سمير البرقاويحين سألت زوجتي:
ـــ منذ متى بدأت تلاحظين التغير يطرأ عليهم؟ أجابت:
ـــ لا أذكر تماماًً، كانت الأمور تمر ببطء.
وأخذت تبكي.
كنت أرى نفسي دائماًًً ذلك المتحذلق الذي يستطيع دائماًً التأقلم مع التغيرات وتجاوز العقبات، إذ حينما أخذت الأزمة الاقتصادية تتنامى، والأسعار تواصل ارتفاعها الجنوني، دون أن تلتفت لنا إدارة الشركة التي أعمل بها بأي زيادة في الراتب، فكرت بأنه بات لزاماًً عليَ الآن أن أقف بحزم لإدارة مواردي وتدبير أموري، لهذا بدأت باتخاذ قرارات تقشفية حازمة وحكيمة، ابتدأت بتخفيض استهلاكي للسجائر من علبتين يومياًً إلى علبة واحدة، ورغم الأثر النفسي بالغ القسوة الذي مررت به نتيجة شغفي بالسجائر إلا أن ذلك جعلني سعيداًً بحجم الوفر الذي حققته واستطعت أن أنفقه في مكان آخر أكثر استحقاقاًً، تالياًً قننت حركتي بواسطة السيارة وأخذت التنقل بالحافلات من وإلى عملي، مع الانتباه لإجراءات التقشف المتعلقة باستهلاك الكهرباء في المنزل وصولاًً إلى تقنين استخدام المدفأة شتاءًً إلا في حالات الضرورة القصوى…. أمور كثيرة كانت ضرورية أصبحت أراها ترفاًً يمكننا الاستغناء عنه، حتى وصلت هذه الرؤية الحكيمة إلى الفواكه التي لم يعد أبناؤنا يرونها إلا وهي معروضة في محلات الخضار أو في التلفاز أحياناًً أخرى، في مرحلة تالية أخذت الأمور تزداد سوءاًً حيث وصل الأمر إلى عدم إدخال أي من أنواع اللحوم إلى البيت سوى مرة واحدة في الشهر…… في تلك الفترة تحديداًً وصل بي الأمر إلى تدخين ثلاث سجائر يومياًً فقط، قد تكون واحدة أو اثنتان منها مما يقدمه لي زملائي في العمل أو بعض الأصدقاء فأتناولها بعد تمنع مبرراًً بأني أعمل على التقليل من التدخين إيذاناًً بالإنقطاع عنه بالكامل، ولكنني كنت أفعل كل ذلك وأنا موقن تماماًً بأنه علي وأنا أتولى دفة القيادة في الأزمنة الصعبة أن أثبت بأني قادر على تقديم التضحيات اللازمة.
لم يكن من الصعب بتاتاًً ملاحظة شراسة أبنائي عندما كنا نجلس لتناول الطعام، كانت أيديهم تتدافع نحو الصحون، وكأن كل واحد منهم يريد أن يستحوذ على الحصة الأكبر، أعطيتهم حينها ملاحظات وقصصاً عن مساوىء الجشع وضرورة التعاون والإيثار، إلا أن ذلك لم يكن يجدي نفعاًً، حتى تعاملهم مع بعضهم بعضاً كان يتم بأجواء من العدوانية والعنف، إلا أنني عزوت ذلك لمرحلة المراهقة والغيرة التي تتم عادة بين الأخوة، كما أنني كنت أكثر أوقاتي أقضيها خارج المنزل خاصة بعد أن حصلت على عمل مسائي لم يجدِِ هو الآخر نفعاًً مع تغول الحياة والارتفاع الجنوني المتواصل للأسعار. ذات ليلة عندما استفقت من نومي وذهبت لشرب الماء من المطبخ، لاحظت بأنه مضاء بنور خفيف يأتي من الثلاجة المفتوح بابها. كان ابني الأصغر يجلس أمامها وهو مستغرق في التهام ما بها من بقايا الأطعمة بنهم لم يجعله ينتبه لدخولي، راقبته لحين انتهى، نهض دون أن يلتفت إليّ أو لعله تجاهلني متعمداًً، ولكن ما أثار انتباهي هو أنه كان كمن يسير وهو نائم وأن هناك التماعاً أحمر مخيفاً في عينيه، شربت الماء وعدت لنومي، وفي اليوم التالي نسيت الأمر.
أحياناًً يكون لا مفر للإنسان من أن يتخذ قراراته الحاسمة، مهما كانت درجة جنونها وقسوتها، وفي كل الأحوال لم يكن قراري لوحدي بل وافقت عليه زوجتي ولو بعد كثير من الإمتناع والبكاء. اجتمعنا مع أبنائنا في الغرفة، وأخذت أسرد لهم قسوة الحياة وأنني رغم محاولاتي بتدبير أمور المنزل بشتى الطرق من عمليات وصلت حد التقتير والاستغناء عن أمور هامة والعمل بوظيفة أخرى، إلا أنني استنفذت كافة الوسائل، وأنه أحياناًً يكون لزاماًً على قبطان السفينة في بعض الحالات الاستغناء عن بعض الركاب حفاظاًً على حياة البقية من الغرق…….. رغم متابعتي للحديث إلا أن ما كان يهولني رؤيتي لهم يحملقون ببعضهم بعضاً بأعينهم التي أخذت تتلون بذلك اللون الأحمر الدموي، ثم أخذوا يصدرون أصواتاًً حيوانية من أفواههم بينما أسنانهم وأنيابهم تكبر بطريقة أرعبتني. هل وصلتهم الرسالة التي أحاول إيصالها لهم بكلامي، أم أن الرسالة وصلتهم منذ فترة بعيدة عندما بدأوا يدركون بأنه حتى أشبع لابد أن يجوع غيري وحتى أعيش لا بد من شخص آخر ليموت؟….. لا أعلم، لم يكن هناك جدوى من متابعة الحديث معهم وأنا أرى ثيابهم تتقطع لأنها لم تعد تحتمل نمو أجسادهم التي تتضخم، زاد علو زمجرة الصوت الحيواني من الأفواه التي تقطر أنيابها لعاباًً، وأخذوا يتحفزون للانقضاض والهجوم على بعضهم بعضاً. أسرعت نحو زوجتي، أمسكت بها من يدها وخرجنا هرباًً من الغرفة، أغلقت الباب ورائي بالمفتاح وأنا ألهث تعباًً وخوفاًً، وزوجتي تبكي قائلة:
ـــ أنا خائفة عليهم.
ـــ لا تقلقي، سيتدبرون أمورهم. ‘ كاتب من الاردن