‘القدس العربي’ في ذكراها الـ21 وتأثير خطابها على الناس

حجم الخط
0

محمد عبد الحكم دياب مع مرور يوم غد تكون ‘القدس العربي’ قد أكملت عامها الواحد والعشرين، وعادة ما تكون مناسبة لإعادة التعرف عليها وعلى بعض ظروفها وأحوالها وتطورها، خاصة أنها تمثل من وجهة نظري إضافة متميزة في عالم الصحافة والتواصل الإعلامي. وهو ما أعطاها ذلك التأثير والحضور الواضح الذي ملأ الدنيا وشغل الناس. وألخص ما أريد قوله بشأنها فى السطور التالية : أولا : نشأت ‘القدس العربي’ في ظروف غير عادية. وخرجت إلى النور من رحم الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وفي وقت تصور فيه النظام الرسمي العربي أنه إن لم يكن قد طوى صفحة فلسطين فقد أعطاها ظهره، وحصرها في إطار الاستهلاك الإعلامي والدعاية الحكومية. أغرته التنازلات المتتالية عن حقه وحق الفلسطينيين في فرض حل عادل ووضع نهاية منصفة للصراع العربي ـ الصهيوني. وساعد على ذلك الحال تداعيات ترتبت على تغيير ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، وتزكية نهج التفاوض فحل تدريجيا بديلا للكفاح المسلح. هذا فضلا عن توابع الاعتراف بوجود الدولة الصهيونية وحقها في الاغتصاب. ومن يعود إلى مؤتمر القمة العربية السابق على الانتفاضة الأولى يجد أن فلسطين أهملت تماما، وما قدم من تنازلات بدا وكأنه قد أعفى النظام الرسمي العربي من مسؤوليته عنها. وانتهى الأمر بتماهي النظام الرسمي الفلسطيني في النظام الرسمي العربي. واقترب الاثنان تبعا لذلك من المشروع الصهيوني. وأخذت الخطط ومقترحات التسوية والحلول مسارا نوعيا مغايرا، وأضحت شأنا أمريكيا صرفا، بكل ما يعني ذلك من انتصار للمشروع الصهيوني. ثانيا : أحاط النشأة مناخ نمت فيه الحاجة لمواجهة التردي الذي استقر على أكثر من جبهة عربية، ومنها الجبهة الفلسطينية، وتصاعد وتيرة الإبادة والتهجير وزيادة أعداد الفلسطينيين الذين يعيشون في المنافي وفي مخيمات اللجوء، وذلك لإفساح المجال أمام الهجرات المتزايدة من الاتحاد السوفييتي السابق في مرحلة احتضاره. هذا بجانب أن ملايين الذين فقدوا الوطن كانوا قد خلقوا بداخلهم وطنا وجدانيا. وبدلا من أن يعيشوا في وطن له حدود سياسية وجغرافية واضحة المعالم عاش الوطن فيهم، وهذا من أسرار معجزة البقاء الفلسطينية متعددة الوجوه. ولم يكن هناك بد من الرهان على الذات. وبذلك ملأت الانتفاضة الأولى فراغا أحدثه تردي النظام الرسمي العربي وتراجع المقاومة و غياب الكفاح المسلح، وكانت المقاومة أساسا للوحدة الوطنية والتماسك السياسي والتكافل الاجتماعي. والوطن بذلك المعنى كان بحاجة لوعاء وجسر عبور إلى المحيط الفلسطيني ومجاله الحيوي بمستوييه العربي والإنساني. يحافظ على الثوابت الوطنية والقومية والدينية إلى أن تحين لحظة تاريخية فاصلة تتعدل فيها الموازين وتستقيم معها الأوضاع مرة أخرى.ثالثا: بعد النشأة ، فرض هم الاستمرار نفسه على مؤسسي المشروع. كان مطلوبا منهم أن يوفروا له الرعاية وأن يمكنوه من النمو والاكتمال. وكان هذا صعب المنال دون التوجه إلى القارئ وإلى المنتمين لفلسطين، سواء كانوا من أبنائها أو غيرهم. فالتوجه إلى هؤلاء يخفف من ضغوط وابتزازات الساسة وتعنت المسؤولين وجمودهم. وهذا ما منح ‘القدس العربي’ القدرة على تجاوز المعنى الضيق للفلسطينية، أعطتها معنى رحبا أحيا قيمة فلسطين الحقيقية، الأكبر والأشمل من ذلك