مالك التريكي
قبل أسابيع قليلة أثار فينس كيبل حنق دوائر المال والأعمال، والأوساط اليمينية في بريطانيا عموما، عندما أعلن في خطابه في المؤتمر السنوي لحزب الديمقراطيين الليبراليين، شريك حزب المحافظين في الحكومة الائتلافية، أنه لن يألو جهدا في تسليط ‘أضواء كاشفة على العالم المشبوه الذي تمثله تصرفات الشركات الكبرى وسلوكياتها’. وكان مثار حنق اليمين أن الذي تفوه بهذه العبارات الجارحة في حق كبريات المؤسسات الاقتصادية هو وزير الأعمال (أي وزير الاقتصاد) في حكومة بريطانية يتزعمها المحافظون! بل إن فينس كيبل مضى أبعد من هذا عندما قال إن ‘الرأسمالية تقتل المنافسة ما استطاعت لذلك سبيلا’. ومما زاد أقوال فينس كيبل وقعا أنه كان موظفا مرموقا في شركة شيل النفطية قبل أن يدخل السياسة. أي أنه يتحدث عن دراية عندما يتطرق إلى ‘الشركات الكبرى’. بل إن البريطانيين، الذين يكنّون له الاحترام، لا يزالون يذكرون أنه كان السياسي الوحيد الذي أنذر بقرب اندلاع الأزمة المالية العالمية عام 2008. كما أنه هو الذي أطلق أشهر انتقاد ضد رئيس الحكومة السابق عندما قال في مجلس العموم، على سبيل المزاح، إن غوردون براون قد تحول من ‘ستالين إلى مستر بين’ – من السيطرة المفرطة التي اشتهر بها الديكتاتور السوفييتي إلى قلة الحيلة التي اشتهرت بها الشخصية التلفزيونية الفكاهية: أي أنه تحول، ‘بالعربي’، من فرعون إلى جحا.
لكن بدل أن يعالج منتقدو فينس كيبل النقاط الجوهرية في خطابه، مثل تمادي بنوك حي المال والأعمال (السيتي) في لندن في صرف مكافآت خيالية لزمرة من المضاربين (رغم أن الحكومة السابقة سحقت البلاد تحت جبال رواس من الديون من أجل سواد عيون هذه البنوك وإنقاذا لها من إفلاس أشرفت على حافته بما اقترفته أيديها)، فإنهم ردوا عليه ردودا ايديولوجية فضفاضة. حيث اتهمه بعضهم بالتجني على القطاع الخاص… أما بعضهم الآخر فقد بدأ من النهاية: أي أنه تحدّاه الإتيان ببديل للرأسمالية! ومن الغريب أن جميع أتباع اليمين وناخبيه وأنصاره ومحبّيه -جميعهم عن بكرة أبيهم الايديولوجي- لا يزالون يعتقدون، بحرارة الصدق في الإيمان، أن الرأسمالية تشجع المنافسة وتكرسها. هذا رغم أن التاريخ الاقتصادي الحديث يؤكد أن الرأسمالية إنما تستغل وسيلة المنافسة (التي يضمن القانون حريتها ابتداء) لفرض هدف الاحتكار (الذي يسود بحكم الأمر الواقع انتهاء). أي أن المنافسة التي يجيزها الاقتصاد الرأسمالي إنما هي ‘منافسة احتكارية’، إن جاز التعبير. وهذا الواقع (المعاكس تماما للنظرية) هو الواقع السائد في معظم الدول الرأسمالية، لا فرق في ذلك أن يكون نظام الحكم ديمقراطيا محايدا (إلا قليلا)، أم دكتاتوريا متواطئا (إلا قليلا). لا فرق في وضح نهار الاحتكار أن يكون الحاكم بأمره شديد الوطأة الوطنية على مذهب فرعون، أم واثق الخطوة ‘البزنسية’ على منهج جحا. وليس أدل على احتكارية الاقتصاد الحر (وبالتالي على تضاؤل فرص التحرر الإنساني في ما يسمى ‘العالم الحر’) من أن أول ضحايا العقود الأخيرة من التطور الرأسمالي هي الشركات الصغيرة والمتوسطة والمحال التجارية العائلية التي ظل بعضها قائما عقودا بل قرونا حتى هجمت الشركات العملاقة التي لا حدود لنهمها: الشركات الزاحفة التي لا دواء لهوسها بدوام التوسع، الشركات العابرة للأمم والقارات الغازية للأسواق والأخلاق، الشركات الأخطبوط التي لا تني تلتهم الحجر والبشر وتسأل هل من مزيد.
ورغم أن فينس كيبل لم يفعل سوى أنه انتقد عيوبا معروفة مكشوفة في الرأسمالية، فقد تساءلت الصحافة البريطانية المؤيدة لحي ‘السيتي’ إن كان ‘وزير الأعمال يكره الأعمال’. كما علقت الاكونومست، متندرة، بأن الضدين قد التقيا في الرجل: كارل ماركس مع آدم سميث. وهذه نغمة مكرورة. كلما انتقد أحد نقائص الرأسمالية رماه القوم بالماركسية… هزلا يشتمّ منه الجد. لكأن الاكونومست تتناسى أن ما بقي من ماركس على مر الزمن ليس أنه كان منظّرا لشيوعية تخيلها ولم يعشها. بل ما بقي منه ويبقى أنه كان مراقب المجتمعات الرأسمالية ومحللها وخبيرها بامتياز. إلا أن الطريف أن الاكونومست – التي تسمى ‘إنجيل الاقتصاد الحر’- لم تسلم هي نفسها من هذه التهمة، حيث أن برلسكوني سبق له أن رماها بأنها شيوعية!… لكن ليس بسبب انتقادها الرأسمالية، معاذ الله، وإنما لقدحها في ذاته العليّة.