خليل قانصو
مسألة معقدة تلاحقني منذ أن اندلعت في خريف 1986 حرب من الحروب اللبنانية التي تسمّت بأسماء مختلفة، قبل اتفاق زعماء الطوائف والمذاهب على اقتسام لبنان، في المملكة السعودية سنة 1989، كنت أتجنب الخوض فيها، رغم أنها كانت وراء قراري بالهجرة، وهي مسألة العلاقة التي تربط بين الفرد وبين الجماعة من جهة، وتلك التي تربط بينه وبين الدولة ومؤسساتها من جهة ثانية. وكنت أستغرب كلما نشرت صحيفة ‘القدس العربي’، في باب مدارات، أوراقا من اليوميات التي أبعث بها إلى هيئة التحرير، عندما أجد أن النص قد ذُيل بعبارة ‘كاتب لبناني’. ولكن الموضوع ظل في نظري مسليا، ولم يخطر لي خارج هذا السياق، إلى أن قرأت مقال السيد رشاد أبوشاور في 15.12.10، في هذه الصحيفة، الذي توقف فيه أمام هتافات ترددت أثناء مباريات لكرة القدم تقابل فيها، كما فهمت، فريق اردني وآخر فلسطيني، تبطن معاني بالغة الأهمية وتعكس صورة وضع من علاماته الجهل وسوء التربية والتخاذل والتملق، ينذر بخطر انفراط مداميك اساسية من العقد الجمعي بأبعاده الثلاثة المبدئي، القطري والعربي. السؤال الذي أطرحه على نفسي هو كيف أكون كاتبا لبنانيا؟ عندما لا يكون جواز سفري صادرا عن الحكومة اللبنانية، وعندما لا تعترف هذه الحكومة ببطاقة الهوية اللبنانية فتفرض عليّ دفع رسوم تأشيرة دخول إلى لبنان، كما لو كنت أجنبيا. كيف أكون كاتبا لبنانيا، عندما أغادر لبنان، من دون علم السلطات اللبنانية، على ظهر بارجة فرنسية، جاءت أثناء حرب تموز 2006، من أجل إخلاء الرعايا الفرنسيين من لبنان. والطريف هنا، أنني عدت إلى لبنان، بعد انتهاء تلك الحرب، وبالطبع، كان موظف الأمن في مطار بيروت قد عاد إلى كرسيه، ففحص جواز سفري، واستطلع البيانات الأمنية بواسطة حاسوبه. لم يسألني كيف غادرتُ لبنان، وأنا أيضا لم أسأله عن شيء. غير أن امتحان ‘لبنانيتي’ الأصعب كان خلال الغزو الإسرائيلي سنة 1982، ولكن هذا حديث ذو شجون.
لقد انقرضت في لبنان، أو تكاد، الحركات والأحزاب السياسية، العلمانية. وطغت على الساحة الوطنية، أحزاب الطوائف والمذاهب، وصار لكل منها إقطاعية وعاصمة وأمير. قلما تجد في لبنان اليوم، قوميا عربيا أو بعثيا عربيا اشتراكيا، أو أشتراكيا ماركسيا، قادرا على الحركة أو على النطق. ومن المرجح أن البيئة الاجتماعية لم تسمح لهذه التيارات بأن تتطور وتتجدد. فلم يبق في هذا الزمان، من أعضائها وأنصارها إلا شيوخ لاذوا بالصمت، وكأنهم من أهل الذمة. وهنا يلزم التذكير بأن الفرق كبير جدا، بين مدارس الطوائف والمذاهب من جهة، ومدارس الأحزاب الوطنية والقومية العربية من جهة ثانية.
ان مباريات كرة القدم، التي جرت في الأردن بين فريق فلسطيني وآخر أردني تذكرك بمباريات مماثلة جرت في السودان هذا العام بين فريق جزائري وفريق مصري، تسببت بأزمة في العلاقات بين مصر والجزائر، وبمبادرة كل طرف إلى تجنيد وسائله الإعلامية لنقل خطاب تافه، لا يقل في الواقع تفاهة وسفاهة عن الهتافات التي سـُمعت أثناء المباريات الأردنية. وتذكرك هذه المباريات أيضا بحروب الميليشيات الطائفية والمذهبية اللبنانية ضد ‘المخيمات’ التي يعيش فيها اللاجئون الفلسطينيون، بدءا من مخيم ‘تل الزعتر’ ووصولا إلى مخيم ‘نهر البارد’ ومرورا بمخيمي ‘صبرا وشاتيلا’ . ووضعا للقضية في نصابها الصحيح، أٌقول اننا حيال انحراف خطير يتفشى كالوباء في المجتمعات العربية، فيجعل كل فئة أو جماعة تكره الأخرى، كراهية المحارب لعدوه في ساحة الوغى. والمفارقة هنا هي أن هذه الكراهية مدفوعة الأجر. أي بتعبير آخر، تعتقد كل جماعة، أو بالأحرى يوحى إليها، بأن الآخرين يحسدونها على ما هي فيه من سعة ويريدون نصيبهم من النعم التي بين يديها، وأن إقصاءهم يضمن لها دوام الرفاهية والأمن والاستقرار.
ولكن مثل هذا الاعتقاد، ما كان ليرسخ في النفوس لولا الدور الذي تمارسه مدارس الطوائف والمذاهب في تعميم الجهالة وبعث النزعة العصبية كنهج غايته التفاخر على الجار والسطو على ما يملكه، وهو ضد ما كانت تلقنه مدارس الوطنية والعروبة، قبل إقفالها، عن ضرورة التعاضد والتعاون والبذل والتضحية في سبيل الصالح العام ودفاعا عن الأرض والوجود.
عندما تعطى السلطة كلها، والمال كله أو ما تبقى منه، لفئة من فئات المجتمع الوطني دون غيرها، يذهب ذلك ببصرها وبصيرتها. فتصير المحافظة على أجرها وامتيازاتها شغلها الشاغل. لذا نراها تختلق الأعذار لتتملص من الفئات الأخرى، ولتباعد بينها وبينهم. وتنظر بعين الريبة إلى المطالبة بالمشاركة. وتعتبر الدعوة إلى الاتحاد بوجه المستعمرين وإلى مقاومتهم كواجب يقع على الجميع، خطرا يتهدد استقرارها ومصدر عيشها. وبكلام أكثر صراحة ووضوحا، يتحول الارتزاق، ليس عن طريق العمل المفيد، وأنما على حساب حقوق الغير من أبناء الوطن، غاية لا تعلو عليها غاية. وبما أن الذهنية القبلية لا تجد أسوغ من الغنائم، وأن التبجح هو رياضة قبلية، والانتصارات هي حاجة قبلية أيضا، حتى تلك الانتصارات الوهمية والافتراضية، فإن قبائل العرب، التي تسترت في هذا الزمان بعباءة الدين ورفعت رايات المذاهب، تشبع غرائزها، فتقاتل وتنتصر وتكسب الغنائم ضد بعضها بعضا.
ان الهوية ليست صفة أو عرقا، ولكنها كينونة وفعل وتفاعل في إطار الجماعة والوطن، بمعنى أنها ضرورة لا غنى عنها، للجماعة والوطن. أما اذا تعذر الفعل واستحال التفــــاعل، فلا عتب على المرء إن هاجر إلى وطن غير وطنه الأصلي وانضم إلى الجماعة التي تعيش فيه، شرط أن يتاح له أن يكون عضوا له نفس حقوق الآخرين وعليه نفس الواجبات. وفي السياق ذاته، وبدافع الاختصار، أقــــول ان العروبة، ما هي إلا مشروع القصد منه مد الجسور بين شعوب الأقطار العربية، كوسيلة لتطورها وتقدمها وإنمائها، فتكون في منعة، ولا تبقى في الحال التي هي عليها في الحاضر، يستبيح المستعمرون حقوقها في العيش وفي الوجود.
وتأسيسا عليه فان مناهضة الاستعمار، تقتضي تشجيع التوجه نحو العروبة ودعم المقاومة ضد المستعمرين الإسرائيليين، دعما غير مشروط. علما بأن هذا الدعم يأخذ أشكالا مختلفة. منها إقامة علاقات تسمح بتبادل الأفكار، في خدمة قضـــــية الحرية والتحرير والمساواة والعدالة، ضد العدوان والاغتصاب والقهر والتمييز العنصري. من البديهي ان افتراق الناس الذين يتعرضون لهجمات المستعمرين، أيا كانت أسباب هذا الافتراق، يمثل مشكلة كبيرة تضعف وتعيق النضال والمقاومة. وهذا يتطلب، بل يوجب دخول الميادين كافة، ومن ضمنها ميدان الدين، لرأب الصدع وتوفير الشروط لكي يحتشد الناس ويتدبروا شؤونهم.
ان الأحداث التي أعقبت مباريات كرة القدم في الأردن، وقبلها في السودان بين فريقي مصر والجزائر، هي براهين قاطعة على أن الاحتقان في المنطقة العربية ليس سببه الدين واختلاف القراءات وتعدد المذاهب، وانما سببه جموح اصحاب السلطة والنفوذ في البلاد العربية، وتمنيهم لو تنشق الأرض والبحر فيبتلعان الفلسطينيين، ظنا منهم أنهم هكذا يأمنون جانب الإسرائيليين ويـُكتب لهم طول البقاء. وهل يقبل عاقل أن التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية ضد ايران، ومع اسرائيل ضد ايران، يشرعه دين سماوي، أو تجيزه شرعة أخلاقية؟
وجملة القول وخلاصته، ان المسألة الفلسطينية، وليس الفلسطينيين فلقد أصابهم ما أصاب غيرهم من الشعوب العربية، تكشف العيوب والمرامي الحقيقية من وراء الكراهية التي تظهرها جماعة تجاه جماعة آخرى. وأغلب الظن أن في مقدمتها، الخوف من الإسرائيليين، والامتثال لإملاءاتهم بالقضاء على العوامل التي تزعجهم وتثير غضبهم. ولكن ما يدعو للأسف ويحز في النفس، هو ان أنظمة الحكم في البلاد العربية تستطيع بعد مرور 1432 سنة على الهجرة، أن تستخدم الدين، وتجند رجال الدين أيضا، ومعهم حشود الجهلة، لبلوغ غاياتها ارضاء للولايات المتحدة الأمريكية واجتنابا للمواجهة ضد اسرائيل، أو بتعبير آخر، فضـّلت هذه الأنظمة محاربة شعوبها، على محاربة اسرائيل من أجل استرداد حقوق هذه الشعوب. لذا لا خيار أمام هذه الأخيرة إلا أن تتحد، في اطار رابطة عربية. فالاتحاد هو الوسيلة التي تمكنها من سلوك الطريق إلى الحرية والتحرر. ان تكون عربيا، يعني أنك تسير في هذه الطريق، وما عدا ذلك فانك لا تسير أو انك تائه في أزقة مدينة تحت نظام الطوارئ. ‘ كاتب لبناني