الحيز السياسي والمساحة الجغرافية، بما تمثله كجزء عزيز من وطن عربي أكبر وعالم إسلامي أوسع، يفوق عددا وعدة أولئك السكان؛ ممن بقي منهم على أرضه أو ذهب إلى صقيع المنافي و جحيم المخيمات، واكتشف القارئ قبل غيره، من خلال ‘القدس العربي’ أن لفلسطين حجما معنويا وإنسانيا يتجاوز حجمها المادي بمئات المرات. قيمتها مستقرة في عقل وضمير أمة عربية تجاوز عددها 360 مليون نسمة، وتحتل مساحة جغرافية ممتدة من غرب إيران حتى شرق المحيط الأطلسي، في شمال غربي القارة السمراء. وتتسع بمساحة عالم إسلامي ممتد؛ من الجزر الاندونيسية إلى بحر الظلمات والصحراء الموريتانية. وتحتل مكانة خاصة لدى الرأي العام الإنساني وفي وجدان وضمائر الأحرار على اتساع قارات الدنيا. رابعا : ذلك الحجم المعنوي والحضور الإنساني الكبير، حملا ملامح امبراطورية أو ما فوق امبراطورية، لكن بمحتوى مختلف. لم يكونه غاز، ولا صنعه مغــامر. بُني بقوافل الشهداء والمجاهدين، ودور العظماء والمبدعين. وتُرى تلك الملامح واضحة على الأرض وبين الناس وفي ذاكرة الأيام. وقد قيل وكُتب الكثير عن الامبراطورية اللبنانية الممتدة، والتي بنيت بنشاط المهاجرين واتسعت بمهاراتهم وقدرتهم على التواصل. وذلك الحضور اللبناني ترك بصماته في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. أقيمت الامبراطورية اللبنانية بالتفاعل والنفوذ الاقتصادي والحضور السياسي والتأثير الأكاديمي والإعلامي ، مع دور بارز في عوالم المال والأعمال وداخل بلاط الملوك وقصور الأمراء والشيوخ في الجزيرة العربية والخليج. ومع ذلك أصبح المجال الامبراطوري الفلسطيني أوسع وأكثر تأثيرا من شقيقه اللبناني. ووعت ‘القدس العربي’ ذلك الحجم فحافظت عليه وزادته تأثيرا. وهذا من أسرار الالتفاف حولها. لم تكتف بأن تكون لسان حال الفلسطينيين وأضحت لسان حال كل المستضعفين والأحرار العرب؛ داخل الوطن الكبير أو خارجه على امتداد العالم. خامسا: وإذا كانت النقاط أعلاه كاشفة للحجم والحضور والتأثير.. فماذا عن الرسالة التي حملتها ‘القدس العربي’ للناس؟ وتعود بي الذاكرة إلى فترة الإعداد، والحديث عما أسميناه ‘الخط الغائب’ في الخطابين السياسي والإعلامي العربي، وهو الخط الذي غلب على الصحف السيارة، وكان هذا معناه إحياء الخطاب الوطني الجامع، الذي يتسع لتنوع واختلاف الأفكار والآراء وتعدد الاتجاهات دون تناقض أو صدام مع الثوابت الوطنية والقومية والدينية والأخلاقية، وهي وإن بدت معادلة صعبة، ومع ذلك أمكن حلها والتعامل معها، بنشر الحقائق وتناول أكثر القضايا تعقيدا وحساسية، على قاعدة تسمية الأشياء بأسمائها، ووصف التصرفات بما يجب أن توصف به. وبذلك كُسر سياج العصمة وتحطم طوق القدسية الزائفة التي طغت على الخطاب السياسي والحكومي والأمني العربي. ولم يكن ذلك ممكنا بغير مـــواقف جسورة ودون روح قابلـــة بالتحدي، سعت لإعادة الاعتبار لثقافة المقاومة وقيم التحرر والكفاح، ولم يمنعها تجبر المنظومة الصهيو ـ غربية وتوحشها بعــد أمسكت بزمام المبادرة واعادت العالم إلى ما قبل عصر التحـرير فينا بعد صعـــود الظاهرة الاستعمارية وتــوابعها الاستيطانية والعنصرية. وبــذلك أضافت للنظــام الرسمي العــربي والعــالمي قبحا على قبحه الأصــلي. لــم يمنعــها ذلك من حمل عبء هذه الرسالة.سادسا: ساعدت ‘القدس العربي’ وهي تزيح مساحيق التجميل وأقنعة التنكر عن حقيقة قوى الاستكبار. ساعدت في تعرية زيف الديمقراطية الوافدة على ظهور دبابات الغزاة والمحتلين والمستوطنين، وترويها أنهار دماء الضحايا والأبرياء، وتغطيها حمم الحديد والنار المنطلقة من القواعد والأساطيل والطائرات، وثبت أن كل ذلك القتل والدمار والتخريب والتهجير لا يمت بصلة للديمقراطية، إنما هو من قبيل الإبادة والتطهير العرقي والعدوان المستمر. كشفت أن الديمقراطية الحقة تحق الحق، وتزهق الباطل، وتقيم العدل، وتنصف المظلوم وتحرر المستضعف. وقد ساهم ذلك في اندلاع الحراك الوطني المتنامي في أكثر من بلد عربي. وها هي مصر تشهد على ما ندعي. كان لـ’القدس العربي’ فضل السبق في كشف مخطط التوريث، في وقت لم يكن ممكنا فيه رؤيته بالعين المجردة، قبل أكثر من عشر سنوات. وقتها بدت اللغة مستغربة والتوقع مستبعدا، ولما لاح المخطط في أفق البيت الحاكم وشاع؛ ظهرت دعاوى السبق، مع أن جرس التحذير كان يقرع مدويا على صفحات ‘القدس العربي’.. مسموعا.. وله أصداؤه في مصــر وخارجها بعــد أن ضــاقت المسافات وتعاظم التواصل بين الناس.سابعا: وفي زمن تتبارى فيه أقلام ومطبوعات ووسائط بث إذاعي ومرئي؛ تزين محاسن الحياة في كهوف الجمود، والسباحة في مستنقعات التخلف، كانت ‘القدس العربي’ على العكس ترفض الجمود ولا تقبل بالتخلف، وذلك بنشر الوعي ، وتحفيز الهمم، مع الدعوة للأخذ بنواصي التقدم وأسباب القوة. ولم تهمل قيم الإخاء الديني والإنساني القائم على التسامح والبعيد عن التعصب. لذا لم تقع في فخ الإغراءات الطائفيـة والمذهبية، ولا النزوات العنصرية والانعزالية. كــان خطابها عابرا للطوائف والمذاهب والأهــواء العنصرية والانعزالية. واكبت الحراك النشط في أكثر مــن ساحة عربية. سلطت عليه الضوء ووقفت في صف المتعطشين والحالمين بالتغيير والساعين إليه.الكتابة عن ‘القدس العربي’ في ذكرى تأسيسها تهدف في جانب منها استجلاء ما قد يكون قد أهمل في زحمة المشاغل والأحداث، ومع أن ظهورها واستمرارها جاءا في زمن التراجع والعجز الرسمي إلا أنها كما نشأت من رحم الانتفاضة الأولى عاشت حتى شهدت إرهاصات نهوض وطني واضح، وتصاعد حراك شعبي ينبئ بتغيير شامل تنعقد عليه الآمال في صياغة مستقبل أفضل مبرأً من فساد وأدران الواقع الحالي. وقد حافظت ‘القدس العربي’ على احترامها لنفسها بسبب عدم الانسياق والتهليل للتراجعات والانهيارات، والادعاء بأنها انتصارات، أو في حدها الأدنى حبل للنجاة ، إعمالا لقاعدة ليس في الإمكان أبدع مما كان. رهان صحيح، وإن بدا متمردا.. لكنه التمرد الحميد والفاعل. لذا بلغت سن رشدها مبكرا وقبل أوانه. وسن الواحد والعشرين يمثل في العادة سن الرشد لدى الإنسان، أما في ‘القدس العربي’ فقد أضحى سن التمكن، فقد بلغت رشدها مع لحظة ولادتها وسبقت عمرها في الدور والمكانة. ونجاحها في إحياء ذلك ‘الخط الغائب’ استمر بها وأثمر وتطور وأثبت نجاعته. وما كان لها أن تشق طريقها وتكون لها هذه المكانة لولا كتيبتها الجسورة، وأسرتها المتضافرة. أثبتوا جميعا أن الوعي والموقف أغنى وأكثر قوة من كنوز الأرض. وهم من جعلوا المستحيل بلا معنى أمام قوة الإرادة والعزيمة الصلبة، فأتاحوا للأفكار والآراء أن تتفتح وللورود أن تزهر. لهم التحية وتهانينا لهم جميعا ومعهم قائد كتيبتهم الأخ والصديق الأستاذ عبد الباري عطوان. ‘ كاتب من مصر يقيم في لندنqr

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية