الثقافة المجتمعية ومسألة درجة المسؤولية في البيئة المبنية!

حجم الخط
0

د. وليد أحمد السيد

حركية البيئة والأعيان والنماذج الإذعانية في الفصل الافتتاحي يطرح الكاتب مقاربة لمحاولة التأسيس لمفاهيم وأفكار الكتاب وتتمحور بكليتها حول ‘ المسؤولية’ تجاه أعيان البيئة وتأثير درجة المسؤولية في البيئة من قبل الفرق المسيطرة والمالكة والمستخدمة على حالة الأعيان فيها. وفي سبيل تحقيق أطروحته يتبع الكاتب منهجية غير معهودة أكاديميا بسلسلة من العناوين التي تطالع القارئ دون ترابط منهجي بينها بما يرمي القارئ النبيه في حيرة بشأن الوجهة التي سينتهجها النص ـ وذلك غير معهود أو مقبول أكاديميا. فيبدأ الفصل بعنوان حركية البيئة ( والتي يقصد بها محددات التعامل مع موجودات البيئة)، قبل أن ينتقل فجأة إلى الكلام عن ‘ ثروات الأمم’ في الصفحة اللاحقة ويقود القارئ إلى متاهة من الافتراضات بخصوص نزاعات السكان حول زرع شجرة، وأين ستزرع! ( صفحة 34). وبعد عدة صفحات من الحيرة حول وجهة النص ( صفحة 37) يطالع القارئ فقرة ‘ معترضة’ تفضح التركيبة الركيكة للنص، ليعلن الكاتب ‘ أن أحد أهداف هذا الكتاب توضيح نماذج المسؤولية في البيئة التقليدية والتي انبثقت من الشريعة الإسلامية، إلخ’. ومن المعلوم أكاديميا أن النص الرصين يكتب بشكل متسلسل ومنطقي ‘ كقطعة واحدة تفصلها بعض العناوين للتوضيح فقط’ وليس بمحاولة ‘ ربط’ الأطروحة غير المترابطة بسلسلة من العناوين!

يعمد الكاتب إلى تقديم سلسلة من الأمثلة التي رصدها في البيئة المحيطة بها، والتقط بضع مشاهدات ‘ سطحية’ وشاذة وقام ببناء أطروحة وفرضية اعتمادا عليها في هذا الفصل وفصول لاحقة مفادها ‘ ضياع المسؤولية في البيئة’ بوضعها الحالي. واستشهد بأجير مهمل استعمل خرطوم ماء كبير القطر بهدف تقليل وقت السقاية على حساب إهدار الماء. وفي حالة أخرى شاهد كرسيا ملقى في الشمس فسارع بإخراج الكاميرا والتقاط صورة كي يبني على هذه المشاهدة وغيرها الأطروحة المذكورة ويقنع القارئ السطحي بفكرته. ولنا مشكلة أساسية مع بناء فرضية وأطروحة عامة من مشاهدات جزئية وخاصة. فالبناء على الشاذ أو الممارسات الفردية التي لم ترق لمستوى ‘ الظاهرة’ هي عملية مرفوضة أكاديميا وعلميا وليست منهجية بالمفهوم العلمي للكلمة. فالقاعدة البدهية المتعارف عليها منذ ‘ اختراع الكتابة’ هي أن ( الشاذ لا يقاس عليه ولا يستدل به). وقبل أن ندخل في نقاش جدلي مع الكاتب فيما ذكرنا، نرى أن المنهجية العلمية والأكاديمية الرصينة تقتضي وبالضرورة القيام ببحث علمي موسع مبني على دراسة ‘ شاملة’ قبل بناء أطروحة ما. فلا تكفي مشاهدتان أو ثلاث مشاهدات مع صورتين لممارسات فردية لتحويلها إلى ‘ ظاهرة’ منتشرة في المجتمع لمحاولة بناء أطروحة عامة حول المسؤولية في البيئة! المنهجية الرصينة التي تغيب هنا هي ‘ رصد شامل’ للمخالفات البيئية والمبني على دراسة علمية منهجية حول الممارسات البيئية المسؤولة واللامسؤولة وتحليلها بيانيا، فإن زادت الأولى على الثانية بنسبة أكثر من خمسين بالمئة عندها تصبح ظاهرة ويمكن آنئذ، جدلا، أن يستشهد بها الكاتب لدعم ما يقول وما ينوي البناء عليه من فرضية أو أطروحة. أما الأمثلة والمشاهدات بوضعها الحالي في الكتاب فلا تعدو كونها ‘ جزئيات’ متناثرة تم التقاطها من هنا وهناك، وهذه ليست مقبولة علميا ولا أكاديميا! ومن هنا فردّنا على هذه الأمثلة المتناثرة سيكون بحالات فردية أيضا نزعم أنها تدحض هذه الفرضية الهشة التي بنى عليها الكاتب أطروحته. إشكالية أساسية أخرى يثيرها النص في الفصل الأول تتمثل في ‘ الذهنية الإفتراضية’ التي تشيع بشكل مذهل، حيث تسود الاستعانة ‘ بالأمثلة’ الكثيرة لتقريب الفكرة للقارئ. وهي منهجية لا غبار عليها إن كان الطرح واقعيا، لكن المتأمل للنص يتعجب من الافتراضات اللامتناهية في ‘ المشكلات الوهمية’ التي يبني عليها ويتخذها كمسلمات وحقائق بدهية. فالمغالطة الأساسية أنه من أجل تقديم التعريفات والأسس التي يبني عليها أطروحته الأساسية للكتاب برمته ينبغي تقديم تصور شامل متكامل للحالات التي يقدمها. ورغم أنه بدأ الفصل بالاستعانة بما لا يحصى من الأمثلة ‘ والافتراضات’ التي تعيد للأذهان ما ساد في فترة متردية من العصور الإسلامية بما يعرف ‘ بالفقه الذي يثمر بالافتراض’، إلا أن الفرضيات التي يقدمها، فضلا عن كونها قاصرة وغير شاملة، فهي غير واقعية حيث يغرق الكاتب في تقديم صور المشكلات المتفاقمة في حال زراعة شجرة في الطريق ومن سيقوم بسقايتها وكيف أن الجيران سيختلفون على تناوب سقايتها أو استئجار عامل سيكون مهملا وستموت الشجرة وسلسلة لا متناهية من ‘ فقه الإفتراض’. والسؤال هو: ‘ كيف’ جزم الكاتب ‘علميا’ بأن هذا سيكون الحال؟ وإن كان الكاتب ينظر بهذه النظرة السوداوية لحال الجيرة في البيئة العربية، وهو مرة أخرى يقدمها لنا دون دليل علمي أو دراسة أكاديمية رصينة أو بحث ميداني مستفيض، فهذا وبالضرورة سيدحض مسبقا أية فرضية سيقدمها في الكتاب! فهل يظن الكاتب أنه والحال هكذا من اختلاف الجيران في هذه البيئة الحضرية، سيكون هناك ‘ حل سحري’ ستقدمه الشريعة لرفع عطاء البيئة ورفع مستوى المسؤولية من قبل السكان تجاه أعيان البيئة؟ الخلل الأساسي في تقديم الكاتب للبيئة بهذه الصورة النشاز، ولأنه استند لمجموعة مشاهدات محدودة بنى عليها صورا سوداوية ‘ كظواهر’ منتشرة في البيئات الإسلامية برمتها، هو أن ذلك إنما هو تعميم خاطئ من ناحية أكاديمية فربما ينطبق هذا الحال على البيئة التي يعيش فيها لكنه لا ينطبق بالضرورة على الإقليم المجاور ـ رغم أنه لم يقدم ما يثبت دعواه سوى صورة أو اثنتين وحوار ‘ ساذج’ وهمي مع مجموعة من ‘ أعيان’ البيئة التي ربما تشكو حالها وسوء استخدامها! والمفارقة أن النص يناقض بعضه بعضا، فبعد ثلاثة فصول في الكتاب يطالعنا الكاتب بفكرة ‘ حوار التفاهم والاتفاق بين الجيران’ حيث يتناقض مع ما طرحه هنا من ‘ افتراضات وهمية بالمشكلات المتفاقمة بين الجيران’ ليعتقد أن ‘ من المتوقع أن يكثر الحوار بين الجيران لحل خلافاتهم والوصول إلى اتفاق في التواجد المستقل وإلا فإن الفوضى ستعم البيئة. فالكثيرون يعتقدون أن البيئة لن تستمر إلا بالأنظمة والقوانين؛ وهذا صحيح إلى حد ما، لأن البيئة إذا تسلط عليها فريق من الفرق الساكنة فقد يضر بالآخرين بتعسفه وظلمه، ولكن إذا تساوت جميع الفرق في الحقوق (كما هو الحال في الشريعة)، فإن عدم وجود القوانين سيؤدي إلى الحوار والاتفاق بين الأطراف المتنازعة، وبالتالي إلى بيئة تعتمد على الاتفاق وليس القوانين’- صفحة 146. وتبرز هنا فكرة ‘ اللاسلطة’ في المدينة والتي يتبناها وسنناقشها في قراءتنا للفصل الرابع.

المشكلة الثالثة هي أنه يزعم بأن الحل وبتطبيق الشريعة يجب أن يكون بتحويل ‘ أعيان البيئة’ من نماذج ‘ إذعانية مشتتة’ أو ‘ إذعانية ترخيصية’ لنماذج ‘ إذعانية متحدة’ حيث يكون الفريق هو المستخدم والمالك والمسيطر في آن واحد، وذلك لضمان أفضل حالة للأعيان في البيئة وضمان أكبر مسؤولية تجاهها من قبل الفرق. وهي فكرة غاية في الطرافة، وأشبه ما تكون بدعوة لزيادة ‘ الملكيات الخاصة’ في البيئة بأقصى حد ممكن وفي نفس الوقت تقليل إن لم يكن ‘ محو’ الملكيات العامة لأقل حد ممكن بما يؤول للصفر، بمعنى أن المدينة العربية ستكون عبارة عن ملكيات خاصة بأقصى حد ممكن بما يؤول للمئة بالمئة إن أمكن! الطريف في ذلك أن هذه المنهجية ستغذي النزعات الخاصة عند المسلمين بالتملك وحب الذات والمغايرة مع الآخرين، وستكون مدينة قاحلة من ‘ الأماكن العامة’ ومناطق التفاعلات الاجتماعية، فكل آمن في داره وفي حديقته الغناء ذات الأشجار المثمرة وعابرو السبيل يجوبون الطرقات القاحلة من أي ظل أو شجرة أو مكان للجلوس ـ فيما يعم الصمت رخيما وتصفر الرياح في شوارع المدينة التي تجوبها كرات القش المتدحرجة بما يحاكي صحراء الغرب الأمريكي! كل ذلك كيلا تزرع شجرة في مكان عام ويختلف أهل المدينة على سقايتها ورعايتها ولئلا تتبدد موارد الأمة بزرع أشجار كثيرة لا تخضع لنفس المالك والمسيطر والمستخدم كما يذهب في فرضيته!! ومن المغالطات المنهجية الأساسية التي وقع فيها الكاتب محاولاته المستمرة والجهيدة لتحييد أثر العوامل المحيطة من ثقافية واقتصادية واجتماعية وسياسية ونمط حياة وثقافة سائدة، والطلب من القارئ التسليم بضرورة مناقشة حالات الأعيان من وجهة نظر ‘ هذه الأعيان’ (الجمادات) ومحاولة ربط هذه الحالة مع التشريع الإسلامي. في تعريفه للنماذج الإذعانية في هذا الفصل ( ص 40 ـ 44) يعلن الكاتب أنه سيفصلها عن عوامل مؤثرة أخرى. ورغم أنه، مجاملة للقارئ، لا يقلل من أهميتها إلا أنه ‘ يهملها تماما’ وينتقل إلى الحديث لموضوعات ‘ انتقائية’ لاستدراج القارئ لنتائج مسبقة تفضحها القفزات المفاجئة بين الفقرات المختلفة والتي تخلو من التسلسل المنطقي ـ نزوعا نحو الهدف الأساسي للكتاب وهو توظيف هذه المصطلحات الأساسية في فهم ‘ خاص’ لمبادئ الشريعة في التحكم في البيئة التقليدية في المدن العربية ومحاولة تفسير النتائج بناء على النصوص والوقائع والنوازل. ومن أهم العوامل التي لا يلقي لها بالا ويتجنب ‘ عمدا’ الحديث فيها هي العوامل الثقافية ـ بمعنى الثقافة المجتمعية السائدة ومدى تأثيرها على حالة الأعيان في البيئة. وهذه لا يمكن بحال التقليل من أهميتها، بل على العكس فتجاوزها يقلل من أهمية البحث والنص، وبخاصة حين تناولها بمعرض المقارنة العاجلة ‘ والسطحية’ بين ثقافتين. ومن الجائز أن الكاتب تجنب الخوض فيها عمدا لسببين: الأول هو محاولة إعطاء أقصى أهمية ممكنة لدور الشريعة في البيئة المبنية، والثاني ـ للتقليل من أثر هذه العوامل على مسؤولية الفريق في البيئة وحالة الأعيان. والسبب الثاني هو ما يبطل في الحقيقة الأطروحة العامة للكتاب ولذلك فقد رمى به الكاتب في الهامش تماما.

فمسؤولية الفريق تجاه الأعيان في البيئة لا تنبع ( فقط) من دور النظام المسيطر على أعيان البيئة ( سواء أكان هذا النظام هو البلدية أو الدولة أو ‘ الشريعة’ كما يزعم الكاتب) لكنها تنضوي أيضا تحت مظلة ‘ كودات اجتماعية وثقافية’ مسيطرة في البيئة تعمل على التحكم في سلوكيات الأفراد أكثر مما يمكن لنظام قمعي مسيطر أو لنظام تشريعي إسلامي أن يفعله أو يسيطر من خلاله على ما يفعله الفرد. وفي الحقيقة فالأمثلة والشواهد بالمقارنة بين الثقافات المختلفة ( الإسلامية التي تحتكم للإسلام والشريعة، والوضعية التي لا تؤمن بالغيبيات) تظهر تناقضا وتباينا واضحا بين الحالتين. ففي المجتمعات الغربية ـ ومن معاينة واقعية لعقد ونصف عقد ـ تتحكم في سلوكيات الأفراد في الأماكن العامة ليست الأوامر والنواهي الغيبية الدينية، وليست القوانين الحكومية، ولكن ‘ ثقافة اجتماعية’ سارية تقفل أحكامها تماما على حركة وسلوكيات الأفراد طوعا وليس قسرا بما يجعل هذا الفرد الغربي بنمط تفكيره ينتمي إلى عالم متقدم ويجعل الفرد العربي منا بتفكيره ينتمي إلى عالم ثالث. وهناك أمثلة لا تحصى من مشاهدات واقعية. فمثلا ذات مرة وفي المجاورة السكنية التي أقيم فيها في لندن، وأثناء عودتي إلى البيت من العمل بقطار الأنفاق، كانت السيارة مع زوجتي سارة لتأخذ صغيرنا موسى للمكتبة القريبة لدروس أسبوعية يواظب عليها، وكان عليّ أن أحضر بعض حاجيات البيت من المتجر الكبير القريب من بيتنا، وكالمعتاد ‘ خدعتني’ عولمة الاقتصاد كزبون، فبدلا من شراء ربطة خبز ضرورية فقط خرجت من المتجر ومعي كيسان أو ثلاثة مما ‘ ثقل’ حمله ‘ورخّص’ ـ بتشديد الخاء للمبني للمجهول ـ ثمنه. وبعد أن أكلت ‘ المقلب’ كان عليّ المشي إلى المنزل لمسافة بجوار بحيرة اصطناعية جميلة تجاور منزلنا، وتثاقلت همتي عن ممارسة مهنة ‘ العتّال’ التاريخية التي سادت في المدينة ‘ الإسلاموية’ دام فضلكم، وآثرت أن ‘ أستخدم’ عربة المتجر بجرها للمنزل على أن أعيدها لاحقا. ولم يكن من قانون أو تعليمات تمنع من ذلك. وما إن وصلت البيت حتى استقبلتني على عتبة العمارة جارة لنا إنكليزية شقراء حسناء هيفاء في ربيع العمر، لا تؤمن بشريعة ولا دين سماوي ولا أرضي، وكانت قد نزلت مسرعة بقدميها الحافيتين بعد أن سمعت صوت عربة المتجر يقرقر على قارعة الطريق، فسارعت للقائي أسفل العمارة وقالت بكل شجاعة وأدب جمّ مما جعلني أذوب خجلا وحياء بالحرف الواحد: ‘ لا يفترض بك أن تقوم بهذا العمل، فهذا مخالف للبيئة!’ وبتعبيرها الإنكليزي (You re not suosed to be doing this,، this is not environmentl)! وهكذا تعلم كاتب هذه السطور درسا في التعامل مع البيئة المحيطة من فتاة حسناء إنكليزية لا تؤمن بالله ورسوله! نعم ‘ أخطأ أبو موسى وأصابت امرأة انكليزية لا دينية (theist)!’ وتعلمت منها أن مهنة ‘ العتالة’ بعد ابتلاع مقلب من المتجر خير من ‘ استعمال’ ـ وليس حتى ‘ تخريب’- ممتلكات العامة وتركها بشكل بيئي مؤذ بما يربك ‘ انسجام’ البيئة المحيطة. وبالمناسبة لم أكن ‘ خارقا’ لأي قانون عام، ولو كان ذلك كذلك لا سمح الله، فلن تنزل لي هذه الجارة موبخة، بل كانت ستعمد إلى رفع سماعة التليفون وطلب الشرطة على الفور! والسؤال هو: ‘ ما الذي يحدو بهذه الجارة والتي لا تؤمن بشريعة أن تحرص على البيئة المحيطة والممتلكات العامة؟ أليس الذي تحرص عليه هو ممتلكات غيرها وبيئة تحفل بما لا يحصى من ( النماذج الإذعانية المشتتة)’؟ حادثة من عشرات حصلت أذكرها هنا أيضا. فلي صديق عربي من دولة خليجية مقيم في بريطانيا وهو أستاذ جامعي. تحادثنا على الهاتف وقال لي ضاحكا:’ أتدري ماذا أفعل الآن؟’، قلت له: ‘ ماذا تفعل؟’. قال لي: ‘ أنا أمشي في الطريق ومعي كيس ألتقط به ( فضلات) كلبتنا التي اقتنيناها مؤخراـ وهي كلبة ضخمة من النوع البوليسي! فالقانون يحظر المشي مع الكلاب في المنتزهات والطرقات ويجب على صاحب الكلب أن يتأكد أن الكلب لا يلوث الطريق! هذه هي نظرة المشرّع الغربي ونظرة الأفراد ‘ كثقافة يومية اجتماعية’ تجاه البيئة وموجوداتها وحالتها من نماذج ‘ إذعانية مشتتة’ يستعملها العموم لكنهم يحرصون عليها كما يحرص أحدهم على ممتلكاته الخاصة. فالسبب هو شيوع ‘ ثقافة التعايش’ في البيئة، فإن كانت البيئة المحيطة سليمة والنظام بها تاماً انتفع بها الجميع دون الحاجة إلى نقل وقطع الأشجار العامة وزرعها في الأفنية الخاصة في البيوت الإسلامية كما يشير الكاتب، ومن هنا تجد أن ‘ الاتحاد الأوروبي’ كثقافة غربية يتعايش في سبيل مصلحة الجميع متناسيا الحروب القاسية بينهم، في الوقت الذي لا تنجح فيه دولتان عربيتان متجاورتان ‘ مسلمتان’ في الاتفاق على أمر واحد لمصلحة شعبيهما! فالفرد في الغرب عليه أن يستعمل ‘ الطريق’ ويحترمه ويحترم غيره، فإن اقتنيت حيوانا بيتيا وسرت في الطريق فأنت مسؤول أيضا عما يفعله ذلك البهيم مسؤولية تصل إلى حد ‘ التجريم القضائي’ بالمنظور الغربي وليس المسؤولية الأدبية أو الأخلاقية فقط. وكثيرا ما يمر بالواحد منا في منتزه عام أو في الطريق كلب تركه صاحبه دون طوق، فيسارع صاحبه أو صاحبته لمناداة الكلب باسمه ‘ والاعتذار’ منك لتعكير ‘ الكلب’ لصفاء البيئة أو تعكير هدوئك ومشيتك. ومن يريد معرفة الفرق بينهم وبين طريقة تعاملنا مع بيئتنا فليزر أية مدينة عربية، في شمال إفريقيا مثلا، وليقم بتعداد ‘ المخالفات الشرعية’ للآداب الإسلامية في ‘ حق الطريق’. فهل يمكن لعربية حرة، محجبة أو سافرة، أن تسير في طريق دون أن تلاحقها النظرات ‘ الشبقة’ والمعاكسات الدنيئة الساقطة من قبل ‘ أحمد’ و’ محمد’ و’ عبد العزيز’ وليس ‘ جاك’ و’ جورج’ و’توم’! ألا نقرأ ما يجري من تفاهات في شوارع المدن العربية من تحرش ‘ جنسي’ يصل إلى حد ‘ اللمس’ في الشوارع من كافة فئات المجتمع بمن فيهم ‘ الشرطة’ عملا بمبدأ ‘ حاميها حراميها’! نعم من لا يصدق فليبحث عما يحدث في شوارع مصر أو الجزائر أو تونس أو المغرب من ‘ انتهاكات أخلاقية’ يومية للطريق ومستخدميه ـ مما لا يحدث في شوارع الغرب الكافر. إذن المسألة ليست مسألة تحويل البيئة من ‘ نماذج مشتتة’ إلى ‘ نماذج متّحدة’ كما يدعو الكاتب عملا بتطبيق ‘ فقه التخبط’ العمراني، أو تحويل حجم الفريق المسيطر على البيئة! المسألة مسألة ‘ بناء نفوس’ أضحت مريضة ـ وهذه هي مقاصد الشريعة الفعلية والأساسية. ولدعم ما أقول، هناك مثال واضح وفاضح حصل في إحدى المدن السعودية، فإحدى المستورات كانت في عقر بيتها وزوجها في العمل حين فوجئت بجارها، المواطن السعودي، وهو يقف في منتصف الصالة وقد تسوّر عليها الجدار، فركضت للمطبخ تبحث عن سكين لتشق قلب هذا الجار السفيه الفاجر الذي لاذ بالفرار. أي نموذج ‘ إذعاني متّحد’ وأي حرمة لبيت يا هذا في مجتمعات باتت تنعزل عن مقاصد الشريعة وهي بناء النفوس وليس المدن؟ هل هناك أخص من خصوصية البيت وحرمته التي حرمتها الشريعة وحضت على الجار الأربعين؟ أي ‘ إذعاني متّحد’ وإذعاني ‘ مشتت’ في بيئة تظن أن الشريعة بتحويلها وحضها على الملكية الفردية، حيث المالك والمستخدم والمسيطر هو نفس الشخص، ستتحصل ‘ السعادة الاجتماعية’ الدائمة ـ كما يكتب صاحب الكتاب؟ وللحديث بقية.

معماري وأكاديمي – لندن[email protected]لندن في 17 آب ( اغسطس) 2010 الموافق 7 رمضان 1431

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية