الغناء العربي على مائدة الصمت

حجم الخط
0

كثيراً ما يستغربُ المتتبعُ من جمهور الفن الموسيقي تدهور المستوى الفني للاغاني بشكل عام عما كانت عليه في الأزمان المنصرمة من حيوية ونشاط ملحوظ في تأثيرها على ذات المستمع وما تحدثه من انعطاف نفسي فيه، من حيث استدراج العاطفة وتهذيبها بترقرق مترف أو جدية حازمة يتلوها الأثرُ الواضح في تغيير الشخصية السلبية أو تثبيت الشخصية الايجابية بحسب نوعية فكرة المادة الفنية المطروحة على ساحة الاستماع، وكم من الجلسات الفنية واللقاءات الصحافية تعقد على طاولة هذا السؤال ولا ينتهي حلُّ هذه المعضلة إلا على أنَّ الأعمالَ الفنية َالقديمة تـُصنف بأنها أصيلة بجمالها وبنائها ولا يُبحث عن سبب أصالتها من حيث الدواعي النفسية لإنتاجها بهذه الصورة الرائعة، وبالتالي تركن إلى زاوية أزمانها فيقال عنها انها أغنية الستينات أو السبعينات أو الثمانينات، وعلى الرغم من أن أسلوب الترتيب الزمني له مستجداته على انفعالات الفنان من خلال تجدد الأحداث الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على البقعة التي يعيش فيها الفنان، ولكن هذا السبب لا يبررُ نسبة اشتغال العاطفة والشعور عند الفنان بالفن بقدر ما تفرزه مصداقية عمله الفني من اثر حرصه الفطري على موهبته والحيلولة في كيفية إبرازها بالشكل المميز، فقد أثرت القنوات التجارية على مستوى الذوق العام للموسيقى بشكل سلبي أكثر مما هو ايجابي بترويجها للاعمال المقدمة لهم وعدم تخضيعها للرقابة الفنية، مما أدى إلى انتشار الهتافات المجنونة والأهازيج الماجنة بحجة سرعة الزمن ومتطلبات الحداثة على حساب حقيقة الفن، فأحياناً نسمعُ صوتاً جميلاً يؤدي كلاماً مبتذلاً وعلى العكس، وأحياناً لا هذا ولا ذاك كأن الساحة خليت إلا من أغاني المراهقين والعناصر المتطفلة التي تتشدق ُ بالفن ولا تمت لهُ بصلة حتى أنـهم اصطنعوا لها اصطلاحاً جديداً فأسموها (الأغاني الشبابية) فالجمل النغمية الأصيلة التي تنبع من إحساس صادق سوف تستحوذ ُ بلا شك على عواطف الجمهور في مختلف الفئات العمرية، وبالتالي لا نحتاج التصنيف العمري للمستمع؛ فلو رجعنا إلى أسس تكوين الأغنية نراها ترتكز إلى خمس ركائز فنية: الفكرة / الكلمات / التنغيم (اللحن) / التوزيع/ الصوت. وما يهمنا في موضوعنا هو الكلمات وطريقة تنغيمها، طبقاً إلى فكرة المادة الفنية، فإننا نرى أن لوجود القنوات الفضائية التجارية أثرا واضحا في ترويج الكلمات الساذجة والماجنة التي تحاكي طبقة المراهقين، من دون أن تخضع النصوص إلى لجنة فحص من الشعراء ذوي الخبرة وأخرى لفحص الأصوات ومساحتها النغمية على عكس ما كان يجري في الحقب الزمنية السابقة. فعدم فهم النظام الرأسمالي وتطبيقه بهذه الطريقة اللانظامية أدى إلى شيوع المارثون المالي بغطاء فني مُفبركٍ، فأصبح الفنان لا يبالي بماهية عمله الفني ومدى تأثيره أو عدم تأثيره في المجتمع، ناهيك عما تمارسه العولمة الحالية في بعض الدول التي تفتقرُ إلى التراث الحضاري، حيث استطاعت أن تستقطبَ الفنانين من اجل أن يغنوا بلهجتها الدارجة لأغراضٍ سياسية واجتماعية، ثم تدعمهم اعلاميا فتحشد لهم المرتزقة من كتاب النقد الغنائي والموسيقي. فهذه الأسباب الثلاثة جعلت من الشاعر كاتباً صانعاً للكلام بلا عاطفة وشعور وجعلت أيضا من المنغـم صانعاً لتأليفه الغنائي يستأنس لمن يقعُ بشباكه فلا يحتاج سوى إيقاع ٍراقص ٍ يضعهُ على سلم ٍ موسيقي ٍما كي تخرجَ أغنية ٌ يصفقُ لها المراهقون، وأما النفرُ الثاني منهم فأخذ يقتبسُ الأناغيم التراثية القديمة جداً كي يبتعد عن فطنة أذهان الناس من المتذوقين والمختصين، ناسباً العمل الفني لنفسه، فهو الآخرُ لا يحتاجُ سوى كلمات مؤلفةٍ على وزن الكلمات القديمة مراوغاً الجميع بأسلوبٍ ماكر ٍلا يفطنُ له إلا حاذق، فمن هؤلاء المنغـّمين والمطربين ما لا يستطيع النقدُ حالياً إجلاسَهُ على كرسي الاعتراف بعد أن تخطى مراحل الشهرة المحلية والعربية وقد تكون العالمية أحياناً بحجة أنَّ له أعمالاً من بصمته أو أنها بلغة الحبر السري (دواعي العنصرية)، فالسكوت المتواصل وعدم متابعة الفن الموسيقي نقدياً أدى إلى بلع لقمة الصمت تدريجياً ومن ثم شياع التدني الذوقي بين الجمهور من اثر اختزان الذهن بالتكرار كل ما تتلقاه ذاكرتـهُ لهذه الأغاني المبتذلة في حالة من اللاوعي.

فعليه يبقى حلُّ هذه المعضلة بأيدي المختصين من ذوي الخبرة في علم النفس بالتعاون مع خبراء الموسيقى كأن يضعوا منهاجاً مشتركاً بين الوزارات المعنية للمحافظة على الذوق الموسيقي والرقي به. تحسين عباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية