة ان قوات الحكومة سوف تقصف قراهم ومزارعهم، بل وفي حالات متكررة تقوم قوات البيشمركة نفسها بتلغيم قراهم وقصفها، بل ومحو قرى بكاملها ثم تتهم قوات الحكومة المركزية بأنها هي التي قامت بهذه الجريمة.
وتقوم وسائل الاعلام العالمية التي تسيطر عليها اسرائيل وبريطانيا وامريكا والابواق الاقليمية العميلة، خاصة إيران، بتصوير مأساة الكرد فوق الجبال وفي الوديان مع لقطات سريعة ومتفرقة لقرى ومزارع يخرج منها الدخان واخرى لجرحى و- قتلى – ممددين على الارض مع تقرير مفصل مليء بالاكاذيب والافتراءات. كل ذلك يتم توظيفه كأداة ضغط على حكومة العراق – اياً كان شكل النظام- من أجل الابتزاز وتغيير المواقف، خاصة الموقف القومي في دعم حركات التحرر العربية والعالمية والموقف الثابت للعراق والمحوري من صراع الامة العربية والاسلامية مع الكيان الصهيوني وداعميه الغرب وامريكا. وجاء البعث عام 1968 وهو مصمم كل التصميم على حل القضية الكردية حلا سلمِّيا ديمقراطياً، وكان صدام حسين نفسه مسؤولا عن هذا الملف الشائك وهو الشخص الذي لا يقبل اللف والدوران، بل الصراحة والوضوح والشجاعة في اتخاذ القرارات المصيرية. وبالفعل توصل الطرفان الملا مصطفى البارزاني وصدام حسين الى صيغة بيان سميّ في حينه ببيان11 آذار/مارس للحكم الذاتي الذي أُذيع في ذلك اليوم الربيعي من عام 1970 ليتزامن مع أعياد النوروز وأعياد الربيع التي يحتفل بها العراقيون كل عام. لقد حصل اهلنا الكرد على حقوق يستحقونها لكنها كانت حلما بالنسبة الى الاكراد الذين يعيشون في الدول المجاورة. وتم لأول مرة في تأريخ العراق الحديث التعاطي مع المسألة الكردية بروح وطنية مسؤولة ونكران ذات ومبدئية عالية مارسها حكم البعث تجاه اقليّة كردية عراقية عزيزة وكريمة تستحق كل الخير والامان والسؤدد. وأصبح قانون الحكم الذاتي نافذاً منذ 11 آذار/مارس 1974 وحجر أساس لحقوق الاكراد في العراق.
ولقد أعتقد الكثير من السياسيين والمحللين أن أعطاء حكومة البعث في العراق حقوقاً لمواطنيها الكرد وبهذا الحجم والانصاف، فتح باب جهنم عليها من جهة دول الجوار التي لها مشاكل مع مواطنيها الكرد. وبالفعل ومنذ ذلك الحين، أمست علاقات العراق مع جيرانه متوترة على الدوام ولا تمر فترة هدوء إلا وتعكرها أصغر الاشياء وأقلها أهمية في العرف الدبلوماسي والعلاقات الدولية، بل حتى الامور والسياسات والمواقف التي هي في حكم المتفق عليها كان يتم التجاوز عليها من دون اسباب معقولة. غير ان قائد التمرد الملا مصطفى البارزاني وبدعم من شاه إيران آنذاك راوغ كثيرا في تطبيق التزاماته التي نص عليها قانون الحكم الذاتي لعام 1974 وكانت مطالبه غير مشروعة وتعجيزيّة في ذلك الزمن ولا تتسق مع آمال وتطلعات الاكراد والشعب العراقي بصورة عامة، وفضّل الانسياق وراء مؤامرات شاه إيران ومن خلفه القوى الامبريالية والصهيونية التي كانت تبتز حكومة العراق – بالورقة الكردية – من أجل إضعاف العراق لكي يقدم تنازلات مجحفة لشاه إيران. وعندما أُبرمت اتفاقية الجزائر عام 1975 بين العراق وإيران انهار التمرد الكردي، وانتهى المطاف بالبارزاني إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث توفي فيها عام 1979 في مستشفى جورج واشنطن. وتسلّم راية التمرد أبناؤه وابرزهم مسعود البارزاني الذي سار على خطا أبيه في المراوغة واستغلال الفرص، واستمر الحال هكذا أثناء الحرب العراقية الايرانية، ثم أزمة الكويت الى أن انتهى به الحال هو وغريمه جلال الطالباني- الاخوة الاعداء- ليلعبا دوراً مشيناً في احتلال العراق والمصائب التي تلت ذلك والى يومنا هذا.
إذن، أصبح واضحاً أن مظلومية الاكراد كانت حجة باطلة لتبرير الاحتلال وانكشفت الاهداف الخفية من وراء ذلك بعد ان اصبح البارزاني والطالباني، وهما بيضتا القبّان، في رسم مستقبل العراق المحتل وانه ولأول مرة في التاريخ السياسي للدول والشعوب تتحكم أقليّة لا تتجاوز 13′ من سكانه بمصير البلاد والأكثرية الساحقة من شعبه.
وما دعوة مسعود البارزاني الاخيرة في كلمته أمام المؤتمر الثالث عشر للحزب الديمقراطي الكردستاني إلى ما يدعيه حق تقريرمصير الشعب الكردي، والتي ستؤدي الى تحقيق عراق بثلاث دويلات، ثم الى أكثر من ذلك فيما لو استمرت المؤامرة، الاّ دليل دامغ على الدور التخريبي والمشبوه الذي يلعبه هؤلاء بحجة تمثيلهم للكرد العراقيين، وهو أدّعاء لا اساس له وذلك لوجود قوى كردية وطنية شريفة وحيّة لا تفرط أبدا بعراقها وتوحدها وتلاحمها مع بقية أطياف الشعب العراقي. ‘ أكاديمي وسياسي عراقي مقيم في إنكلترا