الحديث الذي يشغل السياسة الدولية ويلقي بظلاله داخل أروقة البيت الأبيض والجامعة العربية والكنيست الإسرائيلي والشارع الفلسطيني، هو المفاوضات المباشرة بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني.
المفاوضات المباشرة التي طال الحديث عنها، أصبحت حقيقة واقعة مع إعلان الرباعية الدولية ووزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون عن موعد إطلاقها مع بداية شهر أيلول (سبتمبر) في واشنطن بحضور الرئيس الأمريكي اوباما.
إطلاق المفاوضات بهذه المرحلة بالذات، يأتي كهامش للتغطية على مواقف إستراتيجية دولية تقودها أمريكا وإسرائيل لتشديد الحصار على إيران واحتمال توجيه ضربة عسكرية لها لوقف البرنامج النووي الإيراني الذي يمثل خطورة على السلم العالمي، حسب المواقف الصهيوامريكية. بنفس الوقت تريد كل من إسرائيل وأمريكا استثمار تلك المفاوضات كغطاء لإخراج إسرائيل من العزلة الدولية التي تواجهها جراء اعتدائها على أسطول الحرية واستمرار الحصار على قطاع غزة. كما أن أمريكا تريد التغطية على فشلها العسكري في أفغانستان ومأزقها السياسي بالعراق وضمان تشديد الحصار على إيران بمشاركة عربية، كون ورقة السلام العربية وبيان لجنة المتابعة العربية، شكلا المرجعية لإطلاق المفاوضات المباشرة حسب بيان الرباعية الدولية التي لم يخرج موقفها عن اجترار مواقف سابقة حول تحقيق السلام وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي ومن دون طائل.
المفاوضات المباشرة ومن دون شروط فلسطينية مسبقة جاءت انسجاما مع مطلب إسرائيلي لإجبار الفلسطينيين على الجلوس الى طاولة المفاوضات بشروط إسرائيلية جاءت على لسان نتنياهو لتحقيق امن إسرائيل والاعتراف بيهودية الدولة وإنهاء النزاع كشرط لتحقيق سلام ممكن مع الفلسطينيين، ولم يتطرق نتنياهو الى ماذا سيقدم للشعب الفلسطيني مقابل تحقيق تلك الشروط.
مخاطر التفاوض مع إسرائيل أصبحت جلية للعيان، فمثل تلك المفاوضات تعطي الغطاء لإسرائيل للاستمرار بعدوانها اتجاه الشعب الفلسطيني. والشروع ببناء وتوسيع المستوطنات. وتمثل انحيازا من الإدارة الأمريكية لصالح الموقف الإسرائيلي المعني بالتفاوض في ظل انعدام أي خيار استراتيجي يدعم الموقف الفلسطيني أو يؤثر على أمريكا للضغط على إسرائيل على الأقل لتحقيق بعض من رؤية باراك حسين اوباما التي أطلقها عشية انتخابه رئيسا للولايات المتحدة بضرورة تحقيق دولتين لشعبين وهو الأمر الذي لم يعد قائما.
الحلقة الأضعف بالصراع ‘السلطة الفلسطينية’ كانت الجسر لإبداء حسن النوايا وطرح خيارات السلام الذي لم ولن يتحقق في ظل موازين القوى القائمة. فحكومة اليمين الإسرائيلي تعمد إلى إستراتيجية واضحة للعيان وبرنامج لنزع الحقوق الفلسطينية وتجريد المواطن الفلسطيني من عوامل صموده على الأرض. وهذا ما عبر عنه كثير من قيادات الكيان الصهيوني، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكذلك ورد على لسان أكثر من مسؤول فلسطيني بالسلطة الفلسطينية. الضغوطات التي تعرض لها الطرف الفلسطيني من أجل الانخراط بالمفاوضات، تمثل مأزقا جديدا للوضع الفلسطيني الذي يعاني من الانقسام وتعثر جهود المصالحة. فلا يمكن أن نستهين بحجم الضغوطات المشفوعة باستخدام المال السياسي الضمانة لاستمرار السلطة السياسية في رام الله والحفاظ على الامتيازات الممنوحة لها والمرهونة باستحقاقات سياسية وأمنية. وباعتقادي فان السلطة في رام الله وهذا ليس تبريرا لها تدرك مخاطر رفضها الانصياع للموقف الدولي وبيان الرباعية وتخشى الاتهام بعرقلة جهود السلام الدولية وإعطاء المبرر لإسرائيل للخروج بموقف الحمامة الجانحة للسلم وبالتالي من حقها إطلاق اليد بقوة لرفض العرب والسلطة الجلوس الى طاولة المفاوضات. ومهما طرأ على الأرض فلا يوجد خيار لدى السلطة بالانسحاب من المفاوضات قبل أن تحقق إسرائيل أهدافها من عملية التفاوض.
المفاوضات والحديث عن السلام وكما اعتدنا، تعتبر غطاء لإشعال الحروب وجلب الدمار أو عملية تبييض لتلك الحروب، وهذا درس حفظنا فصوله غيبا منذ مؤتمر مدريد واتفاق أوسلو وكامب ديفيد الثانية ومؤتمر انابوليس، ونسأل الله رد البلاء في ظل هكذا مفاوضات.
رأفت العيص