بدر الحمري هل يحتاج المثقف ـ أحيانا ـ إلى تغيير المكان والزمان حتى يتسنى له التفكير بحرية وبمقاصد أسنى من تلك التي سيقف عندها لو بقي في مكانه كما هـو، ألا تشكل هذه الشجاعة في ‘الرحيل’ واختيار المنفى قسرا، خروجا من إطار الزمان والمكان اللذين يعتبران من جملة الشروط المحددة لكل تفكير في المدينة الوطن؟ أم نستطيع أن نبدع المفاهيم ونستشكل الإشكالات ونتطارح الطروحات ونتنادى بها في ‘داخل’ الزمان والمكان كما في ‘خارجهما’، مع العلم أننا لا نقصد بالمكان هنا سوى الوطـن، وبالزمان الانتماء التاريخي له. وهل يستطيع المثقف المفكر الباحث عن الحق والحقيقة أن يعيش زمانه ويقصد مكانه ‘بين بين’، بين الغياب والحضور، بين الوطن واللاوطن؛ حينها سيكون حضوره بالجسد قطعا، أما روح فكره فهي في الغياب سابحة، أو قل في عوالم لا يستطيع العالم المادي بلوغها. وها نحن هنا نقترب أكثر إلى تجارب المتصوفة ومن سار على دربهم في التفكير والعبادة، لكن التساؤل الآخر الذي يطرح هنا: هل كل من سار على دربهم وصل، أم تاه في متاهات ما فوق المحسوس والخيال، بل والمجرد نفسه!
قيل عن الإنسان إنه ‘مدني بالطبع’؛ ويشرح إبن خلدون هذا القول (ان الإنسان لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية.. وهو معنى العمران). ومنه فإن الاجتماع المدائني ضروري للإنسان حتى يكمل وجوده، بل إنه ‘جزء مدينة’ كما يقول ابن رشد، أي أنه لا يستكمل كماله وفضائله الإنسانية، بل وحاجاته الضرورية، إلا من حيث هو جزء من مدينة، لا من حيث هو جزء من الطبيعة كما وضح ذلك د. محمد المصباحي.
وعلاقة المثقف بالمدينة عبر التاريخ تكاد تتراوح بين مد وجزر، حب وكراهية، وعندما ترفض المدينة مثقفيها فهي تكون بداية نهايتها، بشكل أو بآخر؛ فالمثقف في عمقه يحمل روحا نقدية، ولم يوجد سوى للنقد والهدم ثم البناء وإعادة البناء، لأن الأدوات التي يشتغل بها لا تصلح أبدا للتجميل. المشكلة تكمن في من لا يقبل النقد، خصوصا إن كان متفردا في مدينة يملؤها الخوف من هذا التفرد نفسه، فضلا على خوفها من تجديد التفكير ووضع سهام النقد في مرمى الجرح؛ لهذا فمثل هذه المدينة لا تجد من حل أمامها سوى أن تعمل على رفض كل مثقف يتكلم في تأخرها التاريخي وأمراضها المزمنة وذاتها الممزقة، ودفعهم إلى اعتزالها كراهية أو بطيب خاطر إلا قلة قليلة من الصابرين على بأسها إن لم ترمهم بالكفر والخيانة: وهل يستطيع التكفير أن يكون رحيما بالمفكرين!
المدينة إما أن تكون حياة لمثقفيها أو مقبرة لهم، لا توجد منزلة بين المنزلتين؛ إما أن يشاركوها الحياة بتفكيرهم وعملهم، أو يشاركوها الموت بغيابهم واعتزالهم لقضاياها؛ ومنه نفهم لماذا نجد المثقف أكثر اتهاما من غيره، وأحيانا كثيرة يكون في أعيننا المسؤول الأول عن كل الشرور التي تحدث في المدينة، وإلا لمن نتركها هل لحفنة من السماسرة الذين تختلط دماء عروقهم برائحة الخيانة: خيانة الأمانة والكرامة والعدالة!
ثم هناك معضلة أخرى تكاد تكون أشبه بظاهرة سوسيولوجية، هي ظاهرة ‘إرادة الاعتزال’ أو’العزلة’ أو ما عرف بالسكن في البرج العاجي؛ إذ ما معنى أن يقرر مثقف مفكر الحياة في المنفى وإرادة العزلة في لحظة من لحظات الوجود المتدفق بالأسئلة، والمملوء بكثير من الدهشة، هل يمكن أن يصير المنفى ذات أخرى وهوية؟ وهل يحلو لنا التفكير ونحن غرباء أكثر مما يسعفنا في أوطاننا الأصلية، أم وهنا المفارقة القاتلة أحيانا لا وطن للمثقف كما للفكـر! فأينما وجد الظلم فَثَمَّ موطنه، وأين وجدت الأسئلة فَثَمَّ مقامه؛ لأننا نعتبر المفكر مثقفا يرفع عن الناس الظلم ويبسط الأسئلة حتى لا تبقى العقول في سباتها العميق. أليس المثقف كائنا مدائنيا، يفكر في مدينته التي ينتمي إليها بالوجود، لا انتماء قوة، بل انتماء فعل وعمل؟ أليست المدينة هي الأساس الذي يبنى عليه الوطن فضلا على أن المثقف عندما يفكر فهو يفكر انطلاقا من فضاء المدينة، فهل يصح أن نفكر خارجها، أو أن يكون قلبه معلقا بفضاء آخـر، والذي لا يفكر في مدينته هل يمكن أن يفكر في وطنه، وفي المصير الذي يجمعنا كأمة، وبالأوطان الأخرى كإنسانية!
الحكيم اليوناني سقراط (470- 399ق.
م) واحد من هؤلاء الذين كانت مدينتهم قاسية عليهم جدا؛ فرغم حبه وإخلاصه لأثينا إلا أنها لم تشأ أن تبادله عين الود بالود. ومن المعلوم، أن محنة سقراط بدأت عندما تقدم كل من أنيتوس ومليتوس ولوكون بدعوى يتهمون فيها سقراط بتحريض الشباب ضد الدولة وإنكار آلهة اليونان وابتداع آلهة جديدة غير آلهة الدولة، وصنع قضية قوية من قضية ضعيفة، وفي ذلك يقول ‘هذه الافتراءات هي التي حرضت ضدي ميليتوس وأنيتوس ولوكون. ميليتوس مملوء ضغينة باسم الشعراء، وأنيتوس ممثل للصناع والسياسين، ولولكون ممثل للخطباء’ وهذه الفئات هي التي كان سقراط يحاججها؛ فمن المعروف تاريخيا، أنه كان يجوب دروب أثينا، سائلا مستشكلا مواطنيها البسطاء والأعيان على حد سواء، يحركه هم مدائني والرغبة في أن تكون أثينا وكل مواطن ينتمي إليها في أفضل حال، لكن تجري رياح أثينا بما لا تشتهي سفن سقراط.. حيث لم يكن مراده سهل المنال.
كل من حاوره سقراط يبطل دعواه ويتركه في دهشة وشك في المعارف والحقائق التي يعتقد في رجاحتها وثباتها؛ كل من حاوره سقراط كشف له جهله حتى وإن كان من كبار أعيان المديـنة، بمن فيهم رجال السياسة. وهذا ما جعل العديد من أهم رجالات أثينا يحقدون عليه؛ يقول سقراط فيما يرويه أفلاطون في محاورة (الدفاع): ‘أحد رجال السياسة، وقد جعلني فحصـه، أيها الأثينيون، أحس بالتالي: فأثناء الحوار معه بدا لي أنه يبدو في نظر الكثيرين من الآخرين، وفي نظره هو نفسه على الخصوص، حكيما، أما في الحقيقة فإنه ليس بالحكيم. فحاولت إذن أن أبين له أنه يعتقد أنه حكيم ولكنه في الواقع ليس كذلك، فكانت النتيجة أن حقد علي هــو وكثير من الحاضرين’. عندما ترفض مدينة مثقفا ما، فإنها مستعدة إلى أن تطعمه السم أو تصلبه أمام مواطنيها، أو تحكم عليه بالإعدام (كما حدث مع سقراط) هدفا في الحفاظ على صمتها وخوفها ووجهها القبيح من وراء جدرانها، لكنها تجهل تماما أن الحق مثل حبات الماء ينقش الحجر كلما توالت قطراته!
نعود ختاما لنتساءل: في مغربنا، ومن هذا الوطن العربي الكبير: هل المدينة مؤهلة بما يكفي لتحتضن آراء مثقفيها، أم أن العلاقة بينهما ستبقى دائما بين مد وجزر. وقبل ذلك، كيف يصبح المثقف مدائنيا مواطنا؛ هل يكفي الانتماء، أم أن المثقف لا يعتبر مثقفا إلا شريطة أن يشارك في إشكالات كونية بعيدة عن اهتمام مدينته، وما يحقق خيرها وسعادتها في العاجل وفلاحها في الآجل. ثم كيف يجب أن نفكر في المثقف المدائني؟ من يكون؟ وما هويته؟ وما موقفه من قضايا ترتبط بالدولة والأمة والإنسانية؟’ كاتب من المغرب