لبضعة أيام، أنشدت أنظار العالم إلى سان خوزيه في تشيلي، متابعة عملية إنقاذ عمال منجم النحاس المدفونين أحياء لأكثر من شهرين تحت أنقاضه، نتج ذلك في جانب كبير منه عن التغطية الإعلامية الكبيرة، بل والفريدة التي حظي بها هذا الحدث، والاهتمام والجهد الدولي الذي استقطبه. وفي جانب آخر عن تضامن دولة ومجتمع وعملهما معا على جلب أنظار العالم وإثارة اهتمامه وتعاطفه إزاء هذا الحدث، ولولا ذلك، كان يمكن لحادثة احتجاز عدد من عمال منجم منهار تحت أنقاضه، أو حتى موتهم، إن تمر مرور الكرام، كما مرت وتمر أحداث مشابهة، بل ومآس أكثر جسامة، هلك خلالها عشرات بل ومئات البشر، من دون أن يعبأ بمصيرهم احد، كما حصل ويحصل في الصين أو الهند أو مصر أو العراق!
اللافت والجميل في التفاعل مع هذا الحدث، رغم كل شيء، وبغض النظر عن أية دوافع أو أغراض، سواء من جانب الإعلام العالمي ومراكزه أو الأطراف الدولية وغاياتها، هو تجلي روح التضامن العالمي والتعاطف الإنساني بين بني البشر، والاهتمام الواسع النطاق إزاء معاناة ومصائر عدد محدود من الناس في محنة، تضامن وتعاطف واهتمام يعني بهؤلاء كبشر، كإخوة لنا معلقين على شفا هاوية في مواجهة مصير معتم، بغض النظر عن جنسهم أو لونهم أو لغتهم أو دينهم.
بالأمس، وخلال تغطية قناة الجزيرة، لوقائع عملية الإنقاذ، راقبت استجابة وتفاعل الناس في بلادنا العربية مع هذا الحدث، من خلال رسائل الـ’s.m.s’ القصيرة التي كانت تظهر على الشاشة، متزامنة مع وقائع عملية الإنقاذ، وبقدر ما يمكن لهذا العدد المحدود من الرسائل القصيرة ومرسليها أن تعبر بالفعل عن تلك الاستجابة وذلك التعاطف ومدى عموميتهما وشمولهما لقطاعات مهمة من شعوبنا فقد عبرت عن حس أممي وإنساني جلي بالتضامن والمشاركة، كاد ينطمر ويغيب تحت ركام التعصب والجهل والكراهية، الذي اغرق المنطقة وما يحفزه ويعضده من انسحاق لا رحمة فيه تحت أعباء متطلبات عيش ظنك لمعظم شعوب المنطقة: ‘الحمد لله على إنقاذ حياتهم وعودتهم إلى أسرهم سالمين’ ‘فك الله اسر أسرانا كما فك أسرهم..’ ‘هل يرى حكامنا العرب ذلك ويأخذون العبرة..”اللهم إهد حكامنا لنخرج من النفق..”اللهم صلي على محمد وال محمد..”لكل اجل كتاب..’ ‘تستاهلوا السلامة. من شعب لبنان.’ ‘نبارك لإخواننا العابرين في تشيلي’. ‘متى نعيش كبشر وتهتم دولنا بنا..”لقد أنقذهم الله ليكونوا عبرة لمن يعتبر..’ ‘عليهم التوسل بأعمالهم الصالحة..’ ‘لقد أنقذ الله حياتهم لان فيهم اسم (ذكر اسم احد الصحابة )..’إضافة إلى ذلك، فقد كتب مدون مصري شاب في مدونته ‘لو لم أكن مصريا لوددت أن أكون تشيليا. كم هو رائع أن يسهم الرئيس ووزير الصحة ووزير المعادن في إنقاذ حياتي’! يفصح هذا النزر القليل من التعابير والدعوات والأماني عن كل ما تعيشه وتكتوي بناره شعوب هذه المنطقة أو معظمها! فالابتهاج بالمنجز الإنساني الذي يعبر عنه التمكن من إنقاذ حياة هؤلاء العمال يخالطه أسى واضح ومرارة بينّة إزاء المصير الشخصي والقيمة المتضآلة، بل الهوان الكبير للإنسان وحياة الإنسان هنا! هذا قبل إن يعلن اليوم وزير المناجم التشيلي من أن تكاليف عملية الإنقاذ جاوزت العشرين مليون دولار! أي أن كلفة إنقاذ كل عامل من هؤلاء العمال الثلاثة والثلاثين تجاوزت الستمائة ألف دولار حتى الآن وبدون حساب نفقات الفحص والعلاج الطبي والرعاية النفسية التي يخمن أن تمتد لعدة أشهر.. وينبع الأسى كذلك من تلك الصلة المفقودة بين معاناة الملايين هنا، واهتمام حكامهم، ولذلك فان صورة الرئيس التشيلي ووزرائه لابد ان تستدعي معادلها الضد هنا فتطفر إلى الصدارة ملامة الحكام إن لم نقل شتيمتهم! وإنكارهم بل وإنكار الدولة نفسها باعتبارها متماهية تمام التماهي مع السلطة! بل وتتجاوز المأساة ذلك إلى أفق كارثي محتمل، التخلي عن الهوية والكفر بالانتماء ‘وددت أن أكون تشيليا’. ولان اللغة وعاء الفكر، ولان التعبير لابد ان يصاغ بالمفردات السائدة فان الإنسان وفعل الإنسان، يغيب في الأغلب الأعم من الرسائل، بل وينكر تماما هنا لصالح المشيئة، ولكن أية مشيئة؟ إنها ليست ذلك الحضور الكوني الشامل في كل شيء والتجلي الأكيد في كل فعل خير وكل منجز إنساني مفيد، بل المشيئة الصغيرة المنحازة.. الأفق الضيق المتعصب لذات متضخمة ومريضة، حيث أن الله الجليل أنقذ هؤلاء المساكين لان فيهم اسما، وبذلك ننكر على الله عظمته ورحمته وعدله ونحل بدلا من كل ذلك أهواءنا، إن المضمون المشترك لكل، أو معظم تلك ‘الصرخات’ هو الإحباط القريب من اليأس ‘متى نعيش كبشر وتهتم بنا دولنا’! لقد أعلن الرئيس التشيلي عقب إتمام عملية الإنقاذ مباشرة.. إن تشيلي لم تعد ما كانته منذ تسعة وستين يوما، إنها اليوم شيء آخر مختلف، لم تكنه ابداً من قبل، إنها اليوم موحدة أكثر من قبل، ودولتنا تحظى بالاحترام والتعاطف من كل أنحاء العالم.. مؤكدا حقيقة تنمو عالميا على نحو متعاظم في وعي البشرية، رغم كل المعوقات والعراقيل وهي إن عصر التسلط والطغيان آيل، لا محالة إلى زوال، وان عظمة واحترام وجبروت الدول والحكومات تنبع وتتجلى، اليوم ومستقبلا، أكثر من أي وقت مضى، من اهتمامها بحياة ومصالح ورفاهية وكرامة مواطنيها! عارف معروف