‘البلاك بيري’ وإخوته.. وسيلة تحرير أم قمع للمستضعفين؟

حجم الخط
0

خضير بوقايلة دفعة واحدة اكتشفت الحكومات العربية (الرائدة) أن جهاز البلاك بيري قد يتسبب في أزمات خطيرة يمكن أن تصل حد إلحاق أذى كبير بالأمن القومي والسلامة الوطنية، ومنه اكتشف المواطن العربي العادي أن بإمكانه أن يتغلب على جبروت أنظمة الرقابة والقمع بواسطة جهاز صغير هو متوفر في الأسواق المحلية بأسعار معقولة. لماذا لجأت حكومتا دبي والرياض مثلا إلى إخراج صراعهم ا ضد البلاك بيري إلى العلن ولماذا فضلت حكومات أخرى عدم الخوض أمام الملأ في هذا الجدل الذي تسبب فيه هذا الجهاز الخلوي الصغير؟ أغلب الظن أن خيار الصراع العلني جاء بعد أن فشلت مساعي الكواليس وأن الصامتين لا يفعلون ذلك احتراما وتقديسا لحرية المواطن في التعبير ولا لأنهم لا يخشون على أمنهم مثل غيرهم بل لعلهم لا يزالون يأملون أن تتوج مفاوضاتهم مع شركة ريسيرش إن موشن (ريم) الكندية مصنعة جهاز البلاك بيري باتفاق سري يحفظ لهم حقوقهم في التجسس والسيطرة على مواطنيهم، أم لعلهم اختاروا طريقا أقصر معتمدين على خدمات من هم أقدر منهم على رفع التحدي أمام الشركة الكندية.

هذه الأخيرة لم تبد مقاومة كبيرة ولم تظهر حريصة كثيرا على مصالح عملائها ولو أدى بها ذلك إلى خسارة مادية محتملة حيث سارعت إلى التنازل أمام المطالب العربية والهندية أيضا بالاتفاق على تسهيل مهمة الاطلاع على أسرار المواطنين الإلكترونية ولسان حالها يقول لماذا أبقى وحدي أصارع الرياح العاتية وأعصف بمستقبلي ومصالحي المادية بينما كل المنافسين الآخرين مستسلمون إضافة إلى أن مستعملي هواتفي من العرب ليسوا بتلك الدرجة من الوعي والحمية حتى يثوروا ضدي أو حتى يهددوا بمقاطعة منتوجي حرصا منهم على حرياتهم. لكن، ماذا لو ركبت الشركة الكندية رأسها ورفضت الرضوخ للضغوط؟ هل ستصل الحكومات العربية إلى حد تنفيذ وعيدها بقطع خدمات البلاك بيري على أراضيها؟ شركة ريم حرمتنا من معايشة هذه التجربة، لكن الأكيد هو أن هذه الحكومات لن تقدر على منع خدمات البلاك بيري على أراضيها، ليس حرصا على سمعتها في محافل الديمقراطية الدولية بل خوفا على إضاعة فرصة ثمينة لمراقبة مواطنيها ومعرفة المزيد من أسرار حياتهم الخاصة والعامة. ولا بد أن نعترف هنا أن الوسائل التكنولوجية الحديثة على غرار الهاتف والإنترنت بقدر ما تساهم في تنوير الشعوب وتمكينها من التحرك والتواصل بحرية ويسر بقدر ما تسهل مهمة الأنظمة والحكومات الديمقراطية منها والشمولية في فرض رقابة أكبر على المجتمعات وشبكات تواصلها، ولو لم يكن الأمر كذلك لما تنازلت وزارة الدفاع الأمريكية بسهولة عن واحد من أهم اختراعاتها (الإنترنت) لشعوب العالم أجمع.

لا أحد ينكر أيضا أن كثيرا من الفضل في الحفاظ على الأمن العام للدول الكبرى يعود بالدرجة الأولى إلى الوسائل التكنولوجية الحديثة وعلى رأسها الإنترنت، فقد قرأنا جميعا وسمعنا كيف أن أجهزة استخبارات كبرى أسقطت في فخها تنظيمات متطرفة وشبكات إرهابية بعد أن ساعدتها دون علم منها على بناء شبكات تواصل (آمنة وسرية)، ولعل القارئ الكريم يذكر كيف أن حكومة عربية غضبت على أمريكا عندما حظرت موقعا إلكترونيا لتنظيم جهادي متطرف، ومحل الغضب ليس لأن هذه الحكومة متعاطفة مع الجهاد والإرهاب، معاذ الله، بل لأنها هي التي أنشأت ذلك الموقع وسهرت على إدارته واعترفت أنها قطفت به رؤوس أعداد كبيرة من المتطرفين والجهاديين.

رضوخ الشركة الكندية ريسيرش إن موشن السريع لتهديدات الحكومات العربية كان طبعا على خلفية أنها (تواطأت) قبل ذلك مع حكومات غربية على غرار الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا بطبيعة الحال، فلماذا لا تفعل ذلك مع الصغار أيضا؟ مع أن الصغار كان بإمكانهم أن لا يقيموا هذه الضجة وأن يلجأوا في حالة البلاك بيري إلى خدمات الكبار التي يستفيدون منها منذ سنوات طويلة. ولا يخفى على المواطن العربي أن تحركاته ونشاطاته في مجملها معروفة بأدق تفاصيلها من طرف (الإخوة الكبار) الذين يزودون حلفاءهم من حكامنا بما يحتاجون إليه من معلومات عنا وأكثر. ولو كان الأمر مقتصرا على المعلومات الأمنية ومراقبة النشاطات التي تشكل خطرا أمنيا على الدول لهانت، بل إن صلة القربى وتشابك المصالح تجعل الحكومات الكبرى عادة ما تتغاضى عن مبادئها في الحرية والديمقراطية وتسخر نفسها ووسائل مراقبتها لتزويد الحلفاء بما يؤدي إلى قمع وتعذيب وسجن مواطنين لا علاقة لهم لا بالإرهاب ولا بالعمالة بل كل ذنبهم هو أنهم كتبوا أو قالوا كلاما لا يرضي الحاكم سياسيا.

التجسس على المواطنين ليس صنيع الحكومات الشمولية العربية والعالم المتخلف بصفة عامة بل إن أجهزة الاستخبارات في الدول الكبرى من الديمقراطيات العريقة تتابع أيضا تحركات مواطنيها في كل مكان، لكن الفرق بيننا وبينهم هو أنهم لا يسجنون ولا يعذبون ولا يقتلون من ينتقد نظام الحكم ورموزه بينما جماعتنا لا تتورع عن قتل الأبرياء وترويعهم لمجرد أنهم عبروا في رسالة إلكترونية أو مدونة أو في اتصال هاتفي عن غضبهم من هذا الحاكم أو ذاك أو أحد من أبنائه وأقاربه المعصومين. وهذا ما يدفعنا للتساؤل لماذا لا يتم التفكير في الأوساط الدولية على بناء نظام مراقبة أشمل وأشد تقيدا بالمبادئ العامة لحقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة؟ لا يمكن لأحد بطبيعة الحال أن يتحدث عن عالم بلا مراقبة لأن الواقع أمامنا والجمهورية الفاضلة لم تر النور بعد، ثم إن هناك فرقا بين المراقبة والرقابة. وقد أثار بعض الكتاب والمعلقين مؤخرا مسألة الأمن والحرية وتساءلوا إن كان الأجدر التضحية بالأمن العام مقابل حرية التعبير أو تقديم حرية التعبير والحركة على الأمن، وهذا ما يدفع للتفكير في إيجاد طريق وسط بين هؤلاء وهؤلاء. فبما أن المراقبة صارت أمرا واقعا لا ينكره إلا متنطع فلماذا لا يعهد بهذه المهمة إلى جهات تكون أرحم على الشعوب من الحكومات الشمولية والديكتاتورية؟ وهذا من شأنه أن يشجع الشركة الكندية وغيرها من فرض قواعدها على الحكومات، قواعد تحدد الخطوط العريضة للنشاطات الجديرة بالتصنيف في خانة المساس بالأمن العام وهي التي تسمح بنقلها إلى الحكومات والأجهزة الأمنية المعنية دون غيرها، وهذا من شأنه طبعا أن يقي المواطن العربي مثلا من شر زبانية أنظمة القمع فلا يصلون إليه ولا يمسونه بسوء لمجرد أنه رأى رأيا مخالفا لرأي حكامه أو طالب بتغيير النظام الفاسد في بلده.’ كاتب وصحافي جزائري[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية