النظام التعليمي يمثل خطرا على الوحدة الوطنية أحمد الخميسي يقدم كتابا جديداً عن أزمة أقباط مصرالقاهرة ـ ‘ القدس العربي’ ـ من محمود قرني يفتح الدكتور أحمد الخميسي بابا واسعا على ريح عاتية، أرادته الأزمات المجتمعية والسياسية في مصر أن يكون مغلقا.
لكن تلك الدعوة الحميمة أحيانا والجارحة أحيانا أخرى التي يدفعها الخميسي للأمام تعني أن أزمة العلاقة بين الأقباط والمسلمين تستحق أكثر من القبلات الفارغة التي يتبادلها البابا وشيخ الأزهر تحت الإشراف الرئاسي، والتي باتت لا تعني شيئا ذا بال بالنسبة لجموع المصريين، بل ربما بات التأكيد الدائم عليها يعني انتشار المرض في الجسد المتهالك.
قدم الخميسي كتابا فريدا في رقة نبرته، وتنوع خطابه، فهو يتراوح بين الإنسان المغرق في الإنسانية، والتنظيري المغرق في الوعي بجذور المشكلة، وذلك تحت عنوان ‘ الباب المغلق بين الأقباط والمسلمين في مصر’، وقد غلبت الخميسي أجواؤه القصصية التي أنجز فيها مجموعة فريدة هي ‘ قطعة ليل’، وها هــو يفتتــح كتابه بقصة فريدة وفاتنة وجارحة تحت عنوان ‘ الباب المغلق’، وهي قصة ربما كانت تمثل أفضل المداخل للأزمة التي يتناولها الكتاب.
يتناول الدكتور أحمد الخميسي قصة الصبية اليافعة هدى التي لا زالت في سن الطفولة، فهي ابنة بواب من اقصى جنوب البلاد يعيش حارسا لعقار في حي الظاهر، توفيت زوجته وتركت له ابنتهما هدى الطفلة التي كانت تقوم بقضاء معظم حاجيات السكان نيابة عن ابيها المريض بالفشل الكلوي، حيث وافته المنية نتيجة هذا المرض، فما كان من السيد موريس المحاسب بأحد البنوك والسيدة جانيت زوجته ـ وهما قبطيان يسكنان الطابق الأول بنفس العمارة ـ إلا أن آويا الطفلة هدى وقاما حيالها بما يفعله الأهل في مثل هذه الظروف، بل فكرت مدام جانيت ـ التي لم تنجب أطفالا لزوجها موريس ـ أن تجهز غرفة لهدى بغرض الإقامة الدائمة، غير أن الأقاويل التي سادت الشارع كله والتي تناقلتها الألسن أن موريس وجانيت سوف يقومان بتنصير هدى، وعندما شعرت الأسرة الصغيرة أنها ستكون مستهدفة عما قريب، لم يكن أمام الاستاذ موريس إلا أن يطرد هدى، ويرصد الخميسي مشهدا مأساويا للبنت التي كانت ترفض ان تفارق أسرة أحبتها وكذلك الأسرة التي كان تحترق مشاعرها وهي تفعل ذلك بالبنت، غير أن الأستاذ موريس يغلق الباب من الداخل وهو يتمزق ألما، وهدى في الخارج تدق الباب بعنف وتبكي، بكاء مرا.
هذا هو الباب المغلق الذي أشاع ألما مبكرا في الكتاب الجديد لأحمد الخميسي، الذي لا يكتفي بمثل هذه الرواية التي جاءته من الواقع، بل يرصد لنا في ثاني تلك الأقاصيص حكاية ‘ سعاد التي في خاطري’ تلك الطفلة فائقة الجمال التي جمعته بها علاقتهــــــما كجيران، وكيف أن سنوات البراءة الأولى زرعت مساحة هائلة من الحب والتواصل عكس ما حدث في السنوات التالية من نضج ووعي فتحا مسامع الفتاة على تفرقة لا معنى لها يلعب فيها الدين السبب الأساسي دون وعي من عامة الناس، وهنا يري الخميـسي أن تلك الثقافة التي تقوم على التفرقة ظلمت الأقباط كما ظلمت المسلمين، ويقول في ذلك: أدركت أن أخطر ما يهدد الثقافة المصرية هو التفرقة التي ينتشر بها من طفولتنا، لأن المسلمين هنا ينشأون على ثقافة إسلامية فحسب، ـ بالمعنى العام للثقافة ـ بينما ينشأ معظم الأقباط بدورهم على ثقافـــــة مسيحية فحسب، لا أحد يعلمنا منذ الطفـــــــولة أن تاريخ مصر وحده لا يتجزأ، وأنه لا يمكن لمصري أن يلم بتاريخ بلده من دون أن يتعرف إلى هاتين الثقافتين ومن دون أن ينشر بهما وجدانه، ومن ثم فإن التفرقة في التربية في الصغر، والطائفية في الكبر عقاب يحل ليس فقط بالأقباط ولكن بالمسلمين أيضا لأنها تحرمهم من اكتمال شعورهم بالوطن.
هذه هي مجمل الرؤية الإنسانية أولا والفكرية ثانياً التي ينطلق منها كتاب الدكتور الخميسي، وهي الرؤية التي توضحها بجلاء عدة دراسات تالية شملها الكتاب، حيث يتناول الكاتب ذلك الحادث المؤسف الذي روجته صحيفة ‘ النبأ’ في عام 2001، حول راهب دير المحرق بأسيوط الذي اغتصب العديد من النساء، وهو الحادث الذي أثار فتنة كبرى راح ضحيـــتها رئيس تحـــــرير الجريدة ممدوح مهران، بينما كان الحادث قديماً وتم شلح الراهب وطرده من الكنيسة وهي معلومات لم تشر إليها الجريدة، وتشكك الخميسي في مقاله في الدوافع وراء النشر، وعدم الإشارة الى تاريخ الحادث والعقوبات التي وقعتها الكنيسة على الراهب، وكذلك كيفية حصوله على الصور، ويقول هنا: إن الموضوع يثير أربع قضايا هامة الأولى: تتعلق بمفهوم حرية الصحافة، والثانية: خاصة بتوقيت النشر والجهة التي وقفت خلف ذلك وأمدت الصحيفة بصور من سجلات تحقيق رسمي وأهداف هذه الجهة من ذلك في ظل ظروف اجتماعية وسياسية محتقنة، والثالثة تخص انحسار الفكر العلمي بشكل عام والقضية الرابعة هي قضية الطائفية التي اختفت مع أحداث الكشح لتعود من جديد مع هذه الحادثة، ويخلص الخميسي في مقاله إلى أن التعليم والإعلان عندما يتجاهلان تاريخ الأقباط إنما يجعلانه موضوعا مبهما في الوعي يصعب تصوره، وهو ما يراه يشكل خطورة مزدوجة على الوحدة الوطنية والثقافة المصرية التي يقول انها على هذا النحو ترى بعين واحدة.
وفي مقال آخر يتناول الخميسي معنى شائكا آخر هو غياب الأدب الذي يتناول أوضاع الأقباط ويشير إلى أن أدبا من هذا النوع لم يوجد سوى في روايات كتاب مسلمين مثل إحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ وأن النماذج القبطية التي ظهرت لدي كاتب قبطي مثل إدوار الخراط ظهرت على استحياء، ويدعو الخميسي إلى ضرورة ملء هذا الفراغ ويقول إن ثمة أهمية للتعبير الأدبي عن القضايا القبطية، ويرى كذلك أن العوالم المعنوية والفكرية والفردية والجماعية لهم يجب الا تبقى أسيرة للعتمة والصمت.
ويقول: إن ذلك يجعلها شيئا مجهولا، قابلا لإضافات الخيال بالسلب والايجاب لأن الطبيعة تكره الفراغ، ومن ثم تملأه ـ على الأغلب ـ بالأوهام والتصورات المريضة عن الآخر، ويدعو الخميسي في نهاية مقاله إلى دعم أدب مصري متعدد ومتنوع حتى لا ننتهي الى رفع شعارات ممجوجة عن الأدب الإسلامي و الأدب القبطي.
وفي مقال من أهم مقالات الكتاب يتناول الخميسي موضوع المطالب القبطية التاريخية لإقرار نوع من المساواة المرجوة، وذلك تعقيبا على أحداث الفتنة الطائفية في مدينة الإسكندرية في العام الماضي.
يجمل الخميسي ويتبنى ما يطالب به الأقباط ويدعو القوى السياسية إلى مؤازرته والوقوف خلفه وممارسة الضغط المطلوب على الحكومة لتنفيذه.
يقول الخميسي إن ذلك لكي يتحقق لا بد من:
نزع خانة الديانة من البطاقات وجوازات السفر لأن المواطن يعرف بجنسيته وليس بدينه ومساواة الأقباط بغيرهم في أوقات البث الإعلامي والتليفزيوني لطقوس الأقباط الدينية، والإلغاء الكامل لقرارات الخط الهمايوني، وإعادة أراضي الوقف المسيحية للأقباط، ووقف كافة أشكال التمييز فيما يتعلق بشغل المناصب العليا، ووضع القوانين الكفيلة بنبذ الكراهية على المنابر وفي المدارس والنظام التعليمي، ووضع مواد دراسية تعيد الاعتبار للتاريخ المصري باعتباره تاريخا واحدا.
يتضمن كتاب الدكتور الخميسي الى جانب ذلك العديد من المقالات المؤثرة التي وصلت إلى سبعة عشر مقالا منها وحش التمييز، أيام عزبة واصف وأيام طه حسين، جبهة إسلامية مسيحية، الدولة والنزعة السحرية، الطائفية إلى متى، الطريق للخروج من الأزمة، من أجل القرآن، المسألة القبطية وما جرى في الإسكندرية.
وقد صدر الكتاب عن سلسلة ‘ كراسات الشعب’ التي تصدر عن مؤسسة الهلالي للحريات، وهي المؤسسة التي حملت اسم المحامي والمناضل السياسي الراحل نبيل الهلالي أحد رموز الحركة الوطنية المصرية وحسب وصف أقرانه قديس الحركة الوطنية الذي رحل عنا منذ ما يتجاوز العام، وهو أحد المكافحين والمدافعين عن المضطهدين والمقموعين من كافة فئات المجتمع وعلى رأسهم الجماعات الدينية، والفقراء والعمال، وهو إلى جانب ذلك سليل الارستقراطية المصرية حيث ينحدر من نجيب الهلالي باشا رئيس الوزراء الأسبق.
والمؤسسة الجديدة تعمل تحت رعاية مجلس أمناء يتكون إلى جانب الخميسي من المحامي أحمد سيف الإسلام، رضوى عاشور، رؤوف عباس، سمير أمين، شكري عازر، صنع الله إبراهيم، عبدالعال الباقوري، عبدالمحسن شاشة، مصطفى الجمال، والدكتورة منى أنيس.
يقع الكتاب في 146 صفحة من القطع الصغير، في غلاف متميز وطباعة أنيقة تحت إشراف الفنان فتحي غالي والهيئة التنفيذية لمؤسسة الهلالي للحريات المكونة من سيد فتحي، ممدوح حبش، ونبيل صبحي.