الليل المسافر

حجم الخط
0

عزت القمحاوي آية الليل والنهار: النهار ذكر والليل أنثى….. النهار جارح وواضح وفظ، يقتل بالشمس ويقتل بالدهس ويقتل باليأس. الليل مجامل ومراوغ ولئيم، يقتل بالسم والغم ويقتل بالآمال الخدّاعة. يعمل الدكتاتور نهارا وينجح نهارا وراء نهار، قرارا وراء قرار، ويعمل الكاتب بالليل ولا يجني إلا الخيبة، ليلة بعد ليلة، كتابا وراء كتاب. أعمال الليل والنهار:’زوار الليل’ تعبير يعرفه العرب أبناء النصف الحزين من القرن العشرين والعُشر الأكثر حزنا من الحادي والعشرين، لأن رجال الدكتاتور يقتحمون البيوت في الليل عادة لتنفيذ قرار تم اتخاذه في النهار. هل يستحي الدكتاتور كالبشر فيعمد إلى إتمام قرار الدهس بشيء من السم في خفاء الليل؟ هل الليل ضرورة فنية لدهس الحياة أم أن الأمنية الأخيرة للضحايا هي انتزاعهم من لحظة الكتابة البائسة ويلبيها الجلاد بكل أريحية؟!سفر الليل والنهار:روح المسافر ليل. ضعيفة، مرتابة، مترددة، خائفة، مستثارة مثل روح طفل في أرجوحة. في الليل يصبح الارتياب والتردد والخوف والاستثارة لدى المسافر أضعافا مضاعفة؛ فإن كنت ممن يأنفون هذه المشاعر فلا تقبل أي عرض ببطاقة ليلية إن كانت هناك إمكانية للسفر بالنهار. قاوم مغريات السعر. تجنب ابتسامة موظفة الطيران وحاجبيها المرفوعين دهشة عندما تخبرك بوجود مقعد خال في طائرة ليلية وكأنها تبلغك بأنك كسبت اليانصيب. ارفض العرض بثقة دكتاتور يرى مستقبله في الحكم بعد خمسين عاما. تفادى فخ السفر ضعيفا والوصول خائر القوى.عندما لا يكون هناك بد من سفر الليل بين مدينتين تكون ـ مثل غيرك ـ محكوما بمغريات الليل ولا فرار، أما إذا كانت هناك طائرات أخرى؛ فالليل كارثة ينبغي تجنبها، خصوصا بين نقطتين حزينتين.الليل ذكر وأنت الأنثى:في السفر يتحول الليل إلى ذكر، ستزن أمتعتك بين ذكور؛ لأن النساء تتحاشى اجتماع أنوثتها مع أنوثة الليل. قد تجد القليل جدا من النساء، لكن بندرة تؤكد القاعدة، الأكثر ندرة بين القلة النادرة هو الجمال والشباب. نساء الليل في طائرة بين نقطتين حزينتين يتمتعن ببؤس نساء البارات الفقيرة، فاقدات الأمل في قدرة عطورهن على جذب أسراب الذكور، يعوضن غياب رائحة الأنوثة بالصوت الكسير والنظرة الهشة. وليس هناك من أمل في كسب رجال أنهكهم السهر والخوف من الليل الذكر، ولا يطلبون في تلك الساعة سوى ثدي الأم.ليل المطارات الحزينة:المطارات مقياس لسعادة الشعوب،لا يضلل؛ مقياس لما ينتظر المسافر من سعادة أو حزن. في الليل يصبح المقياس أكثر دقة؛ فلا يمكن أن تضلله خضرة المهبط ولا فخامة الصالات أو اتساعها أو حداثتها، الحكم ينطلق من نوع البشر الذين يديرون المطارات ويحتمون بستر الليل ومراوغته، يتركون أحبال بهائم أرواحهم على غواربها وتنضح أجسادهم بما تحوي من كرامة أو هوان.في المطارات السعيدة قد تغويك عاملة النظافة بأكثر مما تستطيع ضابطة الجوازات أو موظفة الطيران، القسمة أقرب إلى العدل في الأرواح والأجساد. في المطارات الحزينة يسري تخريب الدكتاتور في النهار والليل. تكنز بعض الأجساد لحما سعيدا، تجر الأغلبية لحما حزينا، تختزن بعض الأجساد فائض الحرية، تحمل الأخرى فائض الخوف. مطارات الليل الحزينة يحكمها رجال ليسوا كالرجال. ضابط الجوازات له صلافة إله يستجوب مسافر الليل الذي بلا حول ولا قوة. عامل النظافة شبح خارج من روايات دوستويفسكي، على الرغم من واقعــــية لسانه المتطوع بالنصيحة ويده الممدودة للصدقة.لا تسافروا في رحلات الليل إلى المطارات الحزينة خصوصا إن كنتم فلسطينيين أو عراقيين إلا إذا تسلحتم بجوازات سفر أوروبية؛ لأن آلهة الجوازات في تلك المطارات تطرد أحيانا من الجنة. ولا تسافروا في رحلات الليل، أيا كانت الجنسيات التي تحملون؛ لأن موظفي الجمارك في تلك المطارات تسليتهم الليلية فتح الحقائب ورؤية ما فيها، بلا داع أو ضرورة، اللهم إلا ضروة العدل والمساواة، حيث يكون العبث بحقيبة المسافر مساوياً للعبث ببيت المقيم.العري شرط أساسي للعبور إلى والإقامة في: الجنة والبلاد البائسة، حيث لا ستر لأحد تحت ظل الله أو ظل الدكتاتور.ليل المدن الحزينة:تستلف المدن الحزينة من الأخرى السعيدة بعض تقنياتها. صار بمقدور المسافر أن يحجز غرفته بالإنترنت هنا أو هناك. في المدن السعيدة بوسعك أن ترى صورة الغرفة التي ستسكنها ومدخل الفندق الذي ستعبره ومطعمه الذي قد تستخدمه وبرك السباحة التي لن تستخدمها. وعندما تصل تجد الأصل مطابقا، أو أقل قليلاً، أو ربما أفضل جدا. في المدينة الحزينة صور على الإنترنت ولكنك قد لا تتمكن من مطابقتها مع الواقع؛ لأن العنوان غير منضبط والفندق أقل من أن تحفظه ذاكرة سائق تاكسي صادقا كان أو راوغك ليمارس دور سمسار ليلي. وإن اجتهدت ووصلت ستجد الجناح الذي حجزته زنزانة والحديقة التي رأيتها برعماً ونافورة البحرة بحجم صحن التواليت. ولهذا، إذا دعتك الضرورة لحجز غرفة في بلد حزين فلا تسافر في الليل ليكون لديك متسع من الوقت للشجار، أو على الأقل لا تقل إنك ستصل في الليل حتى لا يراوغونك كالليل، والأفضل أن تتذكر أن سائقي التاكسي في كل مطارات العالم يجمعون بين القيادة والسمسرة. وهؤلاء قد يأخذونك في البلد الحزين إلى مكان أفضل مما تأخذك إليه شبكة العنكبوت، بشرط أن تختار من بين الفنادق التي يعرضونها عليك الأسماء الأكثر حياداً، وأن تستبعد تماماً ما يحمل في اسمه الوعود.في البلاد الحزينة، لا تتحقق الوعود النهارية لسائق البلاد ولا الوعود الليلية لسائق التاكسي.الليل المسافرعزت القمحاوي آية الليل والنهار:النهار ذكر والليل أنثى.النهار جارح وواضح وفظ، يقتل بالشمس ويقتل بالدهس ويقتل باليأس. الليل مجامل ومراوغ ولئيم، يقتل بالسم والغم ويقتل بالآمال الخدّاعة. يعمل الدكتاتور نهارا وينجح نهارا وراء نهار، قرارا وراء قرار، ويعمل الكاتب بالليل ولا يجني إلا الخيبة، ليلة بعد ليلة، كتابا وراء كتاب. أعمال الليل والنهار:’زوار الليل’ تعبير يعرفه العرب أبناء النصف الحزين من القرن العشرين والعُشر الأكثر حزنا من الحادي والعشرين، لأن رجال الدكتاتور يقتحمون البيوت في الليل عادة لتنفيذ قرار تم اتخاذه في النهار. هل يستحي الدكتاتور كالبشر فيعمد إلى إتمام قرار الدهس بشيء من السم في خفاء الليل؟ هل الليل ضرورة فنية لدهس الحياة أم أن الأمنية الأخيرة للضحايا هي انتزاعهم من لحظة الكتابة البائسة ويلبيها الجلاد بكل أريحية؟!سفر الليل والنهار:روح المسافر ليل. ضعيفة، مرتابة، مترددة، خائفة، مستثارة مثل روح طفل في أرجوحة. في الليل يصبح الارتياب والتردد والخوف والاستثارة لدى المسافر أضعافا مضاعفة؛ فإن كنت ممن يأنفون هذه المشاعر فلا تقبل أي عرض ببطاقة ليلية إن كانت هناك إمكانية للسفر بالنهار. قاوم مغريات السعر. تجنب ابتسامة موظفة الطيران وحاجبيها المرفوعين دهشة عندما تخبرك بوجود مقعد خال في طائرة ليلية وكأنها تبلغك بأنك كسبت اليانصيب. ارفض العرض بثقة دكتاتور يرى مستقبله في الحكم بعد خمسين عاما. تفادى فخ السفر ضعيفا والوصول خائر القوى.عندما لا يكون هناك بد من سفر الليل بين مدينتين تكون ـ مثل غيرك ـ محكوما بمغريات الليل ولا فرار، أما إذا كانت هناك طائرات أخرى؛ فالليل كارثة ينبغي تجنبها، خصوصا بين نقطتين حزينتين.الليل ذكر وأنت الأنثى:في السفر يتحول الليل إلى ذكر، ستزن أمتعتك بين ذكور؛ لأن النساء تتحاشى اجتماع أنوثتها مع أنوثة الليل. قد تجد القليل جدا من النساء، لكن بندرة تؤكد القاعدة، الأكثر ندرة بين القلة النادرة هو الجمال والشباب. نساء الليل في طائرة بين نقطتين حزينتين يتمتعن ببؤس نساء البارات الفقيرة، فاقدات الأمل في قدرة عطورهن على جذب أسراب الذكور، يعوضن غياب رائحة الأنوثة بالصوت الكسير والنظرة الهشة. وليس هناك من أمل في كسب رجال أنهكهم السهر والخوف من الليل الذكر، ولا يطلبون في تلك الساعة سوى ثدي الأم.ليل المطارات الحزينة:المطارات مقياس لسعادة الشعوب،لا يضلل؛ مقياس لما ينتظر المسافر من سعادة أو حزن. في الليل يصبح المقياس أكثر دقة؛ فلا يمكن أن تضلله خضرة المهبط ولا فخامة الصالات أو اتساعها أو حداثتها، الحكم ينطلق من نوع البشر الذين يديرون المطارات ويحتمون بستر الليل ومراوغته، يتركون أحبال بهائم أرواحهم على غواربها وتنضح أجسادهم بما تحوي من كرامة أو هوان.في المطارات السعيدة قد تغويك عاملة النظافة بأكثر مما تستطيع ضابطة الجوازات أو موظفة الطيران، القسمة أقرب إلى العدل في الأرواح والأجساد. في المطارات الحزينة يسري تخريب الدكتاتور في النهار والليل. تكنز بعض الأجساد لحما سعيدا، تجر الأغلبية لحما حزينا، تختزن بعض الأجساد فائض الحرية، تحمل الأخرى فائض الخوف. مطارات الليل الحزينة يحكمها رجال ليسوا كالرجال. ضابط الجوازات له صلافة إله يستجوب مسافر الليل الذي بلا حول ولا قوة. عامل النظافة شبح خارج من روايات دوستويفسكي، على الرغم من واقعــــية لسانه المتطوع بالنصيحة ويده الممدودة للصدقة.لا تسافروا في رحلات الليل إلى المطارات الحزينة خصوصا إن كنتم فلسطينيين أو عراقيين إلا إذا تسلحتم بجوازات سفر أوروبية؛ لأن آلهة الجوازات في تلك المطارات تطرد أحيانا من الجنة. ولا تسافروا في رحلات الليل، أيا كانت الجنسيات التي تحملون؛ لأن موظفي الجمارك في تلك المطارات تسليتهم الليلية فتح الحقائب ورؤية ما فيها، بلا داع أو ضرورة، اللهم إلا ضروة العدل والمساواة، حيث يكون العبث بحقيبة المسافر مساوياً للعبث ببيت المقيم.العري شرط أساسي للعبور إلى والإقامة في: الجنة والبلاد البائسة، حيث لا ستر لأحد تحت ظل الله أو ظل الدكتاتور.ليل المدن الحزينة:تستلف المدن الحزينة من الأخرى السعيدة بعض تقنياتها. صار بمقدور المسافر أن يحجز غرفته بالإنترنت هنا أو هناك. في المدن السعيدة بوسعك أن ترى صورة الغرفة التي ستسكنها ومدخل الفندق الذي ستعبره ومطعمه الذي قد تستخدمه وبرك السباحة التي لن تستخدمها. وعندما تصل تجد الأصل مطابقا، أو أقل قليلاً، أو ربما أفضل جدا. في المدينة الحزينة صور على الإنترنت ولكنك قد لا تتمكن من مطابقتها مع الواقع؛ لأن العنوان غير منضبط والفندق أقل من أن تحفظه ذاكرة سائق تاكسي صادقا كان أو راوغك ليمارس دور سمسار ليلي. وإن اجتهدت ووصلت ستجد الجناح الذي حجزته زنزانة والحديقة التي رأيتها برعماً ونافورة البحرة بحجم صحن التواليت. ولهذا، إذا دعتك الضرورة لحجز غرفة في بلد حزين فلا تسافر في الليل ليكون لديك متسع من الوقت للشجار، أو على الأقل لا تقل إنك ستصل في الليل حتى لا يراوغونك كالليل، والأفضل أن تتذكر أن سائقي التاكسي في كل مطارات العالم يجمعون بين القيادة والسمسرة. وهؤلاء قد يأخذونك في البلد الحزين إلى مكان أفضل مما تأخذك إليه شبكة العنكبوت، بشرط أن تختار من بين الفنادق التي يعرضونها عليك الأسماء الأكثر حياداً، وأن تستبعد تماماً ما يحمل في اسمه الوعود.في البلاد الحزينة، لا تتحقق الوعود النهارية لسائق البلاد ولا الوعود الليلية لسائق التاكسي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية