الطفرة التلفزيونية العربية:
شكري الصيفيما الجديد في الدراما العربية وما هي خلفيات الاتجاه للتاريخ في مختلف فتراته؟ هل هي النوستالجيا أم العبرة أم الاتجاه نحو قراءة متوازنة وجديدة لأحداث تاريحية مضت؟ الجماعة تعصف بالإخوان؟
مسألة الدراما وتاريخ الزمن الحاضر تبقى سجالية ويعتريها الجدل المحتدم، فقد فجر مسلسل ‘الجماعة’ الذي يتناول سيرة حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المعارضة للنظام، أزمة سياسية في مصر، بعد مهاجمة جماعة الإخوان المسلمين المسلسل، لتصنيفه اياها داعية للعنف والانقلاب على مؤسسات الدولة. كما اعتبرت الحركة أن هناك صفقة أمنية لتشويهها سياسيا وايديولوجيا فيما اعتبره عدد من النقاد مجرد عمل فني يجدر التعامل معه كابداع يحمل رؤية نسبية قد تحتمل الخطأ أو الصواب. إلى ذلك أكد أحمد سيف الإسلام البنا نجل مؤسس الجماعة أنه رفع دعاوى قضائية لوقف عرضه لأنه يشوه صورة حسن البنا. كما اعتبر النائب الإخواني محسن راضي المسلسل بأنه صفقة بين الحكومة ومؤلفه وحيد حامد لتشويه الجماعة، ويصنف هذا السيناريست بانه كرس مناهضته للتيار الإسلامي من خلال كتابة نصوص الاعمال السينمائية والدرامية. وبحسب الاخوان فإن توقيت بث المسلسل مدروس، علما بانه تم اختيار توقيت العرض قبل الانتخابات التشريعية بناء على اجندة سياسية محددة. غير أن المؤلف وحيد حامد يرى أن المسلسل لا يهاجم الإخوان وحدهم، بل الحزب الوطني أيضا. كما يشير الى ان العمل جرت مراجعته من قبل فريق من المؤرخين وعلماء الدين.
وردا على مسلسل الجماعة أعلنت جماعة الإخوان المسلمين أنها بدأت انتاج مسلسل يحمل عنوان ‘حسن البنا.. رحلة لم تنته’ لتصبح عندئذ القضية كلها موسومة بردود الأفعال التي غالبا ما توظف الأحداث وتسيسها على حساب الحقيقة التاريخية في نسبيتها والموقف السياسي في جدليته. وهنا يطرح السؤال مجددا ما فائدة الدراما إذا عمقت الصراع المتجذر أصلا في المشهد العربي والاسلامي الموتور أصلا؟
في البحث عن التاريخ الضائعالتاريخ والدراما ورحلة البحث عن أحداث الماضي القريب لم تبح بكل أسرارها، فكما حصل سابقا في مسلسل ‘الباشا’ الذي تطرق لبيوغرافيا نوري السعيد وأنتجته قناة الشرقية العراقية. وكتب سيناريو المسلسل فلاح شاكر الذي ركز من خلال أحداث المسلسل وحواراته على أن السعيد كان قائدا عراقيا استثنائيا. عاد المؤلف نفسه مرة ثانية في مسلسل تلفزيوني جديد هو ‘آخر الملوك’ تناول فيه بعض جوانب سيرة الملك العراقي الأخير فيصل الثاني، مستندا الى بعض الحقائق والحكايات وحتى الافتراضات الشخصية.
ثمة أشياء في هذا المسلسل الجديد ليس مشكوكا في صوابها فحسب، بل انها بحسب شهود ومؤرخي تلك الفترة خاطئة. فسنوات حكم فيصل الثاني خلال الحقبة التي غطاها المسلسل 1953 – 1958 لم تكن نموذجية سياسيا، كما أراد السيناريست أن يظهرها أو كما يرى مؤيدو التوجه الملكي، فهي لا تقل عنفا سياسيا عن باقي الفترات التي كان فيها الوصي عبد الإله مسيطرا على العرش حتى أن السجون السياسية كانت مليئة بالمعارضين بمختلف توجهاتهم، لكنها بالتأكيد كانت أقل قمعا من الفترات اللاحقة 1963 2003 . ويبدو الكاتب منحازا، بلا سند تاريخي، وان كان من حقه الدفاع عن النظام الملكي، والتعاطف معه لكن من خلال نقل صور موضوعية من دون المبالغة في رسم مشهد ديمقراطي لم يكن متوفرا حتى في عمق العالم الغربي، الولايات المتحدة واوروبا حين كانت هيمنة المركزيات السياسية عارمة في ظل حرب بين قطبي العالم لم تترك مجالا للديمقراطية. ولان مهمة السيناريست لا تنفصل عن مهمة المؤرخ الأمين في كشف الحقيقة وتدقيق المسائل السياسية التي تعززها وثائق صحيحة قد تخضع للجدل والتأويل فان المسلسل هرب الى داخل البلاد مبتعدا عن تتبع واقع العراق في تلك الفترة، ولم يتطلع الى سبر اغوار ملامح الازمة الكامنة اجتماعيا وسياسيا في المشهد العراقي خمسينات القرن الماضي. رغم الاحداث المهمة مثل انتفاضة عام 1956 وإضراب عمال شركة نفط البصرة عام 1953 وما صاحبهما من قمع، بالاضافة الى دور العراق في حلف بغداد وعدم وقوف حكومة العراق إلى جانب مصر أثناء العدوان الثلاثي عام 1956 وهي احداث لا تقبل الكثير من التأويل السياسوي التبريري. ربما الانتقادات الكثيرة التي وجهت لمسلسل ‘الباشا’ في تفاصيله التاريخية لم تيسر اطلاع المشاهدين وفهمهم أحداث الماضي ومجمل التطورات الاجتماعية والسياسية التي أوصلت إلى أحداث ثورة 14 تموز وعنفها والانقلابات التي تكررت في التاريخ العراقي لتبرز مخاطر التعدي على التاريخ العراقي الحديث أو تزييف بعض مراحله.
ففترة حكم فيصل الثاني ثبتت السيطرة الاستعمارية الأمريكية – البريطانية على منطقة الشرق الأوسط، في سياق أجواء سياسية داخلية مشحونة بالتوتر في المنطقة كلها. وكان صراع القوى الدولية في الشرق الأوسط قائما في القاهرة الناصرية وفي بغداد عاصمة الحلف الذي يدعمه الغرب في محاولة لمنع التغلغل السوفييتي. وكان الفكر والسياسة في العراق خلال خمسينات القرن الماضي اكبر من إمكانيات الملك فيصل الثاني، الذي لا يملك ثقافة تؤهله لممارسة السياسة المعقدة في منعطفاتها الداخلية والخارجية. كما لم يكن نفوذ فيصل الثاني في الدولة يضاهي نفوذ عبد الإله ونوري السعيد المسيطرين على كل نواحي الحياة السياسية. ومن الأكيد أن المقاربة الفنية والدرامية تحتاج إلى قراءة جديدة لدور السلطة السياسية من دون اللجوء إلى تحريف فني وتاريخي وخطاب تمجيدي لرمز السلطة السياسية. القعقاع يقتحم إشكاليات الإسلام المبكر!
أوغلت الدراما التلفزيونية السورية في التاريخ العربي الإسلامي هذه المرة، من خلال مسلسل القعقاع بن عمرو التميمي للكاتب محمود الجعفوري والمخرج المثنى صبح، رؤية اقتربت منه كثيراً فتناولت مرحلة تاريخية تعد الأهم في التاريخ العربي، وهي بالوقت نفسه الأصعب، فهي التي قسمت الأمة وبقيت حية إلى اليوم.
تعرض المسلسل إلى بدء انتشار الإسلام في الجزيرة العربية وتوافد القبائل إلى المدينة للدخول في الدين الجديد، فكانت بداية التغيير في بيئة عرب الجزيرة بفعل الدولة الإسلامية الناشئة، وكانت قبيلة تميم وفارسها القعقاع من القبائل التي انضوت في الدعوة. ومهما يكن من أمر فانه لا يمكن لكاتب الدراما التاريخية الهروب من صعوبات توثيق الوقائع عند تناول مرحلة مبكرة ما أدى إلى وقوع خلل في البنية الدرامية وبناء الشخصيات.
لقد تتبع النص سيرة القعقاع بأسلوب التأريخ الدرامي وليس بأسلوب القراءة لهذه الشخصية للوصول إلى جوهرها العميق، فكانت بعض الحلقات تقديما بسيطا لمعلومات معروفة. لكن العمل في نصه الأول من تبعثر المشاهد وتسطيح المواقف التاريخية التي كان للقعقاع دور مؤثر فيها مثل فتح دمشق. كما غابت المرأة أو كادت عن العمل، حيث لم يكن حضورها الدرامي متحققا. ويحسب للعمل أنه استطاع المرور بذكاء في فترة الفتنة. كما نجح العمل في تفادي توجيه الإدانات المباشرة للأطراف الفاعلة في تلك الفترة.
لقد قدم العمل رواية مقنعة إلى حد ما لحقيقة ما جرى من خلاف بين معاوية بن أبي سفيان والإمام علي بن أبي طالب، حيث أوضح أنه كان خلافا سياسيا بين وجهتي نظر إزاء ما حدث من مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، في محاولة للإسهام في التخفيف من حدة الصراعات التاريخية وتوعية الأجيال الحالية بأن المعطى السياسي كان غالبا في بناء مسار التحولات وتوجيهها.
إن الوقوف وراء كاميرا الأعمال التاريخية ليس أمرا يسيرا ويحتاج إلى مخرج متمكن من كل أدواته، وهذا ما نجح فيه صبح إلى حد بعيد من خلال اختيار ممثلين رفعوا نسبيا شخصيات العمل الصعبة والقابلة للقراءة من زوايا متعددة.
لحظات قبل انهيار الإمبراطوريةيتطرق مسلسل ‘سقوط الخلافة’ لمسألة أثارت الكثير من الجدل حول موقف السلطة العثمانية من الاستيطان اليهودي في فلسطين، ومعارضة السلطان عبد الحميد لمشروع إقامة وطن قومي لليهود في الأراضي الفلسطينية والثمن الذي دفعه جراء تمسكه بهذا الموقف.
ويتناول المسلسل أيضا ما جرى من محاولات استعمارية لإشغال الإمبراطورية العثمانية بمسائل أدت إلى الانشقاقات وإضعافها وتمزيقها وتحويلها إلى أجزاء واحتلالها، والحروب الأخيرة التي شاركت فيها الإمبراطورية العثمانية، مما أدى في النهاية إلى سقوطها.
ويستعرض المسلسل في بداياته كيف وتحت أية ظروف تولى الوالي عبد الحميد فترة زعامة الدولة العثمانية وكيف كانت أوضاع العرب والمسلمين تحت الهيمنة العثمانية.
قصة وسيناريو وحوار المسلسل أنجزه الكاتب يسري الجندي وأخرجه محمد عزيزية عن فكرة للكاتب هاشم السيد.
وتبدو المسألة المهمة في المسلسل أنه أصبح أول مسلسل عربي يشاهده الأتراك والعرب. ويعيد المؤلف في هذا المسلسل تقييم فترة انهيار الخلافة الأخيرة، من خلال شخصية أحد أواخر سلاطينها عبد الحميد الثاني وأبرز الشخصيات التي عاصرته وحاولت معه إعادة تجديد الإمبراطورية العثمانية.
ويعرض المسلسل للقضية الفلسطينية من الجذور، من خلال الضغوط التي مارستها الحركة الصهيونية ومؤسسها تيودور هرتزل، وموقف عبد الحميد من الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبيع أراضٍ فلسطينية لبناء مستوطنات يهودية والضغوط الأوروبية التي مورست في هذا الشأن. وهي الضغوط التي يعتقد المؤلف أنها وقفت وراء انهيار الإمبراطورية العثمانية لاحقا، خصوصا إثر هزيمة الجيوش التركية أمام الجيش الروسي، التي مهَّدت في ما بعد لسهولة انهيار الدولة العثمانية مع هزيمتها في الحرب العالمية الأولى مع حلفائها الألمان.
وقد تكون هذه المرة الأولى التي يتم تناول الدولة العثمانية بطريقة مغايرة، إذ درجت العادة في المسلسلات العربية على تصويرها قوة استعمارية استنزفت العالم العربي، مع التركيز على صعود الحركة الوطنية العربية بداية القرن العشرين.
ويستخدم المؤلف القضية الفلسطينية كجزءٍ من الحكم على تقييم المرحلة التاريخية، وتقييم شخصية السلطان عبد الحميد، على اعتبار أنها القضية المركزية التي أدت إلى سقوط الخلافة الإسلامية. ومن المتوقع أن تثير الرؤية التاريخية للمسلسل الكثير من الجدل كما تفعل عادةً المسلسلات التي تتطرق إلى شخصيات أثَّرت في تاريخ المنطقة.
هكذا تبدو الدراما التاريخية العربية في النماذج التي استعرضناها قادحة بإثارة قضايا لا يزال العالم العربي والإسلامي يعيشها. ولم تغب المواقف الأيديولوجية والسياسية عن المسلسلات لتفتح صفحات جديدة من الجدل الفكري والنقاشات بين المؤرخين والفنانين والسياسيين بين منتقد ومؤيد.