خليل النعيمي’لاتذهب الرأس أبْعَدَ مما تذهب القَدَم’تذَكَّرْ أن السفر متعة.
وأن المتعة ليست بحاجة إلى اقناع الآخرين بجدواها. لكن هذه الإشكالية لا تطرحُ نفسَها على ‘المقيم في أرضه’، ولا على العاطل عن ‘المشاعر الجغرافية’، أو الذي لا يرى أبعد من أنفه. لا، لأنه حسيرُ البصرِ، ولكن لأنه لم ‘يذُقْ طَعْم الأرض’ بعد. وتلك مأساة لا عزاء لها.’الحياة التي لاتسافر، لا شكلَ لها. وكلُّ تعدداتها، فيما بعد، ستنبع من الأمكنة التي سيحتويها الكائن في نفسه، أثناء ترَحُّله في فضاء الكون الآسر، والمليء بالمفاجآت. إذْ لا يمكن لنا أن نرى شيئاً دون رحيل، أو سَفَر، أو ظُعون. لكننا، حتى ونحن نرحل، وبالخصوص في هذه الحال، سنكون بحاجة إلى إبْصار عميق ومتجدد باستمرار، لكي نرى ما لا يراه الآخرون.
ليس صحيحاً، إذن، أن ‘الدهشةَ’ مَلْقوحَة على قارعة الطريق. ولو كان ذلك حقاً لما عَذَّبَت الطبيعةُ نفسها، وأنجزتْ كل هذا القَدْر من الروعة. ولما زلزلت الأرض زلزالها، وتشعَّبَت الأنهارُ كالعُروق على جسد الأرض الذي يختزن المآثر والمواقيت.
السفر متعة وحرية. بواسطته نكتشف أن الوجود متعدد وعظيم. وأن المكان الواحد ليس إلا صورة كئيبة عن الكون اللامحدود. وأن الآخرين يختلفون عنا، لأنهم يشبهوننا كثيراً حتى لنكاد أن نذوب فيهم. ونكتشفُ، أيضاً، أن الحياة الإنسانية لاتستقيم بطريقة واحدة، وإنما بما لا يحصى من الطرائق للوصول إلى غايتها.
ولكن كيف يمكن إقناع مَنْ لم يسافر بذلك؟ والسفر هو البرهان الأقوى على ضرورة السفر وأهميته، لا في الحياة العاطفية، فقط، ولا في علاقة الكائن بالأمكنة والكائنات الأخرى، فحسب، ولكن، حتى بالنسبة لفاعليّة العقل، وطاقته على الإدراك. وهو أمر له أثَر كبير في الحياة.
مَنْ يحكُمْ علينا بعدم السفر، إذن، أو بإعاقة مَنْ يرغب منا بالسفر عن إتمام رغبته، مهما كانت الذرائع التي يَدّعيها، إنما يحكُمْ علينا بالموت البطيء في ‘قبر واسع هو الوطن’. أي شيء يقنعنا بالقعُود، بعد ذلك، غيرُ القمعِ الواقع علينا من مملكة حماقة السلطة، والكسلِ النابعِ من أجوافنا؟ وكلاهما من العوائق الأساسية في الحياة والمعرفة. وعلينا تلافيهما مهما كانت المصاعب والأخطار.
أنظُرْ!
أنظر بعيداً. عندما تنظر بعيداً، كل شيء سيبدو قريباً، وكأنه أمام عينَيْك. لأنك تكون قد بدأت تنظر إلى أعماقك الملأى بالخَمَج والبلاهِة: بلاهةِ العالم القديم الذي وَسَمَكَ بالخمول والسكينة. وهما من مخلَّفات الإقامة الطويلة في المكان. إمشِ! يقول.
وأمشي! أمشي مُدَلِّلاً وشَهِيّاً. تتراءى لي آفاق الكون اللامتناهية. وعليها، على صفحة الأفق القصيّ، أرى أمكنةَ طفولتي الأولى، ذاتَ الروعة التي لا مثيل لها، والتي لَمْ أرَ منها شيئاً، عندما كنت فيها، لأن ‘عقلي’ كان محدوداً وسريعَ التحفُّزِ والإبتذال. بلى! أرى ‘السنْجَق’، وعامودا’، وسُهوبَ حَماِد الجزيرة اللاصقة بالروح. وأرى الطويلة’ وتَلَّها الأحمر القابع بأبهة فوق القاع. تحته، تماماً، يجري نهر’الخابور’ ذو الماء الأحمر المليء بالوحل والأعشاب، وبقايا عيدان القطن الذي حِشْناه قبل أيام قليلة فقط. القطن الذي سيسافر إلى ‘حلب’، وخاناتها العملاقة، وإلى أماكن أخرى أكثر بُعْداً، ونبقى نحن جاثمين في مكاننا مثل جثث لا يريدها أحد. أخيراً، هأنذا بسفري المتقصّي، والذي ينأى كل يوم، أكثر، فأكثر، أنتقمُ لكل ذلك السكون اللاخَلاّق الذي كنت مصاباً به، أو الذي كان مفروضاً عليَّ. لا فرق. أمشي في أنحاء الكون، وحيداً، وأنا أردد: ‘لو وضعتم الأرض بين يديَّ’. وكأني به يقول، مُسْتَبِقاً ما أريد: إذهَبْ! إذهب بعيداً. أبعدَ ممّا تتصَوَّر. عالمك القديمُ هو ذا تحت قدمَيْكَ ما دمت تمشي. ما دمتَ تقدر أن تسافرَ. أن تذهبَ، وتجيء! إذهَبْ! سيفرح بكَ الماضي، لأنه هو الذي أوصلَك إلى حيث أنتَ، الآن.
وأكاد أسمعه يقول لي، كما كان يقول، عندما كنتُ أخرج من البيت وأعود إليه، مُرَحِّباً: ‘جئتَني برائحةِ العالَم’. ـ نص المداخلة إلى مؤتمر الرحلة: ‘العرب بين البحر والصحراء ‘، الذي عُقِد في قطر/ ديسمبر 2010