النافورات عبر العصور: من الوظيفة النفعية لترطيب الاجواء الى الغاية الجمالية

حجم الخط
0

عبير عليما من شك في أن الإنسان بفطرته وحسه المرهف للجمال وعشقه للإبداع، حاول أن يصوغ كل ما تشكله يداه في قالب فني، معبرا عن رغباته الكامنة التي تتباين وفق قدرته على الابتكار ومقدار تأثره بما حوله. وقد ظل دائما دائب الجهد في تكييف الطبيعة حوله لملائمة حاجاته الجسدية والروحانية. ومنذ القدم، نجد أن المياه شكلت في مسيرة الإنسانية عاملا مهما في ظهور معظم الحضارات واستمرارها وتقدمها. وقد سعى الإنسان بإرادته القوية ولارتباطه الروحي والنفعي بالماء الى توظيف العناصر والظروف الموضوعية لابتكار أشكال جديدة وعناصر بنائية معمارية لاحتواء عنصر الماء، الذي يعد من أهم العناصر المؤثرة على إضافة الحركة والحياة للتكوين الفني ‘للنافورة’ وأيضا إضافة النباتات والزهور تزيد من القيم الجمالية لها، كما تكتسب النافورات بعدا تشكيليا عند تسليط الإضاءة الملونة عليها ليلا فيتمتع الإنسان بلحظات من الخيال والسحر.. وتظهر أهميتها ايضا في تلطيف الهواء برذاذ الماء المتطاير منها، كما تحقق النافورات التنوع الناتج من انعكاسات السماء والعناصر الرأسية والمنشآت المحيطة بها، ويتضاعف التأثير الجمالي عندما تتجانس النافورات مع الأعمال التشكيلية النحتية ومع البيئة المحيطة بمختلف عناصرها، حيث تعطي التشكيلات النحتية والتماثيل للفراغات العمرانية خواص تشكيلية وتأثيرا بصريا جماليا، وذلك حينما يتناسب مقاسها ونسب تشكيلها وخاماتها مع شكل ومقاس الفراغ والبيئة المحيطة.. مما يساعد على تكوين علاقات فراغية متحركة بينها وبين الكتل والسطوح المحيطة. وتمثل ‘النافورات’ بمعناها الشامل الذي تتضمنه الكلمة، تحريك الماء بصورة رأسية صاعدة أو هابطة أو متدرجة، وأحيانا لتكوينات مائية مركبة تدخلت فيها النواحي الفلسفية التي استلهمت فيها المهارات الحرفية، وعناصر البيئة بالإضافة الى ظروف المناخ. وتعبر النافورات على مر العصور عن اتجاهات وتيارات مختلفة حسب كل حضارة، وقد أمكن التعرف على أشكال النافورات في الحضارة المصرية القديمة، من خلال البرك الزخرفية والأحواض النفعية المتعددة الأغراض، منها تربية الطيور المنزلية، وأسماك الزينة، والأسماك الخاصة بالطعام، وأحواض زراعة زهور اللوتس ونبات البردي.

كما عرف عن البابليين والأشوريين، وذلك من خلال الكتابات القديمة قيامهم بإنشاء شبكة واسعة من البحيرات والقنوات الخاصة بأغراض الري. كما عرفت النافورة التي تتكون من أحواض مدرجة نحتت في الصخر ويتدرج سقوط الماء من كل حوض الى الحوض الذي يليه عبر قناة حتى يصب في مجرى النهر.

وقد احتلت النافورة في الحضارة الفارسية مكانتها من حيث كونها عنصرا مركزا في وسط المدينة ينبع منها أربع قنوات رئيسية تمثل الروافد الأربعة للنهر الذي يجري في جنة عدن.

وفي الحضارة الإغريقية حظيت النافورة باهتمام كبير، إذ كانت تعد من المقدسات، وكان العديد منها ينسب الى الآلهة والحوريات وأبطال الأساطير مما ألحق بها العديد من القدرات والصفات كالقدرة على الشفاء من الأمراض والتخلص من الأرواح الشريرة، كما تعد مصدرا للتزود بالماء. وكانت تظلل بتغطية كالقباب وتلحق بها الحدائق والمعابد، كما تدخلت أعمال النحت كعنصر تشكيل أساسي في النافورات، اعتبارا من القرن السادس قبل الميلاد. وكان ازدهار النافورات العامة في الحضارة الإغريقية انعكاسا للاهتمام المتواضع الذي حظي به المنزل الإغريقي مقارنة بالعناصر المعمارية الأخرى.

وقد لعبت المياه في الحضارة الرومانية دورا كبيرا لتزيين النافورات أكثر من الغرض الرئيسي منها، وهو تغذية المدينة وساكنيها بالمياه تبعا لتزايد النمو العمراني. وقد استخدمت الزخارف بسخاء لنافورات منازل الطبقة الأرستقراطية، والنموذج النفعي لنافورة الطريق الخاص بالجمهور التي تكون أهم عناصرها منحوتة عاليا على هيئة رؤوس بشرية أو حيوانية.

وفي العصر المسيحي وضعت النافورات في الفناء الخارجي (الإيوان الكبير) للبازيليكا كرمز للنقاء والتطهر. وتتصف بقلة الزخارف وبساطة التصميم وخلوه من التعقيدات والتكلف، وهي الملامح العامة للحياة في هذا العصر.

وفي العصور الوسطى الأوروبية خلال فترتها الأولى تأثرا بالحروب وانتشار الأوبئة، دعا ذلك الى الانصراف عن إنشاء الحدائق لتكدس المدن بالسكان. فتحولت النافورات العامة من المعالجات الزخرفية والمعمارية للحدائق فأصبحت بئرا توفر للجمهور القدر الأكبر من الماء، فأنشئت النافورات على الحيطان وعلى روافد الأنهار والقنوات.

وفي نهاية العصور الوسطى أصبحت النافورة عنصرا دارجا من عناصر البناء الشائعة بعد الاهتمام بتزايد كميات ونمو النشاط التجاري. وأصبحت تتكون النافورة من حوض مضلع أو دائري أو بيضاوي وبها العديد من مخارج المياه.

كما أن النافورات ابتعدت في الحضارة الإسلامية عن التعقيدات التصميمية، فلم تزد أغلب النافورات على مدار العصور الإسلامية عن حوض غائر في الأرض أو يعلوها بارتفاع بسيط. ويتضمن الحوض إما انبثاقا مائيا مفردا، أو طبقا أصغر يندفع منه الماء ليتساقط في الحوض الرئيسي، أو عنصرا نحتيا بسيطا يتضمن عددا من مخارج المياه. وتمثلت استخدامات النافورات بين النواحي الوظيفية والنفعية، مثل نافورات الوضوء التي تتوسط أفنية المساجد ونافورات الشرب العامة (الأسبلة) التي تقام بالأركان الخارجية للمساجد.

وقد كانت النافورة في البيت العربي، كما ذكر المعماري حسن فتحي، توضع في وسط الفناء بحيث تطل عليها الأيونات وقاعات الجلوس. وكان للنافورة دائما شكل رمزي يتكون من مربع محيطه الداخلي ثماني أو سداسي الشكل. وتكون المساحات المثلثة التي تتكون عند زوايا المربع مفرغة من الداخل على شكل نصف دائري، بحيث يصبح شكل الحوض من الداخل مماثلا للشكل الذي يتكون عند وضع قبة فوق مقرنصات. ويرمز بهذا الشكل لقبة السماء، وهكذا تقترب السماء الحقيقية من الأيونات بتمثيل صورة رمزية لها في حوض المياه. وبتطور البيت العربي تحول مفهوم الفناء ذي الأيونات الى مفهوم القاعة الذي يتكون من: القاعة وهي عبارة عن فناء مسقوف، والأيونات المحيطة بها والمطلة عليها. وتحتل النافورة في هذا التصميم مركزا متوسطا، بحيث يقصد الى إظهار عنصر الماء على أجمل صورة ممكنة يمتزج به الهواء ويزداد ترطيبا. وقد انحصرت النافورات بالمغرب العربي في أفنية المنازل والمساجد والمدارس والأضرحة، ويطلق المغاربة عليها اسم ‘الخصة’، حيث تتوسط فضاء حديقة المنزل، أو يفرد لها مكان عند مدخل الفيلات أو وسط الصالونات التقليدية. وكان إعجاب الحكام الاسبان بالنافورات الأندلسية سببا في رفعها عن الأرض بإضافة قواعد وأعمدة من طراز عصر النهضة لتيسير رؤيتها على المشاهد.

وفي غرناطة أقيمت نافورة السباع المزخرفة في قصر الحمراء، حيث يتخذ تصميم فناء السباع شكلاً مستطيلاً مكشوفاً أبعاده 38 * 22 مترا، تحيط به من جهاته الأربع أروقة ذات عقود، تحملها 124 عمودا من الرخام الأبيض، صغيرة الحجم متناهية في الجمال والرشاقة، وتتوسط الفناء بركة ونافورة رخامية، يبلغ قطرها حوالي 3.5 م، وعمقها 65 سم، ويحمل حوضها المرمري المستدير الضخم اثنا عشر أسداً نحتت من الرخام الأبيض، ويبلغ ارتفاع كل واحد منها نحو 82 سم، ويتدفق الماء من أفواهها لتصب في أربع قنوات متقاطعة تنساب المياه فيها لتنتهي اثنتان منها بنافورتين رخاميتين صغيرتين داخل القاعتين الواقعتين في شمال وجنوب الفناء، ترطبان الجو وتملآن أرجاءهما بنغم خرير الماء، أما القناتان الأخريان فهما أقصر بكثير، وتنتهيان بنافورتين من الرخام في جوار فناء السباع. وفي إيران استخدمت البرك والنافورات كمصدر إمداد الحدائق بالماء أو للوضوء في المساجد. وتنوعت أشكالها وأحجامها. وقد أخذ شكل النافورات في الهند شكلا مخالفا للمعتاد، فقد أقيمت على هيئة منحدر مائي تسيل عليه المياه من أعلى الى أسفل لتصب في بركة مائية تنتشر بها النافورات البرونزية.

وبالاستعانة بالنحت الأغريقي والروماني في أوائل عصر النهضة تمت أقامة العديد من النافورات التي تطورت من مجرد حوض حجري يتوسطه تمثال كلاسيكي الى عدد من الأحواض الدائرية أو المضلعة تتدرج رأسيا على عمود ينتهي في أعلاه بقطعة من النحت المنفذة خصيصا للنافورة لتتضمن مخارج الماء، وتعكس فترة القرون الوسطى التي كانت الحضارة بأكملها متأثرة بالفكر الديني وتسخير الإنسان لخدمة الماء والاستفادة من مساقط المياه والشلالات الصناعية التي احتلتها المنازل الأساسية للمدن مع بداية القرن الخامس عشر.

وفي عصر الباروك أصبحت النافورة عبارة عن تكوينات من الأحواض والنحت الآدمي والحيواني والعروض المائية المتدفقة. وأشهرها نافورات روما العديدة وفرساي بفرنسا. هذا بخلاف النافورات المنحوتة داخل عقد في الحائط مع الزخارف المستوحاة من الأمواج والأصداف والرؤوس الآدمية والحيوانية والأقنعة المثبتة على الحائط.

وقد تعرضت النافورات في القرن التاسع عشر لتغيرات كثيرة نتيجة لظهور المواد والتقنيات الجديدة والحاجة الى إبداع أشكال أخرى تتناسب مع تغيير المناخ الثقافي والفني وظهور حركة رومانتيكية تدعو الى العودة للطرز القديمة والاهتمام بالنواحي الجمالية والبصرية.

وتوالت الجهود في انحسارهذا التيار المناهض للتطور مع بداية القرن العشرين لإيجاد طراز معين يتفق مع التكنولوجيا والاحتياجات المتجددة للمجتمع. فظهرت التكعيبية والتجريدية لتلعب النافورة دورها وتأثيراتها من خلال استعراض الكتل المبنية وتشكيلات نفاثات المياه التي أصبحت تغذى بواسطة مضخات كهربائية، بالإضافة الى التأثيرات المتعددة للإضاءة. وأصبحت النافورات منذ مابعد الحرب العالمية الثانية 1945 ترمز للأفكار الحديثة والخامات المتوفرة في ذلك الوقت. وقد دعا الشعور الناشئ عن الملل وعدم تفرد النافورة المعاصرة بطابع خاص لكل منها الى ظهور حركة رومانتيكية جديدة في السنوات الأخيرة لهذا القرن يعمل على إعادة تجديد وترميم أو إدخال تعديلات على النافورات القديمة التي كانت مهملة، من دون اللجوء الى إحداث طراز معاصر يدعو الى استخدامه.

وكما هو ملاحظ مما سبق، أن النافورات كانت في الماضي لها أغراض رئيسية ونفعية ووظيفية، خاصة في أفنية البيوت، لكنها الآن اقتصرت على النواحي الجمالية فقط، وأصبحت جزءا من الديكور العام بما تحويه من تصاميم هندسية جميلة سواء كانت من الرخام أو الفسيفساء، وبما تضيفه للنفس من راحة واسترخاء بخرير مياهها، والصورالرائعة التي تحدثها أشكال الماء الذي تقذف به من فوهاتها وأصوات تساقط المياه على الأحواض. حيث أن من الاحتياجات الإنسانية الضرورية الحاجة الى الهدوء والاسترخاء، وتحقيق الهدوء والاسترخاء هو أول المتطلبات التي يطمح الإنسان لتوفيرها في العمارة، وهو ضرورة من ضرورات الحياة واحد أهم متطلبات الإنسان النفسية، والذي ينعكس على جميع جوانب حياة الفرد الشخصية والمجتمعية والعملية.

باحثة من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية