المؤثرات الإقليمية والداخلية لأزمة تشكيل الحكومة العراقية

حجم الخط
0

د. علاء حسين مطلق من المسلَّم به أن التمسك بالسلطة، لا يزال يتصدر قائمة الأسباب الرئيسية الحائلة دون ولادة حكومة العراق الخامسة وربما تكون الأخيرة تحت الاحتلال، بعد مرور خمسة أشهر على إجراء الانتخابات التشريعية في السابع من آذار/مارس2010، شهد العراق خلالها مفاوضات شاقة ومعقدة وتجاذبات سياسية حادة، اختلطت فيها العوامل المحلية بالعوامل الإقليمية والدولية، بصورة غير مسبوقة، وسط بروز العديد من المؤشرات على خروج الأزمة من طابعها المحلي، وصيرورتها أكثر من ذي قبل رهينة إرادات إقليمية ودولية، وهو مؤشر خطير ينذر بكارثة محققة، بالتوازي مع تزايد اتساع رقعة الفراغ الأمني والدستوري والسياسي، وتزايد حمى المناورات والصراعات الإقليمية والدولية، وارتفاع وتيرة رهاناتها للفوز برسم هوية ومستقبل عراق ما بعد الانسحاب الأمريكي.

المعطيات الخارجية: كشفت الأزمة القائمة عن وجود طموحات وأجندات إقليمية، ترى في العراق قاعدة انطلاق جيوستراتيجية بالغة الأهمية لتثبيت وجودها ونفوذها بالمنطقة برمتها، كمقدمة لإعادة رسم معادلة الشرق الأوسط الجديد انطلاقاً من العراق، كما ترى في العراق ساحة ملائمة لتصفية حساباتها الإقليمية والدولية، وهي واحدة من الحقائق والاستحقاقات المترتبة على احتلال العراق منذ البداية.

لذا يمكن القول ان مشكلة العراق اليوم ليست في الصراع على رئاسة الحكومة، بل في وجود حالة من الالتباس السياسي الداخلي والتصارع الخارجي على هوية العراق الجديد، في مرحلة فاصلة، من المؤكد أنها ستضعه إما على طريق الاستقلال وإما تعيده إلى القرون الوسطى، في توقيت بالغ الخطورة لا يمكن فيه عزل الحدث العراقي عن تطورات الأحداث في محيطه الإقليمي، وفي وقتٍ يستعد فيه هذا البلد لدخول مرحلة الانسحاب الأمريكي الجزئي أواخر الشهر الجاري، والكلية أواخر العام 2011 بما ترتبه تلك الانسحابات من فراغ أمني، يسعى العديد من القوى الإقليمية جاهدا لسده، بالاستفادة من تراجع الاهتمام الأمريكي في الآونة الأخيرة بالشأن العراقي الداخلي وتحول الأولوية الأمريكية للحرب على الإرهاب في أفغانستان وباكستان.

ومعلوم أن السباق القائم بين تشكيل الحكومة العراقية والانسحابات الأمريكية، لازالت تعترضه عقبات كثيرة، لاسيما إذا ما أخذنا بالحسبان تزايد أهمية الأدوار الإقليمية في العراق بالتزامن، وهذا بحد ذاته مدعاة لإصرار أمريكا أكثر من ذي قبل على ربط انسحاباتها بحدوث توافقات استباقية على ترتيبات أمنية وسياسية تضمن عدم تحول العراق إلى قاعدة انطلاق لإلحاق الضرر بمصالحها في المنطقة وتضمن أمن إسرائيل، وسط تصاعد مخاوفها من اقتراب ولادة تحالف ‘إيراني ـ تركي – سوري’ يسعى جاهداً لنقل المعركة إلى العراق بعد فشله في لبنان وفلسطين، ويرى في العراق قاعدة بديلة لمواجهة المشروع الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، والواضح أننا على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي – الدولي انطلاقاً من العراق هذه المرة، وما تأخر تشكيل الحكومة العراقية إلا واحد من مفاعيله الطلائعية.

المعطيات الداخلية: يتحمل دستور 2005 الجزء الأكبر من المسؤولية عن الحالة التي صار إليها العراق، سواء لجهة ولادته في ظروف سياسية غامضة أم لجهة تضمين مواده الكثير من الألغام والقنابل الموقوتة تحت ضغط الاحتلال، بصورة أصبح معها قاعدة رئيسية لتصنيع الأزمات والخلافات الداخلية، لا أداة حضارية لبناء الدولة العراقية، وسط هالة من الثغرات القانونية الطافحة بها مواده، بما فيها من غموض وتمويه ومطاطية، الأمر الذي أدى إلى تسميم العملية السياسية، وإفساح المجال لتضارب الاجتهادات حول تفسير مواده، لاسيما تلك المتعلقة بتداول السلطة وإنضاج العملية السياسية، في بلدٍ لا توجد فيه أي تقاليد رصينة أو أطراف قانونية مرجعية معنية بتفسير مواد دستوره وحسم الخلاف السياسي حولها، وإن وجدت فهي واقعة تحت رحمة التجاذبات السياسية والطائفية، كما هي حال المحكمة الاتحادية وهيئة التمييز وهيئة المساءلة والعدالة.

لذا فهذا البلد لن يكون قادراً على بناء عملية سياسية سليمة وديمقراطية حقيقية بتوافق داخلي، ما لم يجر تعديل هذا الدستور، وهو ما لا يبدو وارداً على الأقل في المرحلة الحالية لعدة مبررات أهمها:

انعدام الثقة بين الأطياف العراقية وغياب معيار الشراكة وقابلية التوافق الوطني، وغياب معيار المصلحة الوطنية لصالح تسديد معيار شراكة الشعارات، واستفحال داء الانتماءات الضيقة للطائفة على حساب الوطن، وللحزب على حساب الطائفة وللشخص على حساب الحزب، وغياب قابلية التزحزح ولو قليلاً لدى كل القوى عن سقوف مطالبها العالية، والإصرار على كسب السباق الحكومي والقفز فوق رؤى ضيقة، بغية الحصول على مكاسب ومناصب خاصة، ولو كان ذلك على حساب الحلفاء داخل الائتلاف الواحد، واستمرار بعضها في الادعاء بأنه من أسس العملية السياسية وأنه الوحيد الذي يحق له القول الفصل في تقرير مصيرها، ولو كان ذلك على حساب إقصاء وتهميش مكون أو طائفة بكاملها، وإعادة مشاهد المذابح والتفجيرات المتحركة وإقحامها في دوامة الصراع القائم تحت غطاء الفراغ الأمني والدستوري وتحويلها إلى ورقة ضغط لحسم تلك الرهانات السياسية.

الحلول:

لا يمكن فهم مُدخلات الأزمة العراقية بمعزل عن المؤثرات الإقليمية، وفي مقدمتها إيران باعتبار أنها لا تزال الأكثر نفوذاً، تليها تركيا وإن كانت بتأثير أقل نسبياً، فسورية، ومعلومٌ أن سورية اليوم باتت تحتل موقعا متقدما في التأثير على الشأن العراقي، بعد أن كانت في السنوات التي تلت الاحتلال ‘الغائب الحاضر في المشهد العراقي’ لأسباب عراقية وإقليمية ودولية، إلا أن نجاح دمشق في الجمع بين النقائض الإقليمية في تحالف إقليمي واحد (إيران وتركيا) وفي التقريب بين النقائض العراقية (علاوي والصدر) بعد سنوات من القطيعة والعداء، أعادها إلى المشهد العراقي كلاعب يُتوقع أن يكون له دور فاصل في المرحلة المقبلة، لاسيما ما يتعلق بحسم جدلية التشكيل الحكومي العتيد، بعد نجاحها في الانتقال من مرحلة اللاعب الخفي إلى مرحلة اللاعب العلني، انطلاقاً من البوابة الصدرية وبدعم إيراني، لإثبات أن طهران لم تفشل في العراق، وأنها عازمة على تحقيق أي مكسب ولو كان عبر البوابة السورية، بالتوازي مع العودة التركية القوية وما لعبته من دور محوري في تشكيل القائمة العراقية وجعلها تحصد غالبية مقاعد المناطق المتنازع عليها مع الأكراد (كركوك ـ الموصل – نينوى) سواء بالتنسيق مع سورية عبر علاوي، أو مع السعودية عبر الكتل السنية، أو مع إيران عبر التيار الصدريوالمهم في هذه التوليفة الثلاثية هو اجتماعها على هدف واحد غايته استقرار العراق والحفاظ على وحدته وأمنه وسيادته ومحركاتها (إستراتيجية سياسية، أمنية، اقتصادية وقومية) بغض النظر عن التباينات الأخرى وبغض النظر عن التعاطي العملي بشقيه السلبي والإيجابي، لكنها باعتراف واشنطن باتت عاملا حاسما في رسم هوية ومستقبل العراق، وفي تعجيل خروجه من تحت مظلة الاحتلال، على قاعدة أن المرحلة مرحلة إدارة إخراج المحتل، وتحسين المواقع الإقليمية لكل منها، بصورة تتمكن معها من لعب دور فاعل في إعادة رسم معادلة الشرق الأوسط برمته.

وهذه بالتحديد واحدة من أهم عوامل اتساع دائرة المناورات السياسية بين طهران وواشنطن ودمشق وأنقرة حول مصير ومسار العراق الجديد، وتباين مواقفها من أقطاب الصراع العراقي على قاعدة الموالاة والمعاداة، وهو ما جعل الأشهر الخمسة الماضية حافلة بالمناورات السياسية العقيمة، لا بالحسم على طريق الحل، وذلك بهدف تهيئة البيئة العراقية لما يُطبخ لها خارج الحدود، لكن بعد التمكن من حصر خيارات الداخل في حدود ضيقة بما يُمكن الخارج من إنضاج احدها، وسط ذهاب التوقعات إلى أن المشهد العراقي سيكون على موعد مع ضغوط حقيقية إقليمية ودولية في شهر رمضان، على أن يكون شهر أيلول/سبتمبر المقبل حاسماً على طريق تشكيل الحكومة العراقية.’ أكاديمي وباحث عراقي[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية