الحياة من غير شمس ولا ماء !

حجم الخط
0

فيصل عبد الحسن ما أن تقرأ السطور التالية التي كتبها عبد الرحمن الكواكبي (1845- 1902م) قبل أكثر من قرن وربع القرن من الزمان إلا وتشعر أن الرجل كان شجاع عصره بين الكتاب، وكان ينطق كأنما بما يعيشه المرء اليوم في أوطاننا، أسمعه يردد في إحدى مقالاته، في جريدة ‘الفرات’، التي كانت تصدر في مدينة حلب، وقد نشر فيها مقالاته عام 1876م قبل إغلاقها بسبب تلك المقالات: ‘ألفنا أن نعتبر التصاغر أدباً، والتذلل لطفاً، والتملق فصاحة، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، وقبول الإهانة تواضعاً، والرضا بالظلم طاعة، ودعوى الاستحقاق غروراً، والبحث عن العموميات فضولاً، ومد النظر إلى الغد أملاً طويلاً، والإقدام تهوراً، والحمية حماقة، والشهامة شراسة، وحرية القول وقاحة، وحرية الفكر كفراً، وحب الوطن جنوناً، ترضون بأدنى المعيشة عجزاً، تسمونه قناعة، وتهملون شؤونكم تهاوناً، وتسمونه توكلاً، تموهون عن جهلكم الأسباب بقضاء الله، وتدفعون عار المسببات بعطفها على القدر، ألا والله ما هذا شأن البشر’. والسبب في هذا التشابه هو التقارب في الأحوال، وأن حياة الناس في أوطاننا لم تختلف كثيرا عما كانت، فهي هي، بكل ما عاشه (الكتاب) الأجداد من ملابسات التخلف واستبداد الحكومات، وضياع الحقوق، وتردي الخدمات المقدمة للناس، وحيازة من لا يحق له حيازة ما يحق لغيره، وغير ذلك من الكثير من صنوف الظلم، والخسف والسوء، ولو طبع كتاب عبد الرحمن الكواكبي ‘طبائع الاستبداد’ هذه الأيام، لوجد الكثير من الحكومات تمنعه، وتعتبره من الكتب الخطيرة، ولربما أودع كاتبه السجن كداعية لإثارة الفتنة، وفضح المسكوت عنه، والحديث بما لا يرضاه الحاكم بأمره، بالرغم من حقوق الإنسان، وحرية الرأي، وشعارات الديمقراطية الكاذبة، التي تنادي بها الكثير من الدول، وبالرغم من وجود جمعيات ومنابر كثيرة للدفاع عن المؤلفين والكتاب، وحرية الكتابة، ولربما سيقتل صاحب الكتاب الجديد، كما قتل من قبل صاحب كتاب (طبائع الاستبداد)، فعبد الرحمن الكواكبي لم يمت ميتة طبيعية بل مات مسموما بفنجان قهوة عام 1902، وكتب الشاعر المصري حافظ إبراهيم على شاهدة قبره، الذي تجده في مقبرة في نواحي مدينة القاهرة: هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى ——— هنا خير مظلوم هنا خير كاتـبقفوا وأقرؤوا (أم الكتاب) وسلموا——– عليه فهذا القبر قبر الكواكبي وتسميم الناس بفناجين القهوة كان تقليدا ابتدعه مماليك مصر، الذين حكموا مصر، لأكثر من قرنين ونصف القرن (1252- 1517) م وبقيت هذه الطريقة فيما يبدو تراثا للحكام، الذين جاءوا بعد المماليك. وهناك الكثير من حوادث التسميم التي جرت لقادة وضباط أتراك، وفقهاء، ومفكرين، وأصحاب دعوات للتغيير في مصر، وغيرها من البلدان العربية والإسلامية، وكانت وسيلة الخلاص المثلى منهم، كما يرى الحكام في فنجان قهوة سادة مسمم يقضي على الخصم من دون إحم ولا دستور كما يقول المصريون، وذلك ما حدث للكثيرين من باشاوات وبكوات ذلك الزمان، ويروي التأريخ المصري أن المعلم يعقوب، الذي كان يدرب المصريين على الوشاية بالمسلحين، الذين كانوا يحاربون جنود الحملة الفرنسية على مصر في ريف مصر، قد زار حاكم الإسكندرية بعد فشل الحملة، واتخاذ القرار بسحبها، فشرب فنجان قهوته عنده، وبعد ذلك بيومين ونصف مات في السفينة التي حملته مع جنود الحملة في وسط البحر، وكذلك ما حدث لضابط كبير في البحرية العثمانية، كان قد مانع أولا بتسليم سفنه لمحمد علي باشا، لكنه في النهاية سلمها، وسلم روحه أيضا لبارئها بعدما شرب فنجان قهوة الصلح مع خصمه، وهناك الكثير من قصص فنجان القهوة المسموم تجدها مبثوثة في تاريخ مماليك مصر البحرية، ومماليكها البرجية، وأصناف من أولئك الضحايا من عامة الشعب أو من صفوة أبناء الشعب المناهضين لهيمنة أولئك المماليك، وحكمهم المستبد، وكان قد حكم مصر 25 مملوكا بحريا بينما كان عدد المماليك البرجية الذي حكموا مصر 26 مملوكا، وكان بعض الضحايا يعرفون ما سيؤول إليه مصيرهم بعد ذلك الفنجان المسموم، لذلك كانوا يحرصون على أداء ركعتين صلاة إلى الله تعالى قبل شرب فنجانهم الأخير.

أن تشابه الأحوال بالرغم من القرون التي تفصلنا عن أولئك، وبالرغم من ثورة المعلومات والعولمة، والتطور المذهل لوسائل الاتصال، ووجود رأي عام مؤثر كما حدث ويحدث من إدانات لما يقترف بحق الكتاب والمؤلفين وأصحاب الفكر، من جرائم، ويعود ذلك بالدرجة الأساس إلى أن في بلداننا لا توجد الآليات اللازمة للدفاع عن هؤلاء الذين يوقظون الأمة، من الكتاب والمفكرين وأصحاب القلم الشريف، الذين يدافعون عن حق الناس بحياة حرة كريمة، وتلك الآليات لا تبدأ بقوانين تحميهم من جور الحاكم الجائر وحده بل وتنظم حتى حماية نتاجهم الفكري، وحقوقهم المادية من الاستلاب، والسرقة من قبل الآخرين، الذين يرون أن الكاتب في كل زمان ومكان يصبح مشروعا للسرقة والاستلاب والقتل أيضا، ولم يعد الحاكم الجائر وحده من يريد إسكات هذا الكاتب، وحرفه عن هدفه السامي بل انضاف إليه أنصاف الكتاب والذين تعلموا حرفة مديح السلطان، وتبجيل أعماله حتى لو كانت من باب ذر الرماد في العيون، والعيش في كنفه على ما يحصلون منه من عطايا وهبات ومكارم، فحصلوا على درجات السفارة والوكالة، والوزارة، قاتلهم الله فهم مع حاكمهم الظالم، المدعي العدل والإصلاح، والديمقراطية في أدنى درجات النار، نار الفضيحة في الحياة الدنيا ونار الفضيحة الكبرى في الآخرة. وليس من الغريب أن نجد في القرن العشرين قصيدة لنزار قباني تلخص أزمة الكتاب والمفكرين الشرفاء في عصرنا، والقصيدة بعنوان ‘حوار ثوري مع طه حسين’ ونجتزئ منها هذا المقطع الذي يقول فيه الشاعر: ‘عد إلينا يا سيدي عد إلينا/ وانتشلنا من قبضة الطوفان/ أنت أرضعتنا حليب التحدي/ فطحنا النجوم بالأسنان/ واقتلعنا جلودنا بيدينا/ وفككنا حجارة الأكوان/ ورفضنا كل السلاطين في الأرض/ رفضنا عبادة الأوثان/ أيها الغاضب الكبير.. تأمل/ كيف صار الكتاب كالخرفان/ قنعوا بالحياة شمسا ومرعى/ واطمأنوا للماء والغدران/ إن أقسى الأشياء للنفس ظلما/ قلم في يد الجبان الجبان’. الأسوأ الذي حدث بعد عقد من السنوات من موت الشاعر، أن الكتاب صاروا يرضون بالحياة المجردة من غير شمس ولا ماء ولا مرعى ولا غدران، وأيضا من دون أن يكسروا الأقلام بأكفهم ويقولوا على غرار ما قاله ذلك الشاعر: ان القلم في كف الكاتب الجبان حرام! *كاتب وصحافي عراقي يقيم في المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية