ترجمة د. محمد قصيباتفي السماءِ ثمة سرب من الطيورِ السوداءِ الناعبة ترفرف بأجنحتها، وتحط على أغصانِ شجرةِ الحورِ العارية الغربانُ الحزينةُ تظل صامتة مثل نغمات كئيبة نكتبها في شتاءٍ حزين.(2)السماءُ الزرقاءُ، والنهرُ، وأغصانُشجرةِ الحورِ النحاسيةِ اللونِ، وشجرةُ اللوزِ المبيضّةِ فوق التلِّآه يا ثلجًا مزهرًا، ويا فراشةً فوق الشجرة!
مع رائحةِ الفولِتجري الريحُ سكرىفي الحقول.(3)البرقُيسعى مثل حيةٍ بيضاء في السحاب، الصغيرُ عيناه خائفتان- لأن الغرفة مظلمة ـوجبينُ أمّه يتجعّد من الحزنِفيا شرفة أغلقت في وجه العواصفِإن الريحَ والأمطارَتنقر النوافذَ الزجاجيةَ دون توقف.(4)قوسُ القزح والشرفاتأوتارُ قيثارةِ الشمسِ السبعةُتهتز في الأحلاميدق الصبي طبلتهسبع مراتٍ ـ المطرُ ينقر على النوافذ ـويغرد الطائرُ فوق الأشجارواللقلقُ غلى الأبراجفي الميدانالمطرُيمسحُ غبارَ الشجر- من يا ترى أحضر العذارىالباسمات إلى الميدانمن شقّ ـ يا للحمد ـ السحابَالدامعَمن رفع النخلةَ الذهبية، من رفع السماء؟(5)ذاهبًا بين ركامِ الصخرِ والترابِيلتهم القطارُ سكتهوتعكس النوافذُ الأضواءَووجوهَ المسافرينكأنها نقشٌيظهر شيئًا فشيئًا على الزجاج… ترى من يدرك قلبَ الزمان؟(6)من وضع ـ هناك بين الصخورِ الرماديةِ ـ أزهار الجولق هذهليصنع النحلُ منها عسلَ الأحلامِ، ومن وضع زهرات إكليلِ الجبلِ الزرقاء؟
ومن رسم الجبالَبلونِ البنفسجِوالسماءَ بلونِ الزعفران؟
والنحلَ، وبيت المتعبد، وصهوةَ النهرِ، وصوتَ الماءِ الدائمِ تحت صخرِ الجُلمودِ، ولونَ الهُرطُمان الأخضر الليمونيمن أعطى كلَّ ذلك، ومن أعطىالأرضَ البيضاءَ والورديةتلك التي حول جذع شجرةِ اللوز!(7)في الصمتِترتعش أوتارُ قيثارةِ فيثاغورسويرتعش قوسُ القزحِ في ضوءِ الشمسالضوءِ الداخلِ الخارجِ من المجسام.
رمادُ نيران هيراكليتوستملأ عينيّفيصبح العالمُ ساعتهاشفافيًا، وفارغًا،… وأعمى.(8)نادوني من حدودِ الحلمكان صوتًا رقيقًا، كان صوتَ حبيبتي’قل لي هل تأتي معي لنرى الروحَ؟’أنزل الصوتُ السكينة َعلى قلبي.
قلتُ: ‘معك أينما تريدين’ثم مشيتُ في الحلمِعبر ممرٍّ بعيدٍ، أتحسس نعومةَ ثوبها الرقيقِوارتعاشات يدها الدافئة.(9)البيتُ الذي أحببتُالبيتُ الذي فيه عشنا ذات يومالآن أطلالٌ من الخشبِيأكله النملُفوق ركام من البقايا.
يغدق القمرُ بخيوط من نورينشر الفضة، في الأحلامِ، على النوافذأما أنافأمشيحزينا في المتاهات… ترجمة: د. محمد قصيبات أوتاوا 1995***الشاعر في سطور:- ولد الشاعر الأسباني أنطونيو ماشادو في إشبيليا عام 1875 وترعرع في بيت كبير كان يملكه أبوه المدرس وجامع التراث.- أصدر الشاعر أول دواوينه عام 1903 وكان بعنوان ‘الوحشة’ والذي كان تحولاً مهماً في مسيرة الشعر الأسباني في ذلك الوقت.- في عام 1906 عمل مدرساً في اللغة الفرنسية في إحدى مدارس سريا، وكانت سريا مدينة صغيرة تقع على مرتفع بالقرب من جبال أراجون. قابل ماشادو في تلك المدينة امرأة تدعى ليونور فتزوجها قبل أن يسافر معها إلى باريس للدراسة في السربون، لكنه سرعان ما يعود إلى سريا بعد أن تمرض ليونور مرضاً خطيراً لتموت بعدها بأسابيع فيقرر ماشادو العودة إلى الأندلس، وتعود ليونور كثيراً في شعر ماشادو تحت اسم جيومار.- في الأندلس يكتب الشاعر ديوانه الثاني ‘كاستيليا’ ليصبح بعدها عضواً في جيل 1898، الجيل الذي ضم مفكري أسبانيا الكبار مثل خوان رامون خيمينيز وميخيل دو أوناميو وفاسنتي أليكسندر ولوركا، وكان ذلك الجيل يحاول وقف الهزيمة التي لحقت بالأدب الأسباني منذ نكسة أسبانيا في حربها ضد أمريكا.- في عام 1924 أصدر ديوان ‘أغاني جديدة’، وفي عام 1926 ديوان ‘الأغاني’ وفيه يظهر ماشادو في عنفوان آخر يتغنى فيه بالحب والغيرة والربيعô وبجيومار.- في عام 1927 يصبح الشاعر عضواً في الأكاديمية الأسبانية حتى الحرب الأهلية، ففي شتاء 1939 يرفض الشاعر الهزيمة فيقرر السفر إلى فرنسا عبر الجبال ليموت بعد وصوله هناك بأيام.- تأثر الشاعر أنطونيو ماشادو بالشعر العربي الأندلسي وبكتابات ابن عربي وأثر هو في كثير من الشعراء العرب من بينهم الشاعر عبد الوهاب البياتي.