الحداثة وسلطتها

حجم الخط
0

بداية لابد أن أشير إلى أهمية الحوار بشكل عام، والحوارات المتحركة بلا ضغائن شخصية أو حزبية أو دينية أو طائفية أو مثاقفاتية بشكل خاص، تجعل الفكر دائم الحركة والنقد الذاتي، مما يجعل احترام العقل بحاجة إلى معبر حتمي في أحيان كثيرة، وهو مناقشة البديهات، أو التي تبدو لنا كذلك.

هذه البديهيات التي اتداولها مثل غيري من المهتمين، هي مفهوم الحداثة ومشتقاته الزمانية والمكانية، غرب حداثوي وشرق متخلف، حداثة وما بعد الحداثة، الحداثة صدمة، وفضاء دخلناه.. لم يعد الحديث عن انقسام العالم خارج هذا الفضاء أمرا مقبولا، لهذا لم يعد النقاش حول الإسلام في الحداثة، أو وضع الحداثة قبالة الإسلام.

الحداثة ليست تيمة مقدسة يجب السجود لنقائها المعرفي والقيمي، وأحيانا الدين كبعد تأخذه عند بعضنا، نحن مربكون لأننا داخل الحداثة، وسبب إرباكنا أن العالم كله تحدث، وكله متصل كالشبكة العنكبوتية- النت- التي اغرقتنا أكثر في إرباكنا، نحن جميعا داخل حدث الحداثة منذ ان انفصلنا عن العالم القديم بفضاء استعماري تقليدي تركنا خلفه دولا منضدة في تراتبية الحداثة ذاتها، وهذا التنضيد ليس تنضيدا مغلقا كما يخيل لبعضنا، ولكنه تنضيد مفتوح ومحكوم بموازين القوة، القوة هي حاملة الحداثة وشعلتها التي لازالت تنير لها طريق القوة نفسه.

الحداثة هذه نحن خارجها لأننا نقرأها كذلك، لانها كأية ظاهرة تاريخية لها هامشها، وما هو هامش لا يعني أن لا وظيفة له داخل المتن، فيكفي أنه هامش حتى يعرف المتن به، هل الهامش في المجتمع الفرنسي هو خارج الحداثة؟ هذا الهامش الذي أخذ جل وقت مبدعي من أطلقوا على أنفسهم فلاسفة ما بعد الحداثة! وأعتقدنا تيمنا بهم اننا ايضا خارج الحداثة، وهذا غير صحيح مطلقا، لأننا جزء من هذا العالم ففينا من هو في المتن وفينا من هو في الهامش.

دول أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية لم يمض سوى عقدين فقط على تخلصهما من السلطات الديكتاتورية، فهل هذا يعني أنهما كانا خارج الحداثة؟

هل ما هو داخل الحداثة منسق بطريقة منسرحة، لا توجد داخلها قوى متصارعة ومتنافسة؟ هل الإسلاميون في الغرب هم خارج حداثته؟ ربما توحي مصالح السياسة بذلك، ولكن الاجتماع والقوانين وما شابه، لا تميز بين من هو داخل الحداثة ومن هو خارجها، لأن الحداثة لم يعد لها خارج في كوكبنا، وتراتبية القوة داخلها لا تعني أن الضعيف هو خارج هذه الحداثة. والدليل أنه لا تنتصر أي توجهات سياسية في العالم المعاصر من دون إسناد من داخل قوى الحداثة ذاتها، الحداثة ليست إيجابية للجميع، الحداثة الآن هي ظاهرة العالم الراهن المستمرة.

أليست الحداثة هي مجتمع رؤوس الأموال، وما أنتجه هذا المجتمع؟ أليست الحداثة اسما ذاتيا للرأسمالية؟ لماذا الهروب من الواقع عبر تحميله معايير ذاتية؟

أليس مصطلح الحداثة هو مصطلح غربي؟ العقل الحداثوي، ليس عقلا معرفيا محضاً، وليس واعدا بالحرية فقط كما يزعم، وإنما هو متورط في ممارسات القوة والسيطرة والهيمنة والسلطة، هذه السلطة التي تتخلل كل مستويات الوجود الاجتماعي للبشر. وليست الحرية رسالة مطلقة بالنسبة له بعيدة عن نزوعات السيطرة لديه، فهي في قلبه ومحايثة لسلوكه وممارساته. أليس مصطلح الحداثة هو نفسه منتج ذات العقل التنويري عمانوئيل كانط؟ ما هذه الكذبة التي نستمر في تردادها، جميعا ولا استثني نفسي بالطبع، نرددها من دون أن نفكر، ولو لحظة أنه عندما نحاول إقصاء الآخر بأنه لا يعيش في جناتها، ولا يتنعم بعقلها، إنما نحن بذلك ننكر، سلطة هذه الحداثة، لست فوكويا في هذا المجال، لأنني لا أرى من الحداثة فقط جانبها الغاشم، سلطة وممارسات تتخلل البنية الاجتماعية، في قطيعة مع نفسها ومع روادها، لا أبدا، بل هي فعل متواصل، ولن يتوقف، ونحن جزء منه، وبدوننا لا وجود لحداثة غربية مصمتة، ومنعزلة كما يراها علمانيو الشرق أبدا.

ولا اتحدث هنا بوصفي منعزلا يسارا أو يمينا في بوتقة أيديولوجية، ترى في الحداثة مجتمعا منفصلا عن العالم أو أقله عن عالمنا، ما كان يمكن للحداثة أن تتبوأ المشهد الفلسفي لعصر الأنوار لو لم ندخل نحن شعوب العالم الثالث، من بوابة استعمارها التقليدي، وتوفير الوفرة للحرية الحداثوية ‘مجتمع الوفرة’ هذا كله يطرح علينا مفارقة بسيطة’ هل الحداثة متضمنة في الرأسمالية كطور كوني وعالمي؟ أم الرأسمالية هي متضمنة بالحداثة؟ أم هل الحداثة هي كل ما أنتجه العقل التنويري في ظل الرأسمالية الصاعدة وبقوة كونية؟ الدول الاسكندنافية، السويد والنرويج… لم تكن ضمن كوكبة المجتمعات المنتجة للحداثة في اوروبا، وأقصد بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بل كانت مسرحا لجيوش الأخيرة وتفوقها الحداثي وسلطتها، حتى أن أسرة برنادوت المالكة السويدية، ليست من أصول سويدية، وكذلك البلجيكية والنرويجية… الخولم تنتج هذه المجتمعات رموزا حداثوية مهمة، بل أنتجت مجتمعات حداثوية وهنا بيت القصيد، الحداثة علاقة اجتماعية، بكل ما تحمله هذه المسألة من معاني. نحن منذ أن جاء نابليون إلى القاهرة وربما قبله عبر البعثات التبشيرية التي أتت المنطقة كنا نضع أقدامنا في الحداثة، نحن ظواهر حداثية، ولكن تراتبية القوة الحداثية ذاتها، تسلسلها الهرمي في السيطرة والقوة والأنموذج كلها على ما فيها من سلبيات مدمرة وإيجابيات تطلق الروح من سجونها، ووفقا لما يراها كل منا، نحن فيها ونتوق ليس لأن نكون فيها، بل لكي نمتلك قوتها. لهذا ليس الإسلام عقبة في وجه دخولنا الحداثة، في النهاية هو دين مثله مثل بقية الأديان، بل تراتبية الحداثة نفسها يمكن أن تكون عائقا أمام حرية مجتمعاتنا أكثر من الإسلام السياسي نفسه، بل ما نشاهده أن التعبيرات الإسلامية أكثر التصاقا بتقليد المجتمعات الغربية من تيارات سياسية أخرى! أوليست هذه التي نتحدث عنها كلها تدور في مجتمع رؤوس الأموال الكوني؟ أما أنها تدور في مجتمعات لا توجد سوى في أذهاننا؟

لماذا إذن المجتمع الماليزي او الهندي يمتلك ما يمتلكه ومجتمعاتنا العربية لا تمتلكه؟ نترك السلطة السياسية ونتجه لكي نرى في الإسلام عائقا؟

وهذه قضية فصل الدين عن السياسية في المشهد العلماني الجديد، إنما تحمل عنفا أحيانا في طياتها تجعل المشاهد العادي يرى أن هؤلاء يطالبون المسلمين بالتخلي عن دينهم. هل فصل الدين عن الدولة، يتطلب كل هذا العنف الرمزي والقهري للمواطن المسلم؟ من يمنع العلمانية الجديدة من الذهاب إلى السلطة والتدخل وفق منهجيتهم من أجل إقامة فصل بين الدين والدولة؟ هل الإسلاميون من يمنعهم من الوصول للسلطة؟ لا نسطح الأمر بل نحن نضعه على أرضية فجاجة الدعوة، التي تخرج شبيهة لا بل مطابقة لما تدعي انها نقيضه ‘الإسلام السياسي’، الحداثة ليست تيمة خارجية نتبناها أم لا، بل الحداثة نحن فيها كما هي فينا، ولكن سلطة الحداثة الرأسمالية تعمل وفق تراتبيات القوة والسلطة، وهنا نعتقد أن البحث يجب أن يجري، إنها الرأسمالية، ونحن نريد ان نكون فيها لاعبا أساسيا، والإسلام لا يمنعنا، بل من يمتلك زمام القوة في مجتمعاتنا هو الذي يحول دون أن تكون مجتمعاتنا أعلى درجة في سلم التراتبية هذه وأقصد نخب الحكم بكل تداخلاتها؟ نحن ندرك أن الموضوع يحتاج إلى إعادة صياغة لفكرنا بعيدا عن الجاهزيات التي تقدمها لنا سلط الحداثة نفسها، ولكن ما لم ننتبه له، أن سلطة الحداثة هذه تسمح لنا بالحرية والتحرك النسبيين.

ماذا يعني مثلا أن سلطة عربية ما تسرق المال العام وعلى عينك يا تاجر، ما الذي يمنعها أن ترتقي بدولتها ومجتمعها لكي تصبح مثل ماليزيا أو حتى مثل تركيا؟ هل يمنعها الإسلام والمواطن المسلم؟

نحن ننقد سلط الحداثة بكل مصالحها وتنوعها، ولا ننقد الحداثة لأننا فيها ومنها ولها.

غسان المفلح

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية