اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين

حجم الخط
0

أصدرت حركة اليسار الاجتماعي بيانا انتقدت فيه حزب جبهة العمل الاسلامي، لاعتراضه على مجموعة من التجاوزات الدينية والأخلاقية التي حدثت مؤخرا في الأردن، في الإعلانات والمراكز والمهرجانات والاحتفالات التي تلازم معها استخدام رموز وممارسات وثنية ورافقها عري وشذوذ، وربطه ذلك كله بما يعانيه البلد من أزمات داخلية واحتباس للمطر، وبينت حركة اليسار أن هذه الممارسات من باب الحرية الشخصية والتطور والتسامح، ولا يجوز بأي حال تقييدها أو فرض الوصاية على الناس في تصرفاتهم واختياراتهم، كما لا يجوز تفسير أحوال الدنيا بمنظار الدين لأن ذلك لا يتفق مع العلمانية في فصل الدين عن الدولة، وحصر ما لله في المسجد وعلى سجادة الصلاة وترك باقي أمور الحياة لقيصر وميدان الحكم! وبالنظر الى مفهوم الحرية التي يستخدمها الكثيرون جهلا كشماعة يعلقون عليها جرائمهم وافتراءاتهم، فإن جان جاك روسو فيلسوف الثورة الفرنسية التي قامت على مبادئ الحرية والإخاء والمساواة، قال إن الحرية والإرادة الشخصية مقيدة بمصلحة المجتمع والحرية العامة، وان المجتمع حتى يتطور يجب أن يكون هناك عقد اجتماعي بين الأفراد والأفراد وبين الأفراد والمجتمع، بحيث لا تطغى نوازع الأفراد وشهواتهم على مصلحة الكل. ويحذر روسو من أن الإنسان إذا أصبح عبدا للحرية الفطرية، فإنه ينحدر الى منزلة الحيوان ويصبح أسيرا لذاته يأكل ويشرب ويتكاثر من دون قيود ولا تفكير ولا تبعات! أما الحريات المقيدة بمصلحة المجتمع في الحفاظ على الأخلاق والأمن والاستقرار فهذه تقتضي أن يحتكم المواطنون الى شريعة أكبر من أفقهم الضيق وغاياتهم الشخصية وقانون وأعراف اتفق أفراد المجتمع على صلاحيتها وضرورتها. إن روسو الذي قيد الحرية بعقال من القيم والأخلاق ليس عضوا في جبهة العمل الإسلامي ولا مفتيا ضمن علمائها، ولكنه مع إلحاده المعلن أيقن أن حرية الأفراد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين. إن روسو لم يكتب للدول العربية المحافظة، التي تحتكم الى الشريعة الإسلامية في كثير من قوانينها، بل كتب للثورة الفرنسية وللحضارة التي توصف بالمستنيرة، ولكنه مع ذلك لم يستطع أن يتجاوز فكرة أن المجتمع لا يتقدم ولا يتطور الا بضوابط. إن بيان حركة اليسار الذي ينادي ضمنيا بترك الحبل على الغارب ليحيا كل على هواه حتى يتطور مجتمعنا كما تطورت المجتمعات الأخرى وحتى ننفتح على العالم، ينسى أن مدنا متحضرة كسدوم وعمورة، المذكورة في العهد القديم، ويعتقد أنها كانت في منطقة البحر الميت، دمرها الله وهي في أوج عنفوانها وقوتها، حيث كانت مدنا ومحطات تجارية بسبب فساد أهلها واستباحتهم للفواحش، ومثلها مدينة بومبي الرومانية، التي تقع بالقرب من مدينة نابولي الإيطالية والتي اكتشف حديثا العديد من جثث سكانها المتفحمين كشواهد لا تقبل التكذيب أو التأويل على عقاب الله لهم، بعدما انتشرت بينهم الممارسات الفاحشة والرسوم والمنحوتات الإباحية، التي صورت مشاهد العري والزنى والشذوذ، وسيرة هذه المدن ومصيرها موثق في التاريخ الإنساني وليس في التاريخ الإسلامي حتى لا يقول قائل بأن التاريخ الإسلامي يفصل القصص والحجج التي تخدم أفكاره! لقد قدم بيان حركة اليسار قراءة ونصوصا قرآنية وانجيلية مجتزأة من سياقها لدعم وجهة نظر الحركة في دعوتها للتعارف والتسامح مع الآخر، وصحيح أن القرآن والانجيل وجميع الديانات السماوية مليئة بنصوص التسامح وعدم إكراه الناس في دينهم ، ولكن بموازاة مع النصوص التي تشدد على عقوبة المتجاوزين وأهمية حفظ الأخلاق وحاجات الإنسان الأساسية: الروح والعقل والجسد والعرض والمال، فالله غفور رحيم في جميع الديانات، ولكنه شديد العقاب مع المجرمين، وبهذا التوازن بين الرحمة والعقاب تستقيم الحياة. قال أبو إياد رحمه الله ذات يوم: أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر، ونقول بالمثل أخشى ما نخشاه أن يصبح ارتكاب الفواحش وجهة نظر ورأي وحرية شخصية، فإن تردي الأخلاق هو أعظم خيانة للمجتمع والوطن وهو بداية ذهابه وفنائه فإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا، وما مشاكل الفقر والفساد والتبعية التي ينادي البيان بالتركيز عليها الا بفساد الذمة والأخلاق، وهذه جميعا حلقة متصلة تصب في بوتقة واحدة، والمفرط بحرمات الناس سيفرط بمصادر المجتمع وثرواته، ومن لا يؤتمن على الأولى سيخون في الأخيرة، وما مشاكل الفقر الا نتيجة الإسراف والمغالاة في ملذات ومتع الدنيا والخروج عن الجادة وعدم تحكيم الشرع وقال تعالى ‘وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا’. وما العلاج الا من رب العزة ‘فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا’. وفصل القول في مواجهة هذه الإدعاءات دعاؤنا أن يجعلنا الله من أهل اليمين الذين قال فيهم ‘فسلام لك من أصحاب اليمين’ وجعل جزاءهم ‘في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة’.د. ديمة طارق طهبوب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية