النزوح الجماهيري نحو ‘البارصا والريال’ نزوة عابرة أم بداية موت ‘إكلينيكي’ للسياسة؟

حجم الخط
0

محمد باهيأضحت مقاربة ومناولة الراهن السياسي مثار رغبة ملحة ونزوع فضولي للكشف عن العديد من التمظهرات السلبية، التي شكلت موضوعات نقاش ساخنة داخل مختلف الأوساط الاجتماعية التي كان يحدوها أمل كبير في انطلاقة فعلية للعمل السياسي، وإعادة الاعتبار والأخلاق للممارسة السياسية، على خلفية مرحلة التناوب التوافقي وانتهاء بما اصطلح عليه بمرحلة الانتقال الديمقراطي، ليفتح المجال أمام تناسل العديد من التساؤلات عما آل إليه الراهن السياسي في التعاطي مع التدبير اليومي للشأن العام. ورغم حالة التيه والتمزق والتردي والتشرذم التي أضحت السمات البارزة للراهن السياسي، فإن حالة الانكسار والإحباط أنتجت خطابا تعويضيا ونكوصيا تتوضح تجلياته في اللجوء الاضطراري إلى ميكانيزمات الاجترار والتغني بشعارات براقة وفضفاضة من قبيل: مشروع المجتمع الديمقراطي الحداثي ـ الثقافة السياسية الجديدة ـ رد الاعتبار للممارسة السياسية ـ هذه الممارسات والأساليب التعويضية اعتبرت في نظر المتتبعين هروبا إلى الأمام وعجزا مكشوفا للتصدي للإشكالات والقضايا الكبرى، التي تعتبر مؤشرا حقيقيا للاختلالات والانزلاقات، التي ظلت جاثمة على الوضع الاجتماعي ومستنزفة الوضع الاقتصادي، فالظرفية كانت تقتضي استجماع القوى واستنهاض الهمم للارتقاء بالممارسة السياسية إلى مرتبة تؤهلها إلى إعادة الثقة للمواطن وربط جسور التواصل بالقواعد، وتحديث الهياكل والأجهزة والتداول على القيادات الحزبية وفق أسس ومقومات تجسد التكريس الحقيقي والموضوعي للديمقراطية الداخلية، إلا أن حالة التوجس والتمركز حول الذات والحذر شكلت منعطفا في تاريخ الممارسة السياسية، التي عرفت مزيدا من التراجع ليكون المآل: الانتظارية الرتيبة ـ والركون إلى الخلف، وبحلول كل ظرفية انتخابية تجد تلك التنظيمات نفسها معزولة في أرخبيل التيه والنفور. ورغم نداءات الاستنجاد والاستعطاف فإن الهوة ازدادت اتساعا وتباعدا مع قواعدها، مما أضفى على العملية الانتخابية ‘نكهة مميزة’ تجلت مظاهرها في مسلكيات جديدة تستمد خططها الاستراتيجية من رحاب ‘الماركوتينغ السياسي’ حيث سجلت العديد من التجاوزات والممارسات التي تمثلت في عدم الالتزام بما تم الاتفاق عليه في مجالسها ومؤتمراتها الوطنية، إذ كانت القصدية مكشوفة في التخلص من المناضلين، حين بادرت بعض الأحزاب إلى استقدام مرشحين جدد تحت طائلة مبررات ضرورة التكيف مع المرحلة، وضــــخ دماء جديدة، والانفتاح على الطاقات من ذوي النفوذ وسلطة المال، فمنحت التزكيات مع سبق الإصرار لأشخاص مشهود لهم بالتنطع القياسي ذات اليمين وذات اليسار، ليعودوا صبيحة الإعلان عن النتائج النهائية إلى مواقعهم الطبيعية بنصر مظفر، معتبرين التزكية ‘محطة ترانزيت’ فقط ولا علاقة لها بالضرورة الحتمية لاحترام إرادة الناخبين الذين تم الالتفاف على أصواتهم من قبل المؤسسة الحزبية المانحة للتزكية، وكذا الشخص الممنوحة له، باعتبار الأولى كانت تراهن استنادا إلى هذه الممارسة على حشد الأصوات المعبر عنها للرفع من سقف الكوتا المخصصة لتغطية الحملة الانتخابية على حساب التحايل الذي مارسته على الناخبين، والإسهام الفعلي في إعداد مرشحين وتأهيلهم لتكريس ثقافة الترحال والانخراط ضمن شبكة الرحل. ولعل اللافت للنظر كون هذه الممارسات في ظل التغني ‘بالثقافة السياسية الجديدة’ شكلت نفورا جماعيا في التعاطي مع العمل الحزبي، مما أفضى إلى حالة التيه والضعف والتردي التي فتحت الأبواب مشرعة أمام تنشيط منظومة النظرية الانشقاقية لتجاوز تصاعد حمى الاحتجاجات.

وأمام حالة الانكسار والانتظارية تم الإسراع إلى خلق تحالفات اعتبرت من منطلقها هشة وضعيفة ولا تستند إلى أي مشروع سياسي متكامل ومتجانس في خلفيته الإيديولوجية ومبادئه ومواقفه التنظيمية، حيث اقتصر التحالف على التنسيق في مجالات ذات طابع تشريعي سعيا إلى البحث عن سند الدعم والتقوية، إلا أن تنسيقا براغماتيا من هذا القبيل لن يؤدي إلا إلى تكريس مزيد من الهشاشة والضعف، استنادا إلى المثل الشائع: ‘تشبث غريق بغريق’. وفي ظل حالة التيه هذه تفيد الإحصائيات والتقارير بأن السنتين الأخيرتين تميزتا بنزوح جماهيري واسع النطاق من مختلف الفئات العمرية نحو نقط الجذب الفرجــــوية لكرة القدم التي يخوض تظــــاهراتها كل من نـــاديي ‘ريال مدريد والبارصا’، حيث تغـــدو المقاهي الملاذ القسري لمتـــابعة المبـــاريات الدورية بحماس منقطع النظير، إذ تشتد حمى الصفير والهتاف لتشجيع المبادرات الفرجوية الجادة، أوهيستيريا اللوم والعتاب لكل المحاولات الضائعة ووضعيات التسلل المشبوهة أو كل تلكؤ وتعـــثر من شأنهما التشويش على جودة الفرجة، هذه السلوكات غير المألوفة والدخيلة تعطي الانطباع بكون الشباب وجد نفسه أمام مفترق الطرق، في ظل ما يعرفه الراهن السياسي من تراجع وما تشهده بعض الأندية الرياضية من تقهقر، خصوصا تلك التي لازالت سجلاتها الحافلة بالعطاء والتألق ونجومية اللاعبين الرواد من الجيل الأول والثاني ممن تركوا بصماتهم خالدة في صفحات الشأن الرياضي، ولعل المتابعة الدقيقة لهذه التحولات تحيل الباحثين الى خلاصات واستنتاجات، مفادها أن مظاهر النزوح تبقى في وظيفتها تعويضية وبديلة لاهتمامات الشباب التي كان ينبغي أن تصرف في الانخراط الإيجابي في العمل السياسي من خلال التدرج التراتبي لتكوين اليافعين والشباب ضمن أجهزة الأحزاب وهياكلها ليكونوا عماد المستقبل ومنظري زمانهم، إلا أن حالة التوجس والتمركز حول الذات والانتظارية الرتيبة التي تميز الراهن السياسي جعلت من السياسة مصدر تنفير بدل أن تكون أداة استقطاب وجذب وتأطير، ليكون المآل هروبا جماهيريا للارتماء في أحضان ‘البارصا والريال’ وتراجعا للوضع السياسي الذي قد يكون بداية إعلان عن دخوله مرحلة موت ‘إكلينيكي’.’ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية