البحث عن الإثارة في مستنقع الشذوذ الجنسي… والبحث عن استقلالية الجامعات في زمن التأميم الأمني!

حجم الخط
0

محمد منصور يبحث صناع البرامج التلفزيونية دائماً عن البرامج المثيرة… يبحثون عن الموضوعات التي يمكن أن تجذب المشاهد، بغض النظر عن الحاجة إليها فعلياً على أرض الواقع، يتذرعون بمناقشة بعض تلك الموضوعات بشعارات من قبيل: (الحديث في المسكوت عنه) و(كشف المستور) و(ما خفي كان أعظم) ويدبجون المقدمات حول ضرورة وأهمية الخوض في تلك الموضوعات، بحجة أن التلفزيون يخاطب شرائح واسعة تحتاج لمثل هذه البرامج التنويرية والتوعوية، بينما الهدف الحقيقي من إثارة هذه الموضوعات أبعد ما يكون عن تلك الشعارات، إنه مجرد بحث عن فرقعة إعلامية، تحقق للبرنامج سمعة صاخبة، وللمحطة حصة إعلانية أكبر من كعكعة الإعلانات التلفزيونية التي تتحكم فيها مافيا لبنانية لا ترى في التلفزيون سوى: بزنس وهي تتحالف مع رأس المال الخليجي وتديره بطريقة مريحة، تعفيه من وجع الرأس ووجع الفكر ووجع الضمير!

في ما مضى كانت موضوعات عالم الجن وملكهم الأحمر وأثرهم على بني البشر ومدى قدرتهم على إيذاء أخوانهم من الأنس، واحدة من هذه الموضوعات المثيرة التي أدمنت معظم برامج التوك شو ومحطات الإثارة عليها، أما اليوم فقد صارت موضوعات: بنات الليل وامتهان الدعارة والتحرش الجنسي، وأخيراً (الشذوذ الجنسي) الذي اخترعوا له تسمية مواربة هي (المثلية الجنسية) على رأس هذه الموضوعات. وقد عرضت قناة (نيو تي في) هذا الأسبوع حلقة من برنامج (تحت طائلة التحقيق) تتناول هذا الموضوع، وحملت عنوان (مثلي… مثلك). سبق لبرنامج (سيرة وانفتحت) لزافين على تلفزيون المستقبل، أن أشبع موضوع المثليين عرضاً وبحثاً وتمحيصاً في أكثر من حلقة من برنامجه المذكور، حتى خلنا أحياناً أن هذه السيرة انفتحت ولن تغلق، ثم جاء برنامج مالك مكتبي (أحمر بالخط العريض) على قناة (إل بي سي) وتناول الموضوع ذاته، قبل أن يذهب البرنامج مع صاحبه ضحية البحث عن موضوعات الإثارة نفسها، حين استضاف شاباً سعودياً تحدث عن كيفية إغوائه للفتيات واستدراجهن للفراش… فقامت الدنيا في السعودية ولم تقعد… حتى أوقف البرنامج وأقعد مقدمه في بيته! وقد مر هذا الموضوع على معظم المحطات اللبنانية حتى يبدو وكأنها قد تخصصت في استثماره، ولا يبدو أن برنامج نيو تي في الجديد (مثلي مثلك) قد أضاف شيئاً لما قدم في هذا المجال من قبل، لأن الموضوع برمته يبدو أشبه بحلقة مغلقة أعتقد ـ وهو اعتقاد شخصي- أنه ليس من المفيد تضييع الوقت في الخوض فيها… فمعظم البرامج التي تتحدث عن المثلية، تلوك نفس الأفكار والمفردات، فهناك رفض المجتمع للشاذين جنسياً من جهة، وهناك عنصر الفضيحة حين يكتشف فرد شاذ في عائلة ما، وهناك الجدل الديني المحسوم، حيث حرمت جميع الأديان السماوية هذا الأمر، فضلا عن الجدل الطبي: هل هو مرض أم لا؟ وإذا كان مرضاً فهل يسهل علاجه؟ وإذا كان علاجه ممكناً فهل يُقدِم الكثير من الشاذين على طلب العلاج… أم هم راضون بما هم فيه؟ هذه المحاور نتابعها دائماً في كل البرامج، وفضلاً عن أنها صارت عناصر ثابتة في معالجة الموضوع، فهي لا تقود المشاهد إلى أي نتيجة محسومة، أو نقطة واضحة: المجتمع يرفض وهو محق في ذلك، والشاذون يرفضون رفض المجتمع لهم، أو يعتبرون ـ على الأقل – أنهم لا يد لهم في ما هم عليه… ويجب أن يتركوا وشأنهم. وبالتالي فالأمر ينتهي إلى صيغة (لا غالب ولا مغلوب) أو صيغة (لا بريء ولا مدان) على اعتبار أن ثقافة صناع تلك البرامج تسمح لهم بالتعامل بديمقراطية مع هذا الموضوع، ومع تسويق تلك النتيجة مهما كانت صادمة للذوق العام! أخيراً فأنا أعتقد أن مشكلة الإلحاح على الحديث عن الشذوذ الجنسي في التلفزيون… أي في الجهاز الأكثر تماساً مع ثقافة العائلة، ومع نمط حياتها اليومي، ليس مشكلة نابعة من دوافع تجارية تبحث عن الإثارة ورفع نسب المشاهدة ونسب الإعلانات وحسب، ولكن خطورتها تكمن في أنها تجعل هذا الموضوع يقترب أكثر فأكثر من صيغة الموضوع العادي الذي يمكن أن يثار الحديث حوله في أي وقت، وبمناسبة ومن غير مناسبة، وبالتالي يخرج شيئاً فشيئاً من دائرة الموضوع الصادم والمستهجن… ويتحرر من إرثه المحرم دينياً والمنفّر اجتماعياً. طبعاً يمكن أن نتصور أن هناك من سيعترض على هذا الاستنتاج، مطالباً بكل شفافية ألا يكون هناك موضوع مخفي ومحرم مناقشته في الإعلام… لأنه يجب أن تكون لدينا الجرأة والشجاعة لمواجهة كل الحقائق، لكن هذا الكلام النظري الذي قد نتفق حوله في المبدأ العام، أثبت فيما يتعلق بمثل هذه الموضوعات أنه عديم الجدوى والفائدة… فالشذوذ الجنسي يجب أن يواجه في عيادات الأطباء المختصين بمعالجته، وفي مراكز الاستشفاء التي يمكن أن تقدم خدمة شخصية يمكن أن تغير مسار من يصطلون بجحيمه وتفتح لهم نافذة أمل. أما أن نجعل من كاميرات واستوديوهات التلفزيون وسيلة لتقديم قصص هؤلاء ومعاناتهم، إما كنمط حياة يدافعون عنه، أو كمعاناة لا يعرفون كيف يتخلصون منها فهذا ـ في كلتا الحالتين- لا يفيد المشاهد في شيء، ولا أصحاب تلك الحالات التي تثير الشفقة أكثر من أي شيء آخر… وبالنسبة لتلك البرامج فاحتضانها للموضوع بات يثير الإحساس بالاحتفاء بالفضيحة أكثر من أن يشكل حالة من حالات مواجهة الحقيقة!

وأد استقلال الجامعات: الجريمة المنسية! طرحت قناة (الجزيرة) في حصاد يوم (الاثنين) قضية استقلال الجامعات، ووطأة السيطرة الأمنية والحكومية على نشاط الجامعات في مصر، على خلفية المظاهرة التي خرجت منددة بالتدخل الأمني وباعتداء ضابط شرطة على طالبة جامعية وضربها بحجة أنها رفضت السماح بتفتيش حقيبتها التي كان يعتقد الضابط أنها تحوي منشورات سرية! طبعاً لا نستغرب أن يخرج صوت بوق من أبواق النظام ليقول ان الجامعات تحولت في فترة من الفترات إلى دكاكين للسياسية وانحرفت عن مسارها وهدفها التعليمي، لذا كان من الضروري وضع ضوابط لها… فهذا الرأي سنسمعه من أي بوق لأي نظام عربي فيما لو طرحت قضية استقلال الجامعات في بلد آخر غير مصر، لكن الحقيقة المؤسفة التي يمكن تأملها في غير بلد عربي، أن أول أسفين دق في نعش الرأي العام كان التدخل الأمني في الجامعات، وقتل استقلالية الجيل الشاب في أولى سنوات تفتح طموحه الحياتي والفكري، لقد حرّمت الأنظمة الشمولية القمعية السياسة على طلاب الجامعات، وثمة الكثير من خيرة الطلاب أخذوا من مدارج جامعاتهم إلى غياهب السجون في أقسى عملية تدمير شهدتها بنية المجتمعات العربية، وقضوا سنوات وراء القضبان بسبب منشور وزعوه أو انتماء حزبي حر آمنوا به أو ربما تحمسوا له في لحظة اندفاع شبابي ليس أكثر، فكان الثمن الذي دفعوه أكبر بكثير من (الذنب) المرتكب، أو النزر اليسير من (الحرية) التي مارسوها! وكان البديل عن الحراك السياسي الذي كانت تشهده الجامعات، تأميمها وإلحاقها بالحزب الحاكم في هذا البلد أو ذاك، حيث صارت جامعاتنا دكاناً للحزب الحاكم، حلال عليه وحرام على الأحزاب الأخرى حتى لو كانت حليفة معه وتابعة له، وإذا كنا نشتكي اليوم من تفاهة جيل شاب غير معني بالحياة والنهوض والتطوير، وبأمية جيل جامعي صار خارج معادلات التغيير… فيجب ألا نلوم شباباً صارت جامعاتهم معقلاً للهتاف وللرأي الواحد وكتابة التقارير الأمنية، بل نلوم من أعدم أمنيات تلك الأجيال، وشل حراك رأي عام بأكمله عبر قتل روح التنوع والاستقلالية في الجامعات… فتحية للمتظاهرين الشباب في مصر الذين خرجوا كي ينفضوا الغبار عما علق في حياتهم الجامعية من ركود وشلل… وشكراً لقناة (الجزيرة) التي جعلت من خبر تلفزيوني محوراً لقضية مهمة تستحق أن تناقش بالعمق! إقالة مدير تلفزيوني: حسم أم تسرّع؟ بعد أقل من خمسة أشهر على تسلمه مهام عمله كمدير للقناة الأولى في التلفزيون السوري… أقال وزير الإعلام د. محسن بلال، الزميل معن صالح بشكل مفاجئ، في الوقت الذي كان يستعد فيه لإطلاق أول دورة برامجية، قيل إن فيها ثلاثين برنامجاً تلفزيونياً جديداً. وكان موقع (داماس بوست) الالكتروني السوري، قد انفرد بنشر الخبر الذي فتح كالعادة سيلاً من التعليقات الشامتة 99% منها مكتوبة من أشخاص من داخل التلفزيون السوري، كما هو واضح من التفاصيل التي وردت في تعليقاتهم الانتقامية، التي تعكس غياب أي معنى لروح الزمالة! وبعيداً عن أي شعور بالشماتة تجاه زميل إعلامي يبدو مصيره مشابهاً لمصائر مديرين كثر قبله… فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تعكس هذه الفترة القصيرة جداً، التي لا تبدو فرصة موضوعية كافية لاختبار عمل مدير أي قناة تلفزيونية في العالم، إحساس السيد الوزير بخطأ انتقاء الزميل صالح وتعيينه في هذا المنصب من الأساس؟ وهل يبدو القرار حاسماً أم تشوبه سمة التسرّع؟ في كل الأحوال يكشف هذا الإجراء حالة التخبط التي تطبع قرارات التطوير والتغيير في الإعلام، وربما كان يستحق الزميل معن صالح فرصة أطول كي يثبت إن كان قادراً على صنع شيء أم لا… ولطالما منح غيره فرصاً طويلة من دون أن يضيفوا سوى المزيد من الفوضى والخراب… وفي النهاية فإن هذه العقلية التي تتسرع في التعيين والإقالة، تقتل أي بارقة أمل في تطوير الإعلام السوري، في زمن أحوج ما نكون فيه لإعلام وطني يدافع عن صورتنا!

ناقد فني من سورية[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية