حملة تبادل للاتهامات بالاردن على خلفية الاشتباكات بعد مباراة كرة القدم بين الفيصلي والوحداتعمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من بسام البدارين: جميع الجهات المسؤولة عن تسييس كرة القدم في الاردن ترى الحقيقة لكن اياً منها لا يريد قولها او ابلاغها للرأي العام، ليس فقط لان مدرسة كلفة الشفافية الباهظة هي السائدة في اوساط اصحاب القرار، لكن ايضا لان احدا لا يريد الاعتراف بحجم الضرر الذي طال بنية الوحدة الوطنية ولان الجهات الرسمية متضامنة في اخفاء الحقيقة وتجنب الاعتراف بأخطائها.
ومجزرة التضليل التي عايشتها البلاد بين مسائي الجمعة والاحد على حد تعبير احد السياسيين بعد احداث مباراة الفيصلي والوحدات المثال الاكثر تعبيرا عن فوضى الاتهامات وتقصد الافلات من المسؤوليات وبالتالي مراوغة العقوبات، على حد تعبير الخبير الحقوقي الدكتور محمد موسى.
الاحداث المؤسفة بدأت بتدافع جماهيري ناتج عن تصرف ميداني خاطئ لقوات الامن وانتهت بما يزيد عن 200 جريح وبعد ذلك بحالة لطم وطنية عامة لا مبرر لها ومن مختلف الجهات سببها المباشر برأي مقر رئاسة الوزراء مرة اخرى كاميرا محطة الجزيرة التي كانت هناك ووثقت حادثة انهيار سياج الملعب وما تبعها لكن سببها الاعمق الذي لا يريد الناطق الرسمي للحكومة الاعتراف به رغم جرأته الشخصية المعهودة هو ‘هشاشة’ الاعلام الرسمي اولا وهشاشة الوحدة الوطنية ثانيا.
وعليه تجلت حالة الهروب من المسؤوليات والمصارحة بأكثر من طريقة فنادي الوحدات الذي تضررت جماهيره بشكل خاص سارع لاتهام قوات الدرك بقمع غير مبرر للجمهور المحتفل لتوه بالفوز على فريق الفيصلي وادارة الدرك اتهمت بشكل غير مباشر جمهور الفيصلي بالتسبب بالمسألة بسبب إلقاء الحجارة من خارج الملعب بعد المغادرة الى داخله.
ادارة الفيصلي من جانبها اصدرت بيانا نفت فيه انطلاق اي حجر من مشجعيها تجاه جمهور الفريق المنافس ردا فيما يبدو على تعليقات الدرك في الوقت الذي تنشط فيه رموز النادي الفيصلي وعبر اصدقائهم الاعلاميين للتبشير ـ سرا – بان الدرك يحاول الافلات من المسؤولية وتحميلها لجمهور الفيصلي.
بدوره وجه الناطق الرسمي باسم الحكومة وفي وقت متأخر جدا بعد منتصف الليل تحذيراته للمجهولين الذين يحاولون العبث بالوحدة الوطنية وفي الاثناء كان تلفزيون الحكومة نائما تماما ومتفطنا لما حصل بعد 24 ساعة من بث لقطات ما حصل في فضائيات العالم.
وصحوة الحكومة المتأخرة لها ما يبررها فالمعلومات ‘الامنية ـ الرسمية’ من الواضح انها لم ترد للحكومة في الوقت المناسب وبعض الاحزاب سارعت لتهديد رئيس نادي الوحدات طارق خوري الذي خفف من لهجته في اليوم التالي فيما لم يصدر عن اتحاد كرة القدم ـ باستثناء رئيسه – ما يفيد بان لقاءات الفيصلي والوحدات درست بعناية في الماضي خصوصا وان الاحداث متكررة كما قدر الناقد الرياضي نزار العيسى.
وكان نادي الوحدات متصدر الدوري الأردني لكرة القدم جدد اتهامه لقوات الامن بالاعتداء على جماهيره دون مبرر، وأعلن تعليق جميع أنشطته الرياضية ومشاركته في الدوري حتى انتهاء عمل لجنة التحقيق التي شكلتها الحكومة، ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف التي أعقبت مباراته مع فريق الفيصلي مساء الجمعة وأسفرت عن إصابة المئات بجروح. واستغرب البيان الرواية الحكومية، واعتبرها ‘محاولة لتضليل الرأي العام الذي شاهد الصور عبر شاشات التلفزة والفضائيات’. .. بسرعة دراماتيكية دخلت المؤسسات والشخصيات الكبيرة على خطوط المسألة فصدرت بيانات تهدد العابثين واخرى تدعو للهدوء وكانت البلاد في حالة حرب ومتطلبات الاستعراض تطلبت صدور تعليقات حزبية واخرى مدنية قبل ان تصدر دعوات للتعقل من مجلسي النواب والاعيان.’حالة التلاوم الوطني’ هذه تقول كل شيء لا يلزم ولا يفيد لكن اي طرف لا يقول الحقيقة حول ما حصل فالحكومة سارعت بالاعلان عن تشكيل لجنة تحقيق من كبار موظفي وزارة الداخلية لكن اللجنة وقفت بلا حول ولا قوة لانها لم تبلغ رسميا بالامر حيث اعلن عن اللجنة وجلست نهارا كاملا بانتظار توقيع الوزير على مذكرة التحقيق بحيث يستطيع اي طرف مدان تدبير اموره وتمويه الوقائع ما دامت فرصة الاتهام مواتية وتطال الجميع. وهذا النمط من التلاوم الانفعالي لا يعكس في الواقع الا حقيقة واحدة تؤشر على حجم التضليل الذي يمارسه الجميع ويطال زوايا حرجة فحادثة عادية وصغيرة ومكررة تحولت لتهديد للامن الوطني الاردني عبر تحريض ممنهج مارسته شخصيات ومواقع صحافية التقى مع رغبات البعض بالاستعراض، كما تعكس هشاشة الرواية الرسمية الموحدة خصوصا عندما تتواجد كاميرا مصنفة دوما لاغراض تغطية العجز الذاتي مثل كاميرا الجزيرة. وكل هذا الجدل غرقت به البلاد وتورط به الكبار رغم ان كاميرا الجزيرة التي تحتكر بث المباراة لا يمكنها ان تضلل الناس فالمشهد التلفزيوني واضح تماما ولا يقبل التأويل وقوامه قرار ميداني متفق عليه تنفذه قوات الدرك ويقضي بخروج جمهور الفيصلي قبل الجمهور المنافس، الامر الذي يعني حشر اكداس الجمهور لتأمين المغادرة الامنة لجماعة الفيصلي. هنا حصريا حصلت المشكلة فالبعض من جمهور الوحدات حاول مناكفة قوات الدرك التي منعت خروجه لدقائق والبعض في قوات الدرك لم يحتمل هذه المناكفة حفاظا على الهيبة وتفعيلا لحساسية الميدان فقرر التصدي لها بحزم يخلو من الحكمة وبدون حساب ‘الفراغات’ في المدرج فازدحم الناس بسبب القوة في حيز جغرافي ضيق وداسوا بعضهم قبل انهيار السياج في الوقت الذي اكتملت فيه دائرة الاستفزاز بسبب القاء احد انصار النادي الفيصلي حجرا وهو يخرج من الملعب ورد عليه احد مشجعي الوحدات.
هذا ما يؤكده شهود العيان وما تصادق عليه كاميرا الجزيرة وجميع السلطات كان يمكنها ان تقول للرأي العام ذلك ببساطة فالمسألة لا علاقة لها بالوحدة الوطنية الا من جزئية الصمت التاريخي على قصة مدرجات الفيصلي والوحدات.