الجزيرة في يوم الإعادة.. وحديث عن البرلمان الباطل!

حجم الخط
0

سليم عزوز

ثلاثة أيام قضيتها بعيداً عن التلفزيون، كنت في زيارة خاطفة إلى مسقط رأسي بصعيد مصر.. لن أقول لكم انني من (جهينة) حتى لا يسأل سائل وأين تقع (جهينة) هذه؟ وعندما أجيب أنها تتبع محافظة سوهاج يسأل وأين تقع محافظة سوهاج؟!

ثلاثة أيام لم أشاهد فيها جهاد عودة، ومصطفى علوي، القياديين بلجنة السياسات بالحزب الحاكم، ونتيجة ندرة الكفاءات في الحزب الحاكم فقد باتا من المقررات الدراسية علينا، وصارا في حكم الدواء المر، نتجرعه قبل الأكل وبعده، وآناء الليل وأطراف النهار، لنكتشف بعد ذلك أن الدواء فيه سم قاتل.

علوي يثير البهجة في ربوع الكون، عندما يتحدث بشموخ عن حزب الأغلبية في مصر. وهو عندما يقول هذا يُضحك الثكالى، ولا يضحك، ليذكرني بصديق لي لديه قدرة هائلة على تأليف النكات التي يطلقها فيضحك من حوله ولا يضحك هو.

فالحزب الحاكم في مصر لا يستطيع أن يحافظ على أغلبيته المريحة أو القلقة إلا بأعمال البلطجة، وبإهدار أحكام القضاء، وبالتزوير الحر المباشر!

كان جهاز التلفزيون أمامي، ومع هذا فلم تمتد له يدي، لأنني وجدت نفسي بحاجة إلى إجازة، من اجل الحفاظ على سلامة قواي العقلية، ولك أن تتصور ما يمكن أن تسببه رؤية جهاد عودة وصحبه بمعدل ثلاث مرات في اليوم الواحد، وقد سألت مراسل احدى الفضائيات لماذا تسرفون في استضافة المذكور فقال لكي نسيء للحزب الحاكم.

وفي مساء يوم الإعادة قلت للقوم افتحوا (المخروب) هذا، وفتحوه على ‘الجزيرة’.. التي اقتحمت كل البيوت.. كان فيصل القاسم يعلن عن برنامجه، ولم اهتم بموضوع الحلقة الجديدة، فهو، ومنذ سنوات، ينأى بنفسه عن الهم المصري، خشية اتهامه بإثارة القلاقل في البلاد. وفي إعلان لاحق انتبهت إلى أن الحلقة عن تقسيم السودان، وأنا غارق ‘لشوشتي’ في متابعة الانتخابات المصرية، ولست مستعداً لمتابعة شيء آخر، ولو أطلت جمانة نمور شخصياً، وقالت إن التلفزيون السوداني لقي حتفه في ظروف غامضة!. من متابعتي لفيصل القاسم، لم انتبه إلى ما لفت انتباه احد الجالسين معي، من ان المذكور فقد شعر رأسه داخل الجزيرة، يقولون ان مياه دول الخليج مالحة، مما ينتج عنها اختفاء شعر الرؤوس، ومؤكد ان الحبيب الغريبي محظوظ، لأنه جاء من تونس إلى الدوحة ورأسه يعاني من الفراغ الدستوري، ولذا فان إدارة ‘الجزيرة’ ليست مطالبة بصرف بدل تساقط شعر له.

مكتب ‘الجزيرة’ بالقاهرة خسر حسين عبد الغني، فمنذ أن تولى وضاح خنفر موقع المدير العام ولديه مشكلة نفسية مع كل نجوم ‘الجزيرة’، لدرجة انه أوقف واحدا من أهم البرامج، وهو برنامج سامي حداد ‘أكثر من رأي’، وكان سبباً في تقديم حافظ المرازي لاستقالته من عمله كمدير لمكتب واشنطن، وخسرته ‘الجزيرة’ ولم تكسبه ‘العربية’، التي يقدم بها برنامجاً من القاهرة، وقد فقد جانباً من بريقه، وكان في ‘الجزيرة’ نجم النجوم.. ساحرة شاشة ‘ الجزيرة’، ولهذا فقد دهشت عندما تركها عمرو عبد الحميد مراسلها السابق في موسكو، وقرر الذهاب إلى مدافن العائلة في لندن.

للإنصاف فقد كسب مكتب ‘الجزيرة’ في القاهرة زميلنا عبد الفتاح فايد المدير الجديد، وهو يقدم للمشاهد وجبة معلوماتية مكتملة.. عندما كنت في المنفى، فان ما ينقصني هو المعلومة، ورسالة عبد الفتاح كانت، وكما العادة، زاخرة بالمعلومات.

المرشح السريوللإنصاف أيضا فان دينا سمك مراسلة ‘الجزيرة’ بالقاهرة، أمتعتنا برسائلها الميدانية، التي تجمع بين المعلومة والتحليل، ولدى دينا قدرة على أن تضع المشاهد في قلب الحدث، وقد نقلتني من ‘جهينة’ إلى القاهرة، ويعجب المرء ان تكون دينا سمك هي ابنة قناة النيل للأخبار، الأمر الذي يؤكد أن تلفزيون الريادة الإعلامية يزدحم بالمواهب التي تحتاج إلى من يكتشفها، وقدرها أنها تعمل في تلفزيون سري، وقد عرفنا بالمناسبة في هذه الانتخابات المرشح السري.

أحد رؤساء الأحزاب الورقية، فوجئ به المراقبون وقد نجح من الجولة الأولى وحصل على أكثر من عشرين ألف صوت، في حين انه لم يعلق لافتة، ولم ينشر خبراً يفيد بترشيحه، ولم يلتق بمواطن بالدائرة، ولم يعرف الناخبون انه مرشح، فقد كان مرشحاً سرياً، ومع هذا نجح ببركة دعاء الوالدين!. المشكلة في تلفزيوننا التليد ليست فقط في انه سري، ولكنه في انه قاتل للمواهب، ويرى القائمون عليه في الكفاءة المهنية خطراً على السلم والأمن الدوليين، لذا فان من يتصدر المشهد هم من الأميين، أهل الثقة.

رسائل دينا سمك لفتت انتباهي منذ الجولة الأولى للانتخابات، لكنها كانت مهمة وأنا بعيد عن مجرى الأحداث. وفي الجولة الأولى كنت اتصل هاتفياً بزملاء وأصدقاء ومعارف في كثير من الدوائر وعلى مستوى القطر المصري، لكن في الجولة الثانية اكتفيت بتقارير دينا سمك وعبد الفتاح فايد، وعندما كنت اذهب إلى ‘الحرة’ أفاجأ بأنها مشغولة بقضية أخرى.

المدير العام لـ ‘الحرة’ جاء إلى القاهرة وأدلى بتصريح ينبغي ان يخضع بسببه للتحقيق الإداري، عندما شكر الجهات المصرية على ما قدمته من تسهيلات لـ ‘الحرة’، فتصرف كما لو ان ‘الحرة’ هي تلفزيون البحرين، وليست مملوكة للولايات المتحدة الأمريكية. ولم يستطع سيادته أن يدلنا على هذه التسهيلات، فالحاصل ان القوم قاموا بالتجاوز في حقها عندما ابلغوا النائب العام ضدها بتهمة اختراق يوم الصمت في الدعاية الانتخابية، في إطار سياسية ‘ذبح القطة’ التي أسهبنا في الحديث عنها في الأسبوع الماضي.

ربما كانت ‘الحرة’ تنتظر حتى اتركها فتبث تقاريرها حول الانتخابات، خوفاً على نفسها من الحسد، أما عندما اذهب إليها فان اهتمامها ينصب على أسماك القرش التي تهدد السائحين بشرم الشيخ، فسمك القرش المعروف بالهدوء، والمشهور بحسن الخلق، أصيب بالسعار، بما يليق بهذه المرحلة، وبما يتسق مع زمن الفكر الجديد!. للمعلومات العامة فان شعار ‘الفكر الجديد’ نحته باقتدار الأمين العام للحزب الحاكم صفوت الشريف ليميز المرحلة الحالية في الحزب الحاكم عن المرحلة السابقة، مع انه ينتمي الى المرحلة السابقة، لكنه يتقرب للمرحلة الجديدة زلفى، وهي المرحلة التي شهدت تخطي جمال مبارك واحمد عز الرقاب، وصار فيها جهاد عودة، ومصطفى علوي منظرين للمرحلة.

الجدل القانوني’نشرة الجزيرة’ أشارت إلى أن انتخابات الإعادة جرت وسط جدل قانوني حول شرعية مجلس الشعب الجديد، واستعرضت حكماً للمحكمة الإدارية العليا يقول ان هناك شبهة بطلان تحيط بالمجلس قبل أن يتشكل، بسبب عدم تنفيذ الأحكام القضائية الخاصة بادارج البعض في كشوف المرشحين، وعدم تعديل الصفة الانتخابية للبعض، وليست هذه هي المطاعن القانونية الوحيدة، فهناك العديد من المطاعن التي تبدأ بالطعن في تشكيل اللجنة العليا المشرفة على الانتخابات، بعد ان تبين ان رئيس اللجنة قام باختيار القضاة المشاركين فيها، وهذا من سلطة مجلس القضاء الاعلى، ولا تنتهي في ما شاب العملية الانتخابية من تزوير فاضح، وقفت عليه الدنيا بأسرها.’الجزيرة’ نقلت المؤتمر الصحافي للمتحدث الإعلامي باسم رئيس اللجنة العليا، وهو شخصية قضائية، وقد ذكر الرجل انه تم تنفيذ جميع أحكام القضاء الإداري واجبة النفاذ، ثم استدرك لكن الإشكالات لها الأثر الواقف لهذه الأحكام!. وما قاله هو حق يراد به باطل، ولا بأس فقد انتقل من المتحدث باسم لجنة مشكلة من السلطة القضائية لأن يكون جزءا من الجهاز التنفيذي التابع للحكومة، ومن المعروف أن الحكومة هي التي أدمنت الطعن على أحكام القضاء الإداري أمام محاكم غير مختصة، بنص القانون، وبأحكام المحكمة الإدارية العليا، وبموجب أحكام محكمة النقض أيضا، فأحكام القضاء الإداري واجبة للتنفيذ، ما لم تقض دائرة فحص الطعون بالإدارية العليا بوقفها، وهو ما لم يحدث في مئات الأحكام التي صدرت بخصوص انتخابات البرلمان المصري.

وقد سبق لمحكمة القضاء الاداري، وإزاء هذا التحايل الحكومي في التنفيذ، أن أصدرت حكماً يلزم وزير العدل بإصدار تعليمات إلى الموظفين في المحاكم بعدم قيد هذه الإشكالات، لكن قد أسمعت إذ ناديت حياً.

الحزب الحاكم استهدف بهذه الإشكالات التي سترفض حين نظرها، أن تجري الانتخابات بالحالة التي عليها، واستخدم اللجنة العليا المفروض فيها الحياد، أداة لعدم التنفيذ والتبرير، وعلى نحو يؤكد أن هناك جدلا قانونيا، مع أن الحق واضح، وما يمارسه البعض هو التضليل ليس إلا!. اللافت ان حكماً لمحكمة القضاء الإداري صدر بتعديل صفة احد المرشحين، وقد أقرته المحكمة الإدارية العليا لنكون أمام حكم نهائي وبات، ولا يجوز الإشكال فيه، لكن اللجنة العليا انتظرت لحين الإشكال في حكم جديد صدر في حالة نفس المرشح، لتقوم بترشيحه بصفة فلاح، في حين انه وفق حكم المحكمة الإدارية العليا يحوز صفة الفئات.

ما وراء الخبرلقد خصص برنامج ‘ما وراء الخبر’ حلقة حول هذا الجدل، وفي اتصال هاتفي أكد المستشار محمود الخضيري نائب رئيس محكمة النقض السابق الرأي القانوني هنا، فأحكام مجلس الدولة واجبة النفاذ ولا يوقف تنفيذها مثل هذه الإشكالات، التي تقدم بالمناسبة أمام محاكم ادنى في الدرجة، فإذا كانت محكمة القضاء الإداري تعادل محاكم الاستئناف في القضاء العادي، فان الإشكالات تقدم إلى المحاكم الجزئية، وهي لعبة حكومية صارت مكشوفة للجميع.

حسن أبو طالب الباحث بمركز ‘الأهرام’ احتج على التسليم برؤية المستشار الخضيري، فهناك رؤية قانونية للجنة العليا، والتي تعامل معها سيادته على أنها جهة قضائية مع ان دورها هنا إداري صرف، وأعمالها يجوز الطعن عليها أمام القضاء الإداري باعتبارها قرارات إدارية.

الناس على دين ملوكهم، ومعظم العاملين في مركز ‘الأهرام’ للدراسات على دين عبد المنعم سعيد رئيس المركز السابق ورئيس الأهرام الحالي، وهو عضو نشيط في لجنة السياسات بالحزب الحاكم، ولا اعرف ما إذا كان أبو طالب عضوا أم مجرد (معجب)! لكنه ومن على قاعدة الباحث المحايد أوشك ان يقول ان هذه الانتخابات أكدت اننا نعيش ‘ازهى عصور الديمقراطية’لقد اكتشفت أن البعد عن التلفزيونات غنيمة.

صحافي من مصر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية