المثقف و الإعلام

حجم الخط
0

صلاح بوسريف[1] قديماً كانت الثقافة تستعمل اللِّسان كقناةٍ للإعلام. فالمسرح اليوناني كان أحد هذه القنوات التي عَبْرَها كانت تَمُرُّ الكثير من الرسائل، و ربما، حين اختار سقراط مُحَاوَرَة الناس في الميادين العامة، بَدَل الكتابة، فهو كان يعرف أهمية اللِّسان، آنذاك، في التَّخَاطُب، و في التأثير على المتلقين.

لم تكن الصُّحُف موجـودةً، لأن الكِتابةَ، أصلاً، كانت ما تـزال مُتَعَثِّـرَةً، و قليلةَ الانتشار، أو لا تحظى باهتمام الفلاسفة. فموقف أفلاطون من الكتابة، واضح في هذا الشأن، رغم أنه كَتَبَ، و كان هو مَنْ حَوَّلَ لِسَان سقراط، أو كلامه، إلى حِبْرٍ.

في الثقافة العربية، أيضاً، كان اللِّسَانُ هو أداة التَّخَاطُب، قبل أن يشرع العرب في إدراك أهمية الكتابة، و الحاجة إليها. فالشاعر، في ‘ الجاهلية ‘، و في المراحل الأولى للإسلام، و خصوصاً قبل مرحلة التدوين، بشكل خاص، كان لِسَانُه هو خِطابُه.

هكـذا، أيضاً، كانت تجـري كل المَرْوِيَات الشفاهية، من أمثـال وقصص و حكايات و أنساب. فالرواية كانت هي وسيلة التَّلْقِين، و هي الوسيلة التي تُتِيح للشاعر أن يطَّلِعَ على نصوص الشعراء السابقين، أن يَمْتَهِنَ الشِّعرَ، من خلال المعرفة ببعض أسرار صناعته.

لا يمكن للشاعر أن يقول شِعْراً، إلاَّ بعد أن يكون امْتَهَنَ الرواية، أو اتَّخَذ من أحد الشعراء، لِسَاناً، عبره يَتَمَرَّنُ على قول الشعر، و إنشاده. [2] نفس الأمر حَدَثَ مع ‘ الوحي ‘. فالكتابة لم تكن مُتاحَةً، و كان اللسان، هو الأداة الوحيدة، التي تُسْتَعمَل في نقل المعارف و حفظها.

مَنْ يَعُد إلى النصوص التراثية التي دُوِّنَت في ما بعد، و منها القرآن، طبعاً، سيلاحظ الطابع الشفاهي، في لغتها، أو في الخواص اللسانية لهذا الخطاب. [3]لم تُعْرَف ‘ الصَّحَائِف ‘، أو ‘ الملفوفات ‘ les rouleux إلا مع ظهور الكتابة و انتشارها، رغم وجودها، بشكل محدود، حتى قبل انتشار الكتابة.

هذه الصَّحَائِف، أصبحت وسيلةَ تَخَاطُب و إعلام، خصوصاً، في الدواوين، و كتابة الرسائل، و لدى كُتَّاب الدواوين الذين شرعوا في الظهور، في الثقافة العربية، مع الفتوحات الإسلامية، و الحاجة الماسَّة للتنظيم، خصوصاً ديوانَيْ الجُنْد و الخَراج. لَعِبَ الفُرس دوراً هامّاً في هذا المجال، نظراً لما عرفته الحضارة الفارسية، من تنظيم إداري، و من تدبير لشؤون الإمبراطورية الفارسية. [4]كانت الثقافة، دائماً، تسعى للبحث عن طُرُق للوصول إلى ‘ القارئ ‘. فالمثقفون، أدركوا، في وقت مبكر، أن ما يقولونه، أو كَتَبُوه، ينبغي أن يَصِلَ للآخرين، لأن طبيعة الرسائل التي يحملها هذا الخطاب، تتضمَّن وجود هذا الآخر في طياتها.

لم يكن الخطاب الثقافي، خطاباً أخرس، أو صامتاً، فهو كان صَوْتاً متبادلاً، و لساناً يشتغل وفق الوظائف التي سبق لياكبسون أن حدَّدَها في خُطاطته الشهيرة.

وظيفـة التواصل، كانت، دائماً، هـي الأداة التـي، من خلالها، كان المثقف يسعـى إلـى التأثير، فـي القارئ، أو فـي هذا القارئ المفتـرض، أو ‘ الافتراضي ‘، الذي أصبحت وسائل الاتصال الحديثة تتوجَّه إليه.

لعل الدور الذي لعبته هذه القنوات التقليدية، فـي إسماع أصوات المثقفين، و العمل على ‘ نشرها ‘ و تعميمها، هو من بين أهم ما ساعد في وضع الثقافي ضمن سياقات المعرفية المختلفة، التي تَحْفَلُ بها هذه المجتمعات.

فَدَوْرُ الخَطابَة، التي كانت إحدى أبرز وسائل ‘ الإعلام ‘، سواء في الثقافة اليونانية أو فـي الثقافة العربية، خصوصاً عبر منابـر المساجـد، تَقَلَّص و حلَّت النصوص المكتوبة محلها، بشكل تدريجي. [5]فـي العصر الحديث، حدثت نَقْلَة نوعية، فـي طبيعة العلاقة بيـن الثقافة و الإعلام. فظهور الصحافة المكتوبة، في أوربا، و في العالم العربي، فيما بعد، ساهم، بشكل لاَفِتٍ، في تعميم ‘ الخبر ‘، من جهة، و في توسيع مساحة التَّخَاطُب، بين المثقفين، و ‘ الرأي العام ‘، الذي أصبح أحد أهم قاعدة يسعى المثقفون لبلوغها، من جهة أخرى.

سَيُدْرِك المثقف أن تأثير خِطابه، مشروط بوجود فئة واسعة من القراء، هذا ‘ الرأي العام ‘ الذي سيصبح، بالنسبة للمثقف، مثل المرايا المتجاورة التي تنعكس على بعضها إلى ما لانهاية.

يمكن التذكير، هنا، بما عُرِفَ فـي فرنسا، فـي القرن الثامن عشر، بقضية ‘ كالاس ‘، التي كان لفولتير دوراً كبيراً فيها، من خلال مساندته لأسرة هذا التاجر الكاتوليكي الذي حُكِمَ عليه بالإعدام، و بمصادرة ممتلكاته، و هي القضية التي على إثرها كتب فولتير في العام 1763 كتابه الشهير ‘ رسالة في التسامُح’. كما يمكن التذكير، أيضاً، بقضية الضابط اليهودي دريفوس، الذي اتُّهِمَ بتسريب معلومات عسكرية إلى الألمان، و الموقف الذي وقفه زولا، بكتابته رسالة مفتوحة إلى رئيس الجمهورية، بعنوان ‘ أّتَّهِم ‘. رغم ما ترتَّب عن هذه المواقف، و غيـرها، لمثقفين آخرين، من اعتقالات و مُضايقاتٍ، فالمثقف أصبح واعياً بخطورة تأثير ‘ الرأي العام ‘، في مجريات الأحداث، و في الضغط على ‘ السلطة ‘، كما أصبح واعياً أيضاً، بدور الإعلام، في تعميم ‘ رسالت ‘ـه، ووضعها في يد أكبر عدد من قُرَّاء الصُّحُف، لأن انتشار ‘ الرسالة ‘، معناه، تكوين رأي عام، إزاء ما يجري. [6]لا يعني هذا أن صوت المثقف ينتفي، أو ليس له تأثير، بل إنَّ الوضع الاعتباري لهذا الأخير، و إيمانه بـ ‘ حقيقة ‘، و عدالة ما يدعو إليه، هو ما يجعل من خطابه، يكون له شأنٌ عند القارئ، و تترتَّب عنه ردود فعل، ما كان يدفع ‘ السلطة ‘، فـي غالب الأحيان، لتـرى خطابَه تحريضاً، لـ ‘ عامة ‘ الناس، و سعياً و راء تكوين رأي عامٍّ ضاغط.

اختيار المثقف لوسائل الإعلام المختلفة، للتعبير عن رأيه، و عدم اكتفائه بنشر أفكاره في كتابٍ، هو اقتناع من هذا الأخير، بأن للإعلام سلطة، و أن الأفكار، لا يمكنها أن تبقى حبيسة الإطار الأكاديمي، أو تخص فئةً من الناس دون غيـرها، لا بد لهذه الأفكار أن تصل لشرائح واسعة من الناس، و هذا لا يمكنه أن يَتِمَّ إلا عبر نشر هذه الأفكار على نطاق واسع.’ فالنظام السياسي و المسألة الاجتماعية [مثلاً] أصبحا منذ القرن الثامن عشر الموضوع الأساسي للمثقف الذي يعتقد أن له رسالةً في الدعوة إلى الحرية و العدالة و التقدم ‘. عُزلَة المثقف و انصرافه إلى عمله في مَنْأًى عما يجري، لم يعد ممكناً، لأن ما يشغل الكاتب، أو المثقف، حتى في بعده الجمالي الصِّرف، له صداه في ما هو عام ويومي. و حين يذهب المثقف إلى الإعلام، فهو بهذا يفتح نافذةً على الشمس، و يسعى إلى إشراك الآخرين في ما يشغله. [7]ليست الثقافة، إذن، بمعزل عن الإعلام، كما أنَّ الإعلام، كان، دائماً، أحد الركائز الداعمة للثقافة، و المُرَوِّجَة لها. في أوربا، كان الإعلام، دائماً، داعماً للثقافة، كما أن السياسة الإعلامية، لكثيرٍ من هذه البلدان، تعتبر الشأن الثقافي هو أحد اهتماماتها الأساسية، التي لا يمكن عزلُها عن مجموع ما تهتم به من مجالاتٍ، في مختلف حقول اشتغالها.

نفس الأمر يجري على الجرائد و المجلات، إضافةً إلى الملاحق الأسبوعية لهذه الجرائد، و الصفحات اليومية الخاصة بالثقافة. أهم ما يميز الصفحات الخاصة بالثقافة انتظامُها، و استمراريتُها. بعض هذه لملاحق، أو الصفحات الثقافيـة، أصبحت مرجعاً، و وثيقة تَهُم المشتغلين فـي الإعلام الثقافـي، و المعنيين بمجال الأفكار.

بالعودة إلى بعض وسائل الإعلام العربية، و أكتفي بالجرائد، دون غيرها، هناك تقاليد، في هذا المجال، في كل من القاهرة و بيروت. بعض الجرائد تتيح للثقافي مساحة هامة، و تعتبرها ضمن أولوياتها، و هو ما كان حدث في المغرب، في فترة الحماية، في شمال المغرب، بشكل خاص. فالثقافي كان له تأثيره في الرأي العام، كما كان له دور كبير في إثارة الانتباه للقضايا الوطنية الملحة آنذاك، من خلال الأسئلة التي كانت النصوص الفكرية، أو الثقافية، تثيرها. [8]في المغرب، لم نعد نتوفر، اليوم، على تقاليد من هذا النوع. كما أن الاهتمام بالثقافي ضمن وسائل الإعلام، إما أنه أصبح شبه منعدم، أو يأتي ضمن آخر اهتمامات الإعلام.

أعطت بعض الجرائد اهتماماً خاصاً للثقافة، و أتاحت لها حيزاً هاماً ضمن صفحاتها. لعل جريدة ‘ العلم ‘، و بعدها جريدة ‘ المحرر ‘ و ‘ الاتحاد الاشتراكي ‘، فيما بعد، و هما جريدتان حزبيتان، كانتا من بين الجرائد المغربية التي أَوْلَتْ للثقافي مكانةً يمكن اعتبارها رائدةً، في حينها، و هذا طبعاً يعود لامتدادات الفكر الوطني، في تصوُّر هؤلاء للعمل الإعلامي، و ولدور الثقافة في خدمة القضايا السياسية، بالدرجة الأولى. [9]لم يعد المشهد الإعلامي هو نفسه في المغرب، فالهيمنة التي كانت للإعلام الرسمي، و الإعلام الحزبي، لم تعد قائمةً. فظهور إعلام مستقل، ساعد في خلق مساحة واسعة للرأي، و أتاح للاختلاف المذهبي و الفكري، أن يطفو على السطح، بعكس الاتجاه الواحد، الذي كان سائداً من قبل.

لكن المثير في هذه الظاهرة، هو طبيعة العلاقة بين الثقافي و الإعلامي، في تصور الجرائد المستقلة. الصفحات اليومية، في أغلب هذه الجرائد، غير مستقرة، و غير ثابتة، كما أن ما يُنشر فيها، كثيراً ما يخضع لتحريف في المواد، أعني في المادة الثقافية. فخلط الثقافي بغيره، مما يمكن أن يذهب إلى الصفحة الفنية، أو لغيرها، بات من الأمور التي تكشف عن غياب تصور واضح للثقافة لدى المشرفين على بعض هذه الصفحات، أو مَنْ يقرر سياسة الجريدة، أو خطَّها التحريري. ما يُمَيِّزُ، الصفحة الثقافية، إجمالاً، هو هشاشتُها، و قابليتُها للتأجيل، دون سابق إخبار أو اعتذار. فهي صفحة تتلوَّن بحسب الحاجة إليها؛ سواء بإعطاء الأولوية للمادة الإشهارية، أو لمناسبة طارئة، تكون معها الجريدة في حاجة ماسة لحيز أوسع. يمكن، تفهُّم، بعض حالات الحَجْب، أو استعمالات الحيز الثقافي لأمور طارئة، هذا حين يكون في الأمرِ استثناء، لكن حين يُصبح الأمر قاعدةً، فهذا ما يجعل من سؤال المعنى الثقافي في الجريد يفرض نفسه، و بإلحاح. [10]المعنى الثقافـي، لطبيعة العلاقة بين الثقافـة و الإعلام، أصبح ملتبساً، و مستوى هذه العلاقة يختلف من جريدة إلى أخرى، إن لم يكن منعدماً تماماً، في بعض الجرائد. كما أنَّ ازدراء الثقافي أصبح سمةً تتميز بها بعض الجرائد ‘ المستقلة ‘، و هو ما يظهر فـي شكل التعامل مع المادة الثقافية، أو في طبيعة الحيز الذي تخصصه هذه الجرائد للشأن الثقافي.

يفرض، هذا التذبذب في إصدار الصفحة الثقافية، أو في حَجْبِها، كليةً، أكثر من سؤال؛ هل يعني هذا الالتباس، في علاقة الإعلام بالثقافة، أن المسألة الثقافية في المغرب، لم تعد تعني أحداً على الإطلاق، أم أن المثقفين لم يعودوا معنيين بالإعلام، و أصبحت انشغالاتهم الأكاديمية، أكبر بكثير مما يسمح به الفضاء الإعلامي؟

أم أن ‘ السلطة الفكرية ‘ كما يرى ريجيس دوبريه، انتقلت من الجامعة إلى الإعلام، و أن الصحافيين، و المثقفين المرتبطين بالإعلام، هم مَنْ أصبحوا أصحاب الكلمة في هذا المجال؟ و هذا ما سيفرض على المثقف ‘ الأكاديمي أن يَحْتَجِب، أو يكتفي بالجامعة كفضاء لخطابه؟

سيذهب دوبريه، هذه المرة صحبة بورديو إلى النظر إلى الصحفيين، باعتبارهم، ‘ مثقفين جددا ‘، نظراً للدور الذي أصبحوا يلعبونه، خصوصاً في مثل وضعنا، و هو ما كان حَدَثَ في فرنسا في القرن العشرين.

عندنا يبدو أنَّ المثقف انطوى على نفسه، و أصبح مُكتفياً بما، يعقده من ندوات و لقاءات، سواء داخل الجامعة أو خارجها، أو بما يشغله من مواقع استشارية، لدى بعض المؤسسات العربية و الدولية، أو أصبح، بالأحرى، مكتفياً بما تَذَرُهُ عليه أعماله من دعايةٍ، و ربح.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية