التلفزيون في رمضان برامج ومسلسلات ومكسراتالقاهرة ـ القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: ما يقوم به التلفزيون المصري والقنوات الفضائية الخاصة خلال شهر رمضان هو عدوان سافر على المواطن البائس الغلبان، الذي لا حول له ولا قوة، فهو الوحيد المغلوب على أمره وفاقد القدرة على المقاومة، فالحصار المفروض عليه يقضي بتحديد إقامته 24 ساعة أمام الشاشة الصغيرة، يسمع ويشاهد من دون رفض أو احتجاج، فما بين المسلسلات وبرامج التسلية والمسابقات والتوك شو تضيق المسافات فلا يوجد قيد أنملة بين هذا وذاك، والرهان عادة يكون على الصبر وقوة الاحتمال، إذ لا يستطيع أحد الفرار من قناة إلى قناة ولا تكتب النجاة إلا لمن عصم ربي، وهذا حال الإعلام.
وواقعة الراهن، ناهيك عن حالات التنكيت والتبكيت والتناقض بين ما هو ديني وما هو هزلي فهناك من يقوم في المساء مقام الواعظ والفقيه، بينما هو بنفسه وشحمه ولحمه نديماً للفنانين والفنانات والمطربين والمطربات، الأحياء منهم والأموات يتقمص في الكثير من الحلقات شخصية المؤرخ الفني والمتذوق المرهف، ولا مانع من أن يكون ظريفاً من الظرفاء فقد أتقن الصنعة وصار بها عارفا وعلى خباياها مطلا، الحالة هنا لا تخص شخصاً بعينه ولا يتميز فيها نفر عن الآخر، بل حتمية، السوق تفرض قانون الترويج بالحداقة والشطارة والفهلوة، فالمطلوب أقل من المعروض ومساحات الإرسال بالمحطات شاغرة تحتاج ما يملؤها ومن يملؤها في ما يمكن ان نسميه بالفراغ أو الخواء الإعلامي الذي تسبب بدوره في كل الظواهر السلبية وجعل المشاهد رهين المحبسين، الحبس الطوعي والحبس الجبري، فالأول يتمثل في أدوات الجذب المتوافرة بالأعمال الدرامية وغيرها والثاني يتمثل في الملل والركود والكسل وما يترتب من رغبة في الهروب والتغييب!
من بين ما يعرض من مسلسلات ينطبق عليها وصف التغييب مسلسل للكاتب مصطفى محرم والمخرج محمد النقلي بعنوان ‘زهرة وأزواجها الخمسة’ وهو المستنسخ من مسلسل سابق لنفس الكاتب عنوانه ‘عائلة الحاج متولي’ عرض في رمضان الماضي أو ما قبله على ما أذكر، وحيث ان الكاتب واحد فيمكن القول من دون مبالغة، أن المسلسلين عمل واحد ايضا لا يختلف فيهما غير اسماء الشخصيات وما أضيف للأبطال من رتوش وماكياج وملابس وما تنقلت بينه الكاميرات من مواقع تصوير، فعلى ما يبدو أن فكرة تعدد الزوجات استهوت الكاتب الكبير فصار يصوغها بأشكال مختلفة، فبدلا من الحاج متولي جاءت الحاجة زهرة، وبدلا من ان يمنح حق تعدد الزوجات للرجل وفق ما جرت عليه العادة الدرامية كان الحق للمرأة على عكس العادة الفنية ‘المحرمية’ نسبة إلى ‘محرم’ وليس إلى التحريم، وفي تقديري أن الشيء الحرام الوحيد في المسلسل هو تعذيب المشاهدين بإبراز الفوارق الاجتماعية الفجة الواضحة بين حياة فرج أبو اليسر، رجل الأعمال وحياة السواد الأعظم من الناس، الذين لا عمل لهم ولا أعمال، كذلك الهوة الشاسعة الفاصلة بين واقع تنتمي إليه الحاجة ‘زهرة’، غادة عبدالرازق وواقع آخر يعيش فيه الغالبية العظمى من نساء مصر المحروسة ممن يمتلكن مقومات ثراء وجمال وأبهة وعظمة وثقافة تفوق بمراحل مزايا الفاتنة ‘زهرة’، الشخصية الصناعية الملفقة من ‘الساس للراس’ كما يقول المثل الشعبي الدارج، غير ان الأكثر غرابة هو ذلك الرجل أبو اليسر الذي يموت عشقا في الغندورة ذات الحسب والنسب بدون مناسبة وبغير مبررات مقنعة، اللهم سوى الشهوانية وفراغة العين، وما يلفت النظر ان الفنان حسن يوسف الذي ظل صائماً لسنوات عن التمثيل يعود إلينا بتلك الشخصية الملتبسة لمجرد أنها ترتدي الزي الإسلامي وتتنكر في عباءة الدين وتمسك بالمسبحة وتتشدق بسجادة الصلاة، فهذه هي دلائل الإعجاب بالشخصية من وجهة نظر الفنان القدير وهي ذاتها العيوب القاتلة من الناحية الفنية والدرامية البحتة، لأن الالتفات للشكل والعرض العام والتركيز عليهما عدم قدرة على النفاذ للجوهر واكتشاف الخواء والضعف وهذا ما كان ينبغي ان يتجنبه البطل حسن يوسف قبل أن يغويه الشكل الخارجي ولحية أبو اليسر العيرة وجلبابه الأبيض وسرواله القصير!
ومن الظاهرة الدينية الى التربة التي نبتت فيها شجرة التطرف والجماعة الذين عملوا على إقامة بستانها أو دولتها لتكون بديلا للدولة العلمانية في طموح غير مشروع لتغيير الهوة الثقافية والسياسية بما لا يدع مجالا للخلاف في الرأي ولا يترك فرصة لقضية الود وينصب السيف حكماً بين المختلفين في الفكر والسياسة، وهذا ما يطرحه مسلسل ‘الجماعة’ للكاتب والسيناريست وحيد حامد، حيث ينفرد وحده بمناقشة قضية الإخوان المسلمين جهارا نهارا دون الإشارة إليها بالإاسم الحركي ‘الجماعة المحظورة’. بعد أن صارت ممارساتها علنية وآمالها جلية وأهدافها لا تخفى على أحد، فمن ثم ليس من ضرورة للإلتواء واللف والدوران في المجابهة والمقارعة وكشف الحقائق التاريخية ليكون الناس على بينة من أمرهم الديني والسياسي فوحيد حامد بوصفه كاتبا مؤثرا له ثقله الجماهيري وخبرته الدرامية مضطلع بهذا الأمر وكفيل به فهو لم يأت بالأحداث والتواريخ من بنات أفكاره وإنما اعتمد على مراجع وسندات تاريخية وآراء وكتابات من مختلف الاتجاهات ليوفر لنفسه المادة الخام للدراما وفي النهاية يكون له حق التمحيص والتشخيص وخلق الصراع وتحريك الأدوار بما يتلاءم مع وجهة نظره الشخصية ولكن مع تحري الموضوعية فيما يعرضه ويطرحه للمناقشة ويستفتي عليه القاعدة العريضة من الجمهور بعدما يتبين للناس الخيط الأبيض من الخيط الأسود وتتجلى الحقائق واضحة فيبتعدون عن عبادة الأصنام والتسليم تسليما أعمى بالأفكار السلفلية، والحقيقة ان المسلسل حقق الكثير مما كان يهدف إليه ودفع البعض على إعادة النظر في قراءة التاريخ الديني والسياسي لـ’الجماعة’، بيد أنه وقع في شرك المباشرة ببعض الحلقات التي غلبت عليها الدعائية لصالح التيار العلماني في مجابهة صريحة وواضحة للفكر الإخواني وإن كانت الحلقات الأولى قد أنصفت مؤسس الجماعة الشيخ حسن البنا ولم تنكر عليه ذكاءه وحنكته وإخلاصه لمشروعه، وهذا في حد ذاته تحر للأمانة واعتراف بفضل الرجل وخصاله الحسنة ولكنه في نفس الوقت ترجمة للقضية الخلافية وتحديد لها بعيدا عن المسائل الشخصية ووضعها في محلها الإعرابي الآني والظرفي وهو حد الدين وحدود الدولة